“محفوظ” و”المعز”.. حكاية أديب تأثر بشارع

“محفوظ” و”المعز”.. حكاية أديب تأثر بشارع
محفوظ

وكالات:

ترقبهم..تسترق خطوات مجيئهم وذهابهم، فتتخبط نظراتها بالمارة من خلف النافذة الخشبية ؛ ثم تتذكر سنواتها التى قضتها محاصرة بين جدران بيت الزوجية.

لا تعاتب زوجها ولا تقاليد محفورة فى دخائلها قبل المحيطين..فقط تستنشق هواء نقى من النافذة وتغادر إلى عالمها الأسرى.

مشاهد عدة لأمينة زوجة السيد أحمد عبد الجواد طرحها الروائى نجيب محفوظ فى رائعته”بين القصرين”، فكانت السيدة تتخفى خلف نافذة البيت الذى بحسب الرواية يقابل مسجد السلطان قلاوون أى أنه يقع مكان قصر الأمير بشتاك بشارع المعز لدين الله الفاطمى بحى الجمالية.

ولم تكن “بين القصرين” هى الرواية الوحيدة لنجيب محفوظ التى يتحرك أبطالها داخل الجمالية، فقد طغت تلك المنطقة على أغلب روايات الحائز على جائزة نوبل مثل زقاق المدق وخان الخليلى والطريق والشحاذ والقاهرة الجديدة وملحمة الحرافيش.

مجرد التجول بشارع المعز لدين الله الفاطمى يجعلك تشعر بأبطال “محفوظ”، وكأنهم مازالوا يعيشون هناك وربما يأخذك التخيل للتحدث معهم ومناقشتهم فى تصرفاتهم التى يُسأل عنها الروائى وليس هم، فقد يصادفك عاشور الناجى بطل “الحرافيش” بسماحة خلقه وضخامة جسده ليلقنك دروس “الفتونة”، أو تلتقى بكمال أحمد عبد الجواد فتشتعل نفسك بحماسة ضد الإنجليز فى “الثلاثية”، أو يحكى لك عباس الحلو قصة قتله بعد مغاردته “زقاق المدق”، ولعلك ترى صابر بطل “الطريق” وهو يقتل العجوز صاحب “اللوكاندة” طمعا فى ماله وزوجته، ويمكن أن تكون من المحظوظين وترى “الجبلاوى” ذلك الجد الذى يظهر فى “أولاد حارتنا” باعتباره المخلّص.

ولا يمكن تغافل الربط بين وقوع معظم أحداث روايات محفوظ فى الحى، ونشأة الأديب العالمى به حيث ولد فى عام 1911 على مقربة من بيت القاضى بشارع النحاسيين وهو امتداد شارع المعز لدين الله الفاطمى، إلى أن انتقل مع أسرته للعيش فى حى العباسية وهو فى سن الثانية عشر.

“إنك تخرج منه لترجع إليه، كأن هناك خيوطا غير مرئية تشدك إليه، وحين تعود إليه تنسى نفسك فيه، فهذا الحى هو مصر، تفوح منه رائحة التاريخ لتملأ أنفك، وتظل تستنشقها دون ملل”،هكذا وصف صاحب نوبل الحى الذى نشأ فيه، وكذلك قال :”منذ مولدي في حي سيدنا الحسين وتحديدا في يوم الاثنين 11 ديسمبر عام 1911 ميلادية، وهذا المكان يسكن وجداني عندما أسير فيه أشعر بنشوة غريبة جداً أشبه بنشوة العشاق، كنت أشعر دائما بالحنين إليه لدرجة الألم، والحقيقة أن الحنين لم يهدأ إلا بالكتابة عن هذا الحي حتى عندما اضطرتنا الظروف لتركه والانتقال إلى العباسية، و كانت متعتي الروحية الكبري هي أن أذهب لزيارة الحسين.

وفي فترة الإجازة الصيفية أيام المدرسة والتلمذة كنت أقضي السهرة مع أصحابي في الحسين، ونقلت عدوي الحب لهذا الحي إلي أصدقائي، فتحت أي ظرف لابد أن تكون السهرة في الحسين، وحتي لو ذهبنا لسماع أم كلثوم وتأخرنا إلي منتصف الليل لا نعود إلي منازلنا إلا بعد جلسة طويلة في “الفيشاوي” نشرب الشاي والشيشة ونقضي وقتا في السمر والحديث”.

وقد اقترح الروائى جمال الغيطانى تحويل زقاق المدق إلى مزار سياحى ضمن مشروع “مزارات محفوظية” بحيث يتم تسجيل البيوت والمقاهى التى تضمنتها روايات صاحب نوبل فى قاهرة المعز لدين الله الفاطمى، إلا أن الاقتراح توقف تنفيذه بعد اندلاع ثورة 25يناير.

ولم تجد هيئة الثقافة المستقلة مكاناً أنسب من شارع المعز لدين الله الفاطمى للاحتفال العام قبل الماضى، بمرور مائة عام على ميلاد محفوظ، فنظمت مسيرة بالشارع شارك فيها محبى الأديب العالمى مرتدين أزياء أبطال رواياته.

يقول الدكتور سليمان العطار استاذ الأدب والنقد بكلية الآداب جامعة القاهرة، إن معظم روايات نجيب محفوظ وقعت فى حى الجمالية وشارع المعز ، فعالمه الروائى هو قاهرة المعز لدين الله الفاطمى، موضحا أن صاحب نوبل ركز على حياة الأسرة المصرية فى تلك المنطقة والعلاقة بين الأجيال، إلى جانب إبراز الاهتزاز الذى يصيب أبناء القاهرة القديمة عندما يقررون مغادرتها إلى أحياء أخرى.

ووصف العطار محفوظ بعالم الآثار الذى حاول أن يستبقى الصورة القديمة للحى قبل إفسادها نتيجة الإهمال، فأغرق في وصفها ببراعة من خلال أعماله الأدبية، مؤكدا نجاح الروائى العالمى فى وصف واقع المنطقة وكأنه يكتب بكاميرا فوتوغرافيا.

وأضاف أن محفوظ لم يستخدم خياله فى وصف شوارع الجمالية بما فيها المعز لدين الله الفاطمى فقد صورها كما هى فى الواقع، قاصرا خياله السردى على الأحداث والشخصيات، لافتا إلى أن أهم الروايات التى خصها الأديب العالمى باهتمام داخل قاهرة المعز هى الثلاثية” بين القصرين و قصر الشوق والسكرية” وزقاق المدق وأولاد حارتنا.

وأكد أستاذ الأدب والنقد أن محفوظ جعل المكان هو البطل الحقيقى لرواياته، فحوله إلى مسرح رمزى، نتيجة لإدراكه أن المصرى يعيش فى عالمه القديم مما جعل نظرته للعالم جزئية، موضحا أن الأديب العالمى خرج من أزمة اعتماد الرواية على الرؤية الكلية عبر المكان ليستوعب الشخصية المصرية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *