الصكوك ودعمها لمصر بمواجهة صندوق النقد

الصكوك ودعمها لمصر بمواجهة صندوق النقد
index

وكالات:

ثمة إجماع على أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى دعم بعد ثورة 25 يناير، وبخاصة ما يتعلق بتقليص الفجوة التمويلية التي تقدر بحدود 14 مليار دولار.

وتتعدد المصادر التي يمكن من خلالها تغطية هذه الفجوة التمويلية من خلال الاقتراض من الخارج. لكن هذه البوابة موصدة حتى توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لتحصل مصر بموجب التوقيع على شهادة تفيد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

والباب الثاني هو الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لكن الاقتصاد المصري في أحسن أحواله قبل ثورة 25 يناير حقق نحو 13 مليار دولار كاستثمارات أجنبية مباشرة، وكان لبرنامج الخصخصة دور كبير في تحقيق هذا الرقم. ومن غير المتوقع -في الأجل القصير أو المتوسط- أن تصل الاستثمارات الأجنبية المباشرة لمصر لرقم 14 مليار دولار سنويًا.

وقد طرحت القوى الإسلامية الصكوك باعتبارها مخرجًا آمنًا، دون اللجوء للاقتراض، سواء من صندوق النقد الدولي أو من غيره، فضلا عن توافقها مع قواعد التمويل الإسلامي الذي يعتمد على آلية المشاركة، ونبذ الاقتراض بفائدة.

وطرحت آليات أخرى لتغطية الفجوة التمويلية، مثل طرح بعض الأصول للبيع لصالح المصريين المغتربين، على أن يكون البيع بالدولار، وأن تكون هناك ميزة سعرية في هذه الصفقات، وبخاصة تلك المتعلقة بطرح الأراضي أو العقارات. كما اقترحت أيضا آلية السندات الدولارية للمغتربين، أو الدعوة لتكوين ودائع دولارية متوسطة الأجل من قبل المصريين المغتربين، نظير إعطائهم بعض المزايا السعرية في الأراضي أو العقارات التي تطرحها الدولة.

وقد تم بالفعل تفعيل بعض هذه الآليات، لكنها كانت ذات مردود ضعيف، لم يساعد على إخراج الاقتصاد المصري من عثرته التمويلية.

ولم يبق أمام الحكومة المصرية سوى اللجوء لصندوق النقد الدولي وإنهاء المفاوضات الخاصة للحصول على قرض بنحو 4.8 مليارات دولار، أو تسريع تفعيل آلية الصكوك الإسلامية لاستجلاب موارد دولارية جديدة، أو تفعيل الآليتين معًا.

لكن مفاوضات الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي لا تزال تراوح مكانها، وأصبح السيناريو المتداول أن تكون الصكوك الإسلامية البديل القوي لقرض صندوق النقد الدولي، أو على أقل تقدير أن تصبح الصكوك الإسلامية ورقة قوية في يد المفاوض المصري أمام صندوق النقد الدولي.

فما هي تصورات سيناريو أن تكون الصكوك الإسلامية بديلا لقرض صندوق النقد الدولي، أو تكون ورقة لتقوية موقف المفاوض المصري أمام صندوق النقد الدولي؟

ماراثون التفاوض
لقد لوح صندوق النقد الدولي بعد نجاح ثورة 25 يناير باستعداده لتقديم المساعدة لمصر، إلا أن الحكومة المصرية أعلنت عدم حاجتها لمساعدة الصندوق، لكنها أعلنت بعد ذلك عن دخولها في مفاوضات معه للحصول على قرض بنحو 3.2 مليارات دولار.

ثم جددت الحكومة رفضها للحصول على قرض الصندوق في مايو/أيار 2011 بدعوى وجود شروط تمس السيادة المصرية. ومع مجيء حكومة الجنزوري تجدد المطلب المصري لطلب قرض الصندوق ولكن بقيمة جديدة تصل نحو 4.8 مليارات دولار.

ومنذ ذلك الحين والمفاوضات تتعرض لسيناريوهات التفاؤل والتشاؤم. وقد ساعد على ذلك عدم سرعة الحكومة المصرية في حسم برنامجها الاقتصادي، وكذلك التداعيات السياسية المتلاحقة بما فيها العراك السياسي الداخلي الذي شابه العنف في بعض مراحله. واستدعى ذلك أن يعلن الصندوق عن تقديم القرض العاجل والمقدر بنحو 750 مليون دولار، وهو ما رفضته مصر لما يترتب عليه من آثار سلبية في تقييمات التصنيف الاقتصادي لمصر.

وبذلك تكون المفاوضات بين الجانبين قد اقتربت من نحو عامين دون جدوى، فلا مصر حصلت على قرض صندوق النقد الدولي، ولا الصندوق أعلن عن رفضه لمنح مصر القرض المطلوب.

لكن هذا الوضع يعقد أزمة مصر التمويلية، والمتمثلة في نزيف احتياطيات النقد الأجنبي، وانخفاض سعر العملة المحلية، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية الكلية السلبية.

ماهية الصكوك
حسب قانون الصكوك الذي صدر مؤخرًا من مجلس الشورى المصري، فإن الصكوك هي “أوراق مالية اسمية متساوية القيمة، تصدر لمدة محددة، على أساس عقد تمويل شرعى، بالجنيه المصري أو بالعملات الأجنبية، عن طريق الاكتتاب العام أو الخاص. وتمثل حصصًا شائعة في ملكية موجوداتها وفقًا لما تحدده نشرة الاكتتاب”.

وبالتالي يوجد فارق كبير بين الصكوك وبين سندات الدين التي تعد إحدى أدوات التمويل التقليدية، حيث أن الصكوك ليست دينا ولكنها سند ملكية، وبالتالي لا تمثل الصكوك ديونا في ذمة مصدرها ولكنها سند ملكية لحائزها.

كما أن الصكوك -كما عرفها القانون- تصدر على أساس عقد تمويل شرعي، بينما السندات لا يشترط فيها الجانب الشرعي، فهي ليست إلا دليلا على عقد قرض بفائدة معلومة بين طرفين هما الدائن والمدين، ويكون سعر الفائدة هو العامل الجاذب للاكتتاب بالسندات.

وحسبما ذكرت المذكرة الإيضاحية لقانون الصكوك، فإنها تعد آلية تمويلية سوف تساعد الاقتصاد المصري على مواجهة العديد من الصعوبات التي يعانيها، كما تساعد في تعبئة الموارد المالية اللازمة لتمويل التنمية الاقتصادية، وبالطريقة التي تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.

وحسمًا للجدل السياسي والمجتمعي حول قانون الصكوك، فقد أحال الرئيس المصري محمد مرسي قانون الصكوك لهيئة كبار العلماء لإبداء الرأي فيه، وذلك وفق مقتضيات الدستور المصري الجديد.

فرص نجاح الصكوك
أعلنت وزارة المالية المصرية أنها بصدد العمل على إنجاز اللائحة التنفيذية لقانون الصكوك في أسرع وقت، وقد لا يستغرق الأمر فترة ثلاثة أشهر التي حددها القانون لإنجاز هذا الأمر.

وعلى صعيد آخر، قامت الوزارة بتنظيم مجموعة من الدورات التدريبية للجهات التي سيسند إليها تطبيق القانون.

وهناك عدة عوامل سوف تساعد على نجاح تجربة الصكوك المصرية، ومن هذه العوامل ما يلي:

– على الصعيد الدولي تشهد آلية الصكوك نموًا سنويًا يقدر بنحو 20%. وحسب تقديرات الفترة من 2013 إلى 2016 فإن سوق الصكوك الإسلامية على مستوى العالم سوف يصل لنحو 420 مليار دولار، وإن مصر مرشحة بقوة لتكون في صدارة الدول التي ستستفيد من حركة تمويل إصدار الصكوك بشكل كبير من الحصة الدولية. وقد جاءت هذه التقديرات في مسح أجرته طومسون رويترز في ديسمبر 2012. وذكرت نتائج المسح أن مصر ستكون في صدارة الدول المستفيدة من الصكوك الإسلامية، تليها سلطنة عمان، ثم كازاخستان.

– يُتوقع أن تساهم منظمات تمويلية إقليمية وقطرية في تمويل إصدارات الصكوك المصرية، ومنها مؤسسة البنك الإسلامي للتنمية بجدة، حيث أعلن البنك عن مساندته لمصر. وبحسب ما نشر بجريدة الأهرام المصرية في 22 يناير/كانون الثاني الماضي، فإن البنك رصد 6 مليارات جنيه لتمويل إصدارات الصكوك بمصر على مدار السنوات القادمة.

– يعتبر جانب كبير من الإسلاميين نجاح التجربة المصرية نجاحا للتجربة الإسلامية ككل، وسوف يعتبرون تمويل الصكوك الإسلامية نوعا من الدعم للتجربة الإسلامية في مصر. ولكن تظل هذه رغبة أفراد، بينما تمويل اقتصاديات الدول يعتمد على تمويل المؤسسات ذات الملاءات المالية الكبيرة.

الصكوك كبديل
متى تستطيع مصر أن تعتبر الصكوك بديلا لقرض الصندوق، أو أن تكون الصكوك ورقة ضغط أو آلية أفضل للتفاوض حول شروط القرض مع الصندوق؟

يتوقع أن تنجح مصر في تحقيق هذا السناريو إذا ما توفرت الشروط الآتية:

-تبني برنامج إصلاحي لتصحيح الخلل الهيكلي بالاقتصاد المصري، بغض النظر عن توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، حيث سيكون هذا البرنامج خير مسوق للصكوك المصرية في السوق الدولية والإقليمية، وبما يؤدي إلى تحسين في بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية وعلى رأسها عجز ميزان المدفوعات. وفي هذه الحالة سيكون بمقدور مصر التفاوض من منطلق قوي.

– ألا تنتظر مصر نتائج مفاوضاتها مع الصندوق لإصدار الصكوك الخاصة بها في السوق الدولية، ولكن عليها أن تسير في الاتجاهين، وإن أسرعت في طرح الصكوك أثناء التفاوض فسوف يؤدي ذلك إلى قوة موقفها التفاوضي، بل قد يساعدها في رفض قرض الصندوق أو أن تقترض في حدود حصتها التي يتيحها نظام الصندوق وهي بحدود 1.2 مليار دولار.

– تشير التقديرات إلى إمكانية حصول مصر على نحو 10 مليارات دولار سنويًا من عمليات إصدار الصكوك من السوق الدولية، وهو ما يجعلها في غنى عن قرض الصندوق، أو على الأقل تحصل على أفضل شروط لحصولها على القرض.

– أن تعتمد مصر في تنفيذ المشروعات الممولة من الصكوك على المؤسسات المحلية، حتى تمكن الاستفادة من الموارد الدولارية التي تدرها الصكوك، ولا يعاد ضخها للخارج من خلال عمليات استيراد.

– السيناريو الأسوأ أن يمارس صندوق النقد ضغوضًا على الجهات ذات الرغبة في الاكتتاب بالصكوك المصرية، لمنعها من الاكتتاب حتى توقع مصر على اتفاقها معه، وقد ينجح الصندوق في ذلك مع الجهات الحكومية، أما القطاع الخاص فستكون له حسابات أخرى خارج نطاق سيطرة صندوق النقد.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *