بين إضراب وإضراب

بين إضراب وإضراب
البرغوثى

بقلم – طة ابو النيل :

 

الرقص على دماء المصريين الأحياء منهم قبل الشهداء صار فناً رائجاً تَرتزِق منه جلّ قنواتنا كمُسامَرات الليالى الصيفية الرائقة، لكن نخبتنا الجديدة القديمة من المناضلين والمناضلات والمضربين والمضربات الذين يتقافزون أمام الكاميرات وتتعالى هتافاتهم وصرخاتهن خلال التظاهرات، لم تصدر عنهم جملة واحدة تشير إلى التأييد لمظاهرات حاشدة خرجت بها الجماهير الفلسطينية الغاضبة فى الأرض المحتلة لنصرة أبناءهم وإخوتنا من الأسرى المضربين عن الطعام لشهور طويلة فى زنازين الاحتلال، كإعلان واضح ورسالة مدوية للعالم أجمع عن رفض الإنسان العربى عامة والفلسطينى خاصة للظلم والاستبداد، واستمراره فى المقاومة وطلب الحرية ولو بمجرد الامتناع عن غريزة أساسية كالغذاء.

والسؤال المُوَجَّه لمناضلينا فى الفضائيات ودعاة تقسيم البلاد.. كم تصبرون على شُحّ الطعام؟ يوم.. يومين.. ثلاثة..  أسبوع؟ وهل تستطيعون تخيل أبناءكم الأعزاء المدللين وهم يبيتون على الطوى بغير خبز أو حلوى و بعيداً عن “البيتسا والرِيَش” وخدمة التوصيل للمعدة المتخمة؟

ياسادتى فى القاع.. هناك فى سجون الصهاينة شاب يتحدث عنه العالم إلا أنتم، لقبه الشراونة دخل فى إضرابه اليوم الثالث والثلاثين بعد المائتين (233)، أما سامر العيساوى فلم يدخل جوفه شبع منذ أحد عشر ومائتى (211) يوم ويقودان أقرانهما من الأبطال الواقعين تحت ما يسمى “الإدارى”.. أى الاعتقال بغير تهمة محددة حتى تهمة المقاومة التى أستطيع الادعاء بفخرٍ أنها شرف ووسام لم يستحقه ممن عاصرت سوى رجال عبروا القناة فعبروا بالأمة من الهزيمة والذل إلى النصر والفخار بغير انتظار للثمن.. ولدينا ولدى التاريخ الدليل.

أيها العرب.. أيها المسلمون.. أيها المسيحيون.. أيها اليهود غير المتصهينين.. يا أيها الإنسان أيَّما كان لونك أو جنسك.. إن ما يتم على أرض فلسطين لَهُوَ جرائم متتالية ضد الإنسانية وضد كل الأعراف والقوانين بغير مواربة.

أيها الحكام الغافلون.. لن نذكِّرُكم بالمجد التليد ولن نذكركم برجل متواضع عراقى كردى عرف الله فنصره الله، فالشُقة بينكم وبينه بعيدة والمقارنة ستكون ظالمة مع اسم “صلاح الدين” القائد والإنسان، لكن اسمحوا لنا أن نستدعى إلى الذاكرة تلك الشابة التى جاءتنا عبر المحيط هاجرة بلادها التى تدَّعى حقوق الإنسان فى العلن ثم تساند الظلم والاستبداد تحت الطاولة، لتعطينا هذه الإنسانة وتعطى العالم معنا درساً فى الإخاء والإنسانية عن طريق المقاومة السلمية لسلب الأرض والبيت والروح والهَوِية.. هل تتذكرون “راشيل كورى” التى سحق شبابها جنزير جرافة أولاد العم؟؟ وهل سيُكَفِّرنى أحد دعاة إعلامنا العظيم عندما أدَّعى بأنها الشهيدة، وليست تلك الراقصة التى تفتوننا بشهادتها لأنها فى طريقها للـ”عمل”؟ عمل أسود ومهبب عليكم.

أسئلة تقتلنى حيرة ولا أجد لها إجابات، لكن الحقيقة الواضحة أن هؤلاء المقاومين الصغار الكبار أطهر وأنقى وأقوى ألف مرة ممن قفزوا لمشهدنا بعد التنحى ليضربوا لنا المثل فى الخيانة الناعمة والعمالة المستترة، كما وأنى لا أملك من ضعفى وقلة حيلتى وهوانى على الناس إلا أن أحث إخوتنا فى الدم والعروبة هؤلاء المضربين عن مُتَع الدنيا، على الصمود، وأخَبِّرَهم بأن صيامهم هناك يبعث الألم –مع الفخر والأمل- فى أمعاء المخلصين من المتحدثين بالضاد، فالقضية لن تموت طالما كان على الأرض أمثالهم وكان فى مصر أمثال من عبروا وانتصروا فى أكتوبر فامتدت جيناتهم إلى مَن صمدوا خلال ثمانية عشر يوماً رغم وعورة درب الثورة والحرية

أيمن الشراونة.. سلاماً، سامر العيساوى.. سلاماً، جعفر عزالدين.. سلاماً، طارق عقدان.. سلاماً، فودة الأسد.. سلاماً، أبولبدة صاحب السنوات العشر تحت “الإدارى”.. سلاماً، مروان البرغوثى.. سلاماً، يا كل الأسرى.. سلاماً، صديقى المحامى المقدسى أبومحفوظ وكل المرابطين على أبواب الأقصى.. سلاماً، وأيا جنودنا المرابطين كالأسود على الحدود.. لكم من القاهرة سلاماً وسلاماً وألف سلامة، ثم نعدكم غير حانثين بأنَّا لن نقول يوماً أن للأقصى ربٌ يحميه، فقد اعتدنا كما اعتدتم.. حمل الأمانة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *