الوطن ضد الوطن..

الوطن ضد الوطن..
طة2

بقلم : طة ابو النيل :

الخيانة أنواع، وكما فى الجنة وفى الجحيم فالعمالة أيضاً درجات على أساس أن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة، وليس بغريب أن بعض أنواع الإضرار الحتمى بالوطن يتم عن عدم تبصر بوقائع الأمور فالعمالة للعدو هى فى الأصل مدفوعة الأجر الملوث كثلاثين يهوذا لكن هناك أيضاً ما يتم منها تطوعاً أو بغير وعى عندما يسلك السالكون فى دروب القطيع سواء فى اتجاه اليمين أو اليسار بغرض اللحاق بركب ما تبقى من ثورة كان بعضهم ينكرها، كما أن هذا الإضرار يحدث أحياناً لمجرد الشهرة أو لتصريف كبت السنوات العجاف سياسياً ولو عن طريق القضاء على سلمية الثورة التى كانت من أهم أسباب نجاحها مبدءاً.

 

على سبيل المثال وتبعاً لهدوء الأمور كثيراً فى بورسعيد الباسلة فإنه قد يحق لنا إلقاء نظرة من زاوية ما لبعض المشاهد، أول المشاهد اللافتة هو سقوط الضابط وأمين الشرطة بمجرد خروج أبناء بورسعيد للشوارع ميممين شطر سجن المدينة والذى مثَّل سقوطهما بالضرورة حافزاً معنوياً سيئاً لشحن حراس السجن شحناً زائداً ضد كل من يقترب منه يقابله إصرار من الأهالى على الاقتحام زادَهُ بعض المحرضين إصراراً ليتوالى سقوط المدنيين بشكل لافت من حيث العدد وكيفية القتل بإصابات مباشرة فى الصدر والرأس، وشهادات أكدت وجود أطراف غريبة تحمل السلاح الآلى تطلقه فى الاتجاهين، وهنا لا نعفى جهة أو أحداً من المسئولية لأن انتخاب الشعب بعد ثورته لرئيس يعنى تكليف المواطن للرئيس بكشف حقيقة كل الأحداث وفاعليها وإلا انتقلت هذه المسئولية إليه مباشرة بدعوى العجز عن إدارة البلاد ولن يطول أكثر صبر هذا الشعب على ما يطلق عليه “طرف ثالث”، والمثير فى الأمر أن يصرح الرئيس نفسه بوجود بعض الخارجين فوق الأسطح وإطلاقهم السلاح الآلى تجاه طائرات الجيش فى جرأة لم تعتدها بلادنا الآمنة، وقد أثار هذا التصريح نقمة الكثيرين الغيورين على قواتنا المسلحة والذين أبدوا دهشتهم من خروج هؤلاء الجناة أحياء أحرار فى نهاية المذبحة. 

 

المشهد الثانى كان موقف ضابط القوات المسلحة الشاب الذى رفض بإباء أن يتم تنكيس علم مصر ليتم وضع علم آخر مكانه فوق مبنى المحافظة بحجة أنه علم “بورسعيد المستقلة” حيث أعلن هذا الضابط موقفه باحتضان العلم وبأن هذاقد يتم ولكن “على جثتى”، ولك أن تقارن بين موقف الضابط الشاب وبين مواقف الكثيرين ممن يدَّعون الموت فى عشق الوطن وكأن هناك وطن آخر لا نعرفه يبرطعون فيه بترهاتهم الجوفاء، كالسيدة فلانة الناشطة السياسية الحقوقية اللامعة أو السيد فلان الفلانى المناضل الثورى الجسور وكثير ممن نشطوا بشدة خلال المحنة كمحرضين ثم فى صورة المؤيدين ثم كمشاركين فى افتعال إضرابات المدينة التى أعقبت الأحداث الدموية المؤسفة التى استدرت الدموع من كل عين محبة لمصر، ورغم كل هذا العنف فلم يُصَب أيّاً من هؤلاء المحرضين بسوء!!

 

أما إطلاق الرصاص تجاه جنازة يتبعها جل سكان المدينة فهو مشهد عبثى دامى خطير سيترك فى قلوب أبناء بورسعيد تجاه الداخلية جرحاً لن يسهل التئامه، لأنه وحتى فى حالات الثأر الدامية بصعيد مصر فإن لدى الشعب المصرى احترام بالغ لجلال الموت وهيبته، وبصرف النظر عن اتهامات متبادلة بمن بدأ إطلاق الرصاص فإن تلك جريمة أخرى تضاف لملف متخم بافتعال أحداث العنف منذ الثورة يبدو أنها لن تنتهى قريباً حيث يغيب الفاعل ويتم تشكيل اللجان وبعدها ينتهى الحادث بالمطالبة بالحق المدنى للقتلى على اعتبار أنهم يستحقون ما ناله شهداء الثورة ثم “نكفى ع الخبر ماجور”، حتى أصبحت تلك سلعة رائجة من كثرة ما أُكفِيَت عليه المواجير.

 

المشهد الآخر اللافت هو نداء “بالروح بالدم نفديكِ يابورسعيد” خلال التظاهرات وكانت قد سبقتها تصريحات مثيرة من سياسيين قدامى كان منها مثلاً “بورسعيد قادرة على الدفاع عن نفسها”.. ليبدو منطقياً التساؤل: مِمَّن تُفدَى المدينة؟ وضد من هذا الدفاع؟ وهل هناك مهاجم أصلاً؟ وهل ستتسلح المدينة الباسلة بأبنائها للوقوف فى وجه القاهرة أم الأسكندرية أم شبين الكوم أم أسوان؟ أسئلة حيرنى البحث لها عن إجابة، فهل أصبح أهلنا فى بورسعيد وبورفؤاد مثلاً من الأكراد فى زمن صدام، أم أنهم من المتربصين بشمالنا الشرقى رغم المعاهدة؟ ثم فكيف يقوم بعض الشباب باقتحام نادى قاهرى للإعتداء على “ناشئى” نادى بورسعيدى فى دعوة ظالمة لثأر مزعوم؟ التحريض يتم فى مدينة المقاومة الباسلة علناً كما يتم فى العاصمة سراً كجناحين لطائر التعصب الأعمى الذى ارتقى مؤخراً لمرتبة خيانة الوطن والتاريخ وحقيقة مصر الراسخة الواحدة التى ستبقى رغم كل الخيانات ورغم كل دعاوى الفتنة بغير اجتزاء أو تقسيم.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *