التوريث … سياسة أم ثقافة ؟!

التوريث … سياسة  أم ثقافة ؟!
محمد ربيع الشلوي

بقلم / محمد ربيع الشلوي:

تتوالى الأحداث، وتمضي الأيام، وتموج الفتن كموج البحر، وليس ثمة فارق يذكر بين ما نحن عليه الآن، وماكان في العهد السابق، ربما الشيئ الوحيد الذي نتيه به فخراً هو سقوط رأس النظام، والذي ظل جاثماً على صدورنا مانيف على الثلاثة عقود، ولكن من المؤسف أن بقية النظام الفاسد لا زالت موجودة بين ظهرانينا كالنار تحت الرماد، تعيش معنا وتبث سمومها في البلاد، ممارسةً ثورة مضادة؛ لتقوض الثورة المجيدة التي قامت من أجل القضاء على نظامهم الفاسد، وهذه العناصر تندس بيننا كطابور خامس في صفوف المظاهرات والإعتصامات لترتكب أفظع الجرائم، وذلك بأموالنا التي جمعها أولئك الخونة طيلة السنوات الماضية، وحينما شعروا بدنو أجلهم قرروا أن ينفقونها كلها أو بعضها نظير خروجهم سالمين .

وللأسف أنهم يجدون من يمهد لهم الطريق من خلال الأبواق الإعلامية المأجورة ومؤسسات الدولة العميقة؛ والتي يصعب إختراقها، فعلى سبيل المثال في الدول الضاربة بجذورها في الفساد يتم إسناد الولاية للثقات والمقربين من الملوك وحاشيتهم؛ وذلك لأنهم يدينون لهم بالولاء التام والإنتماء، ولا يسندونه لغير أهل الثقة، وإن كانوا من الأكفاء؛ كي لا يناصبونهم العداء.

ولكن مافعل في النظام المصري السابق فاق كل ذلك، فقد تم إعتماد بعض المبادئ وترسيخها من أجل تكريس نظام حكم الفرد الأوحد. ومن تلك المبادئ (التوريث)، والذي امتد ليشمل جميع وظائف الدولة المرموق منها والمغمور، والذي قد درجوا عليه إتباعاً حتى كاد أن يكون عرفاً عاماً في جميع مؤسسات الدولة.

إستشرى التوريث في جسد الدولة، وأنتشر كإنتشار النار في الهشيم، فألفيناه واقعاً ملموساً كصخرة تتحطم عليها أحلام البسطاء والمتفوقين من أهل هذا البلد الطيب، وعقبة كئود تعوق تقدم هذا البلد ورقيه.

ولكن قد يحلو للبعض أن يتسآئل ؟لماذا يتم التوريث؟! و هل الحاكم كان على علم بها؟! وأي مصلحة تلك التي يتغياها من وراء توريث الوظائف ؟! أم هي ثقافة عامة وعادة مضطردة صار من الصعب التخلص منها ؟

الحقيقة.. أنه من المسلم به أن الأنظمة العربية كانت تحكم بسياسة الحديد والنار، وكان معظم الحكام العرب، عملاء ينفذون ما يملى عليهم من الخارج، بما يخدم مصالح معينة .

وهذا مادفعهم إلى تقوية جيوشهم وأجهزتهم الأمنية لتأمين بقائهم في السلطه، من خلال رجال يثقون في ولائهم، بعيداً عن الكفاءة، مقابل إنتفاعهم واستحواذهم بمميزات وإمتيازات وعلى رأسها التوريث.

ومن جانب آخر كانوا يمارسون سياسة إقصائية تهميشية لبعض الفئات المعارضة لسياستهم المستوحاه من سياسات الخارج، وخصوصاً حيال الإسلاميين .

كما أن في ترسيخ هذا المبدأ ـ التوريث ـ ضمانة للنظام المستبد في أن يبقى على مدار الأجيال، وحشد طوائف منالشعب حول النظام لتقويته …علاوةً على الوقع النفسي على شخص لا يستحق الأمر الذي أسند إليه، وما كان ليتقلده، وإذ به معين به، متفوقاًعلى شخص أفضل منه غير أنه لا يملك ما يملكه الأخيرمما يضمن ولائه.

ومقدار الإمتنان الذي يشعر به المورث وهو يرى أبنه يقتفي أثره في عمله دونما تعب أو عناء منه وليس لديه من المؤهلات سوى أنه ابن لرجل قدره أنه يعمل في تلك الهيئة أو المؤسسة، مما يزيد إنتمائه للدولة ولحاكم.

ولك أن تتخيل الجو العام لأسرة بعمل بعضها إن لم تكن جميعها في مكان واحد، ومدى إنعكاسه على ولائهم لشخص الحاكم وسياسته ونظامه .

ربما هذا ما قصدته الأنظمة السابقة، لتتحول هذه السياسة إلى ثقافة عامة و عرف عام مضطرد، لضمان الولاء من ناحية، وتوطئةً لتوريث أنظمة فاسدة لأبنائهم، وذلك لإستمرار السياسة والمحافظة على ما جنوه من مصالح ومكاسب.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *