الكاريكاتير الفلسطيني.. خطوط ساخرة لواقع مؤلم

الكاريكاتير الفلسطيني.. خطوط ساخرة لواقع مؤلم
Palestine _amp_ egypt are brothers

غزة- علي دولة:

الواقع السياسي والاجتماعي للشعب الفلسطيني بات هو المضحك المبكي، فالأعباء التي تثقل كاهل المواطنين هي نفسها تتحول إلى نكتة سهلة، إذ أن رسامو الكاريكاتير الفلسطينيين يجدون من خلال الخطوط الساخرة المضحكة متنفسا للتعبير عن الواقع المؤلم الذي يمر به الفلسطينيين، وما يدور بداخلهم تجاه المعاناة التي يقاسوا منها، والتي تتعدد أشكالها من الانقسام الداخلي، والحصار الإسرائيلي وممارسات الاحتلال من عدوان وتهويد واستيطان.

وتعد حالة الانقسام الداخلي والوحدة الوطني موضوع مركزي يدور رسامو الكاريكاتير في فلكه، يحاولون تبسيط كل ما جعلته خلافات الأشقاء المتناحرين معقدا عبر ورقة وقلم وحس ساخر.

وفي ذات الوقت تفرض تداعيات هذه الحالة قيودا على حرية تعبير الرسامين، فالكثير من القضايا التي يتمنوا خطها بأسلوب ساخر بعدوا عنها وكأنهم يسيرون في حقل ألغام، فمن بين هؤلاء الرسامين من ينتمي إلى فتح والآخر إلى حماس، ومنهم من يعتقد أن الفن لا يمكن تأطيره سياسيا، لأن الوطن أكبر من كل الانتماءات الحزبية.

اهتمام شعبي:

رسام الكاريكاتير الفلسطيني محمد النمنم والمشهور بـ”أبو النون” استطاع أن يخترق الحصار الذي يخنق كل الفلسطينيين من حيث هو متواجد في غزة، فلم يقتحم حاجزا، ولم يتجاوز معبرا مغلقا، أو يحفر نفقا، وتجاوز كل ظلمات الانقسام من خلال مساحات بيضاء حولتها ريشته وألوانه إلى صرخات صادحة تخرج الأنين الكامن في قلوب ملايين المقهورين.

ويدرك أبو النون الذي يعمل رساما للكاريكاتير في وكالة معا الإخبارية منذ سنوات، أن للكاريكاتير وظيفة هامة في حياة الناس، إذ أن النقد اللاذع والساخر هي مهنته أمام عبثية مشهد صاغته الممارسات الإسرائيلية، وزادته الخلافات السياسية الداخلية قبحا.

ويقول أبو النون “للمدار ” وعيونه تتلون برسوماته التي تلتف من حوله:” إن وضع الرسوم الكاريكاتيرية صعب للغاية في غزة, وذلك لعدم وجود أدنى دعم حكومي أو مؤسسي لنا كرسامي كاريكاتير, رغم أن الوضع مناسب جداً وهناك من الأفكار الكثيرة التي أستطيع وصفها بالمخيفة ينتجها الرسامون على المستوى المحلي”.

وحول اهتمام الناس بالرسوم قال أبو لنون: “هناك اهتمام من الناس بشكل كبير وبنسبة 90% لأنه في الأغلب يجسد مشاكلهم بأسلوب ساخر وهزلي ويروح عنهم, أما على الصعيد الرسمي وصعيد المؤسسات الحكومية فإننا لا نلحظ أدنى اهتمام منهم ولا حتى صفر% لا بنا ولا برسوماتنا”.

ويهدف أبو النون من خلال رسوماته التي ينشرها بموقعه الإلكتروني الخاص وعدد من وسائل الإعلام المحلية والعربية ويشارك بها بالمعارض الدولية، الوصول لعقول وقلوب الملايين ويوصل صوت المعاناة والألم الذي يحمله الفلسطينيون، وهذا الهدف هو الذي دفع أبو النون إلى اختيار فن الكاريكاتير في حياته.

وأوضح الفنان الفلسطيني أنه شارك في عدة معارض في اليونان ومصر والأردن والإمارات وكان في كل مرة ينقل برسوماته صوراً من معاناة الفلسطينيين وخاصة معاناة الغزيين المحاصرين وصورا من صمود شعب غزة.

ويعد أبو النون صاحب فكرة معرض فني للرسم الكاريكاتوري تحت عنوان “إخوة مهما صار”، والذي وجه من خلالها رسالة وطنية إلى كافة فصائل الشعب الفلسطيني بالعودة للصف الوطني الموحد، وقد دعا إليه ممثلي الفصائل الفلسطينية.

وكان رسام الكاريكاتير محمد النمنم الذي عمل مع عدد من الصحف والمجلات العربية والمحلية، قد تحدى جنود الاحتلال في لوحة كاريكاتيرية ضخمة تعبر عن الحصار بامرأة مرتدية العلم الفلسطيني محاطة بسلك شائك وذلك ضمن مسيرة سلمية لكسر الحصار عند معبر بيت حانون (ايرز) وهو المعبر الذي يفصل قطاع غزة المحاصر عن حدود إسرائيل.

على خُطى ناجي العلي:

لطالما حلم رسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي بأن تبقى رسوماته ورمزها “حنظلة” شاهدا متوارثا من جيل إلى جيل، وقد كان لناجي ما أراد، إذ وُلِدَ من رحم تجربته الفنية والوطنية رسامو كاريكاتير كثر، استحضروا شخصيات رسوماته في أعمالهم، بل احتضنوا بذرة إبداع ناجي الأولى.

رسام الكاريكاتير الفلسطيني ماجد بدرة الحاصل على جائزة أفضل رسم كاريكاتير خاص بالأسرى عام 2006، كان واحدا من أولئك الذين تشربوا فن ناجي العلي، بل كان ناجي على رأس تلك الشخصيات الثورية التي دأب بدرة على تمثلها في طفولته، ليكون الفيلم الوثائقي الذي شاهده عنه ذات مرة الشرارة التي أشعلت فتيل الموهبة لديه.

ويقول ماجد بدرة:” منذ كنت صغيرا كانت جدران منزلنا هي كراستي، كنت أرسم شخصيات ثورية كثيرة أججت في نفسي الرغبة والتصميم على المضي قدما في عالم الكاريكاتير، وفذ ذات المرات أصبت بقشعريرة سرت في أوصالي عندما شاهدت ذلك الفيلم الذي استعرض جرأة ناجي العلي وعناده لمواصلة رسوماته الناقدة حتى تم اغتياله لإيقاف ريشته”.

ويضيف:” بعد انتهاء الفيلم بحثت عن كتب تتحدث عن تجربته وتشرحها، كما بدأت أحاكي رسوماته كي أختبر قدراتي، فكانت تلك هي البداية في عالم الكاريكاتير”.

ولا يرى بدرة أن ناجي و”حنظلته” عقدة لا يمكن تجاوزها في عالم الكاريكاتير كما يقول البعض، بل “العباءة الواسعة التي لابد لأي رسام كاريكاتير عربي أن ينطلق منها، لكونها واحدة من التجارب الأولى الرائدة عربيا في هذا الحقل.

وتتحدد معالم الكاريكاتير الذي يرسمه بدرة من خلال متابعة الأحداث اليومية سياسيا واجتماعيا ومعايشتها وخصوصا في فلسطين، لتختمر الفكرة المراد التركيز عليها وما ينبثق عنها من عناصر وشخوص و كلمات تدعمها.

ويُذيل بدرة الذي يعمل مع العديد من الصحف المحلية رسوماته بصورة قلم على هيئة سيف، قاصدا بذلك أن سلاحه هو هذا القلم الذي يرسم فيه.

يذكر أن بدرة تعرض سابقا لحملة تحريض من قبل الاحتلال الإسرائيلي استهدفت رسوماته الكاريكاتيرية، إذ وصفه ورسومه بمعاداة السامية واليهودية.

قيود عواقبها وخيمة:

ويتفق رساما الكاريكاتير أبو النون وبدرة كباقي رسامي الكاريكاتير في فلسطين من القيود والتضييق على حرية التعبير في أعمالهم، والخطوط الحمراء التي إن تتجاوزوها فستكون العواقب وخيمة.

ويقول الفنان ماجد بدرة:” إن هذا التضييق انعكس على الأثر المرجو من الكاريكاتير العربي، إذ لم يعد له ذلك الأثر الكبير والقوي كما كان سابقا في حقبة ناجي على سبيل المثال”.

ويضيف:” لذلك أنا أتناول الموضوعات الوطنية التي تتناول معاناة الكل الفلسطيني، وأحاول أن أكون حيادي في معالجتي للقضايا التي تهم الناس”.

من جهته قال الفنان أبو النون:” هناك لمسة بسيطة من الخوف في بعض القضايا حيث لا يمكنا أن نتطرق إليها كصواريخ المقاومة, والأنفاق, والشخصيات الرسمية المحلية, بينما نلاحظ في رسوم الكاريكاتير الإسرائيلية الحرية المطلقة لأبعد الحدود, فقد يرسم رئيس الدولة في شكل قمة في السخرية, وقد يربط الجنس في السياسة أحياناً, لكن نحن هناك العديد والعديد جداً من الروابط التي تحكمنا هنا”.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *