الثوريين الجدد

الثوريين الجدد
طة2

بقلم – طة ابو النيل :

خَلْط العام بالخاص قد يجعل المشهد أحياناً “سمك لبن تمر هندى”، لكن أجدنى مضطراً لسرد إحدى المواقف التى صادفتنى على موقع التواصل الاجتماعى فيس بوك، فمنذ أيام قلائل وفى معرض إدلائى برأى خاص فى واقعة قذف المولوتوف على إحدى المنشآت الهامة حين أبديت استيائى من تبرير بعض الرموز الوطنية والمُتَسَمون بالنخبة لانتهاج العنف كوسيلة تعبير فى الأيام الأخيرة ومحاولة صبغها بصبغة ثورية، تدخل أحد أصدقائى المقربين مشكوراً للتعليق فدار بيننا حوار مكتوب يبدو أنه انتهى بشكل غير مُرضٍ للصديق العزيز ففوجئت به بعد دقائق يقوم بحذف كل ما كتبه خلال الحوار بحيث بدا الأمر وكأنى كنت أختلق إجابات لأسئلة غير موجودة.

بالصدفة.. قام صديق آخر بالدخول على المشاركة فرأى وكأنى فى غرفة مغلقة أحادث نفسى كشخصين معاً، نبهنى الرجل فلم أجد سوى أن أقوم بحذف المشاركة كاملة .. وانتهى الموضوع بشكل ضاحك.

كان هذا هو الخاص، أما العام فهو انتهاج مثل تلك الطريقة كثيراً هذه الأيام وأقر بأن صديقى الأول كان مهذباً للغاية حين اكتفى بحذف عباراته من الحوار.. وانسحب، لكن وفى أحيان كثيرة قد تفاجأ بشخص لا تعرفه يتدخل بغير دعوة فى حوار دائر وتشعر من اللحظة الأولى أنه يتربص للحظة ما وبالفعل، وعند أول فرصة تجده وقد تحول فجأة إلى السباب حتى لا يكون أمامك إلا الانسحاب وترك الحوار مفتوحاً.

بالتجربة وببعض الاستقصاء يبدو هذا الأسلوب وكأنه نهج المجتمع بدليل انتشار تلك الطريقة الإحباطية بين بعض العاملين فى منظمات المجتمع المدنى والمفترض فيهم درجة ما من الانتخاب والتثقف أو المحسوبين على الشارع السياسى كنشطاء، والذين يدَّعون الأخذ بآليات الديموقراطية والليبرالية لكنهم وبنفس الوقت أول من يضيق بالنقد وينفجر غاضباً إذا ما خالفته الرأى، لكن المدهش أن أسلوب الإحباط هذا يستخدم أحياناً من قِبَل بعض ممن كنت أشيد بهم بل وأميل إلى المبالغة حين يحلو لى أن أصرح أنى كنت أتعلم منهم، لكن يبدو وأنى أيضاً كنت أتجاهل أن وضع كلمة التربية سابقة للتعليم لم يكن مصادفة.

المثير فى الأمر أن هذا النهج ليس قاصراً على تيار واحد، فقد تُفاجأ بأحدهم يدخل فجأة ليكتب: اتق الله.. مع أن وضع هاتين الكلمتين فى سياق معين فيه من الاتهام بعدم تقوى الخالق عز وجل، ويأخذك فى طريق آخر للنقاش قد يتطور إلى التشكيك بغير علم فى العقيدة، وعلى الجانب الآخر فهناك مَن يتدخل بغير سابق معرفة فيتهمك بالجهل المطبق رغم أن نظرة سريعة على تعليقاته قد تكشف كمَّاً هائلاً من الأخطاء الإملائية، فإذا حاولت مجادلته بالحسنى تحوَّل فوراً إلى السباب بأقذع الألفاظ التى قد يكون أقلها هو وصف الخروف الذى انتشر بشدة  وأصبح يُلقَى على كل من يخالف الرأى حتى ولو بإدانة حوادث العنف أياً كانت.

يبقى أن أزيد بأنى أشهد أن الكثير من هؤلاء ينتمون إلى الـ”الثوريين الجدد” الذين رقصوا مع الجماهير فرحاً ليلة التنحى، بعد أن مكثوا طوال الثمانية عشر يوماً يسبون تظاهرات التحرير التى تستهدف الرجل الطيب مبارك، ويلعنون أبوخاش الثورة.. والثوار.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *