تساؤلات حول استقالة بابا الفاتيكان

تساؤلات  حول استقالة بابا الفاتيكان
البابا بنديكتوس السادس عشر

وكالات:

 أثارت  استقالة البابا العديد من علامات استفهام عديدة تبدأ من: لماذا استقال البابا؟ ولا تتوقف عند أسباب تلك الاستقالة, بل تتجاوزها إلي ماذا بعد؟ وما هو مستقبل الكنيسة الكاثوليكية في ظل تطورات طبيعية تشهدها دائما المؤسسات البشرية الكبري الضاربة جذورها في التاريخ. كان المبرر والوازع عند البابا بندكتوس السادس عشر لاتخاذه هذا القرار الجلل هو إدراكه لأوضاعه الصحية, هكذا قال: لقد فحصت ضميري أمام الله مرارا وتكرارا, وتوصلت إلي اليقين بأن قواي, بسبب تقدمي في السن, لم تعد مناسبة للقيام بشكل مناسب بالخدمة البطرسية.

يرحل بابا المفاجآت الهادئة مخلفا وراءه تساؤلات من عينة: هل فعلها قبله احد من الباباوات الرومانيين؟ ثم هل يحق له كنسيا القيام بهذا الأمر بالفعل؟
الشاهد أننا بالرجوع إلي السجلات التاريخية البابوية وجدنا نحو تسعة أسماء ويعني هذا أنه ليس البابا الوحيد الذي ترك الكرسي البابوي.

هل يحق للبابا كنسيا تقديم استقالته؟ بلا شك يحق له ذلك فوفقا للقانون الروماني الكنسي الذي ينظم شأن الكوريا الرومانية حكومة الفاتيكان وبالتحديد المواد331 ـ335 للبابا الاستقالة بوصفه صاحب السلطة العظمي في الكنيسة.

لماذا دائما وابدا يكتسب منصب بابا الفاتيكان بريقا اعلاميا خاصا حول العالم ؟
حكما ان البابا ـ أي بابا ـ قائد روحي لكنيسة منتشرة في قارات الأرض الست ويتجاوز أتباعها المليار وثلاثمائة وخمسين مليون نسمة, وبذات الفعل فهو رئيس لدولة, حتي وأن كانت أصغر دولة في العالم, لكنها في واقع الحال إمبراطورية بدون حدود أو مستعمرات.

وهناك تعريف مختصر يذهب إلي أن البابا دائما وأبدا لاعب سياسي وقائد ديني عالمي ومشرع وحاكم وحيد للكنيسة الكاثوليكية.

هل بابا الفاتيكان علي نحو خاص في مقدمة أعضاء الطبقة الخارقة الحاكمة في العالم قديما وحديثا؟
وفي الواقع يعتبر نفوذ البابوية الحديثة, وسحرها من المفاجآت, فعندما انتخب البابا ليون الثالث عشر عام1878 وكان أول بابا منذ100 سنه لا يسيطر علي أراض واسعة ذات سيادة معترف بها دوليا ظن الكثيرون أن البابوية باتت مفارقة تاريخية بلا حول ولا قوة. غير أن ليون أرسي قواعد البابوية الجديدة باعتبارها مركزا يتمتع بسلطة إقناع معنوي.

علي ان الحديث بين يدي هذا المشهد يتعلق في مبتدأ الأمر وخبره بارث بندكتوس السادس عشر في حبرية لم تكمل السنوات الثماني( مايو2005 ـ فبراير2013).

في هذا السياق يذهب وزير الثقافة الإيطالي أندريا ريكاردي والكاثوليكي بامتياز إلي أن أن جوزيف راتزينجر الذي وصفه البعض بأنه توركيمادا( أحد قضاة محاكم التفتيش القساة القلب في القرن السادس عشر) ليس علي هذا النحو بإطلاق المشهد, بل هو رجل متواضع, كان يعظم التقاليد, وبالتالي نال تقدير الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية بسبب نظرته التقليدية للكنيسة, وفي الوقت نفسه كانت استقالته لفئة مبتكرة جدا, وتشي إلي عدم تشبث الرجل ببهرجة العالم أو المجد الشخصي المستمد من الموقع الوظيفي.

هل يعكس هذا التخلي عن المنصب البابوي مفهوما ما مغايرا لخطأ شائع ينسحب علي الكنيسة الكاثوليكية بوصفها الكنيسة التي لا تتغير أبدا؟
الخطأ هو القول إن المؤسسة الكاثوليكية لا تتغير أبدا, ذلك لأن الكنيسة لا تعترف بأنها تغيرت في حين أنها تتغير بالفعل, والكاثوليك القدامي يعرفون أنه عندما يبدأ شخص في منصب سلطة كلامه بعبارة لطالما علمتنا الكنيسة… فهذا يعني أنه سيتم تغيير بعض الأفكار أو الممارسات القائمة منذ زمن بعيد… هل من أمثلة علي ذلك؟
علي سبيل المثال كانت الكنيسة في الماضي تعتبر أن فرض فائدة علي المال المقترض خطيئة, ربا, لكن هذا لم يعد موقف الكنيسة اليوم, ولنتذكر أن البابوات عندما كانوا حكاما مدنيين, كانوا يعدمون المجرمين, وبإمكان السياح اليوم زيارة متحف الإجرام في روما لرؤية مقصلة بابوية محفوظة جيدا, وهي هدية من نابليون, اليوم طبعا تقود الكنيسة الكاثوليكية الحملات العالمية المناهضة لحكم الإعدام.

استقالة البابا بندكتوس تضع تغيرا نوعيا جديدا في مسيرة الكنيسة الكاثوليكية, التي انفتحت علي العالم بالفعل منذ سنوات المجتمع المسكوني الفاتيكاني الثاني(1962 ـ1965), فبعد ستمائة عام تقريبا يمتلك البابا زمام المبادرة الروحية, ليضحي راهبا اعتياديا في الظل, يراقب بعين المؤمن حال الكنيسة, دون أية صلاحيات رسمية للتدخل كصانع قرار وإن كان لا يغيب أبدا كمنتج للأفكار وهو العلامة واللاهوتي والمثقف والفيلسوف وحارس العقيدة والإيمان لأكثر من ثلاثة عقود.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *