التفكير النظمي في الدراسات المستقبلية في العدد الجديد من سلسلة “أوراق” بمكتبة الإسكندرية

التفكير النظمي في الدراسات المستقبلية في العدد الجديد من سلسلة “أوراق” بمكتبة الإسكندرية
مكتبه الاسكندريه

كتب-أميرة صلاح:

الإسكندرية في 13 فبراير– صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية العدد السادس من مجلة “أوراق” المتخصصة في الدراسات المستقبلية. يأتي العدد الجديد بعنوان “التفكير النظمي في الدراسات المستقبلية: من التحليل إلى التعقيد والتركيب والنمذجة “، أعدته الباحثتان بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار سحر صبري ونعمة زهران.

تتناول هذه الدراسة النوعية أحد المناهج الكيفية المستخدمة في الدراسات المستقبلية؛ وهو منهج تحليل النظم، وهو أحد أهم المناهج السائدة في العلوم الاجتماعية.

تنطلق الدراسة من الأهمية التي تقع عليها الدراسات المستقبلية في عمليات التخطيط والتفكير المستقبلي، وتلعب الدراسات المستقبلية بهذا الشكل العلمي والمنهجي دورًا بالغ الأهمية في عملية دعم صنع واتخاذ القرار؛ حيث تساعد على معرفة القدرات الداخلية ومحاولة استغلالها وتعظيمها، وكذلك معرفة التحديات والتهديدات الخارجية ومحاولة تقليصها، وكيفية تأثيرها على المدى القصير والمتوسط والطويل الأجل في المستقبل، وتسهم في صياغة السياسات اللازمة لمواجهتها.

تساعد أيضًا على التنبؤ بالآثار المستقبلية للسياسات والتشريعات الحالية، مما يساعد على التقليل من التكاليف الاجتماعية لسياسات معينة قد تترك آثارًا سلبية على المستقبل. كما تساعد على تكوين توقُّع عَمّا يمكن أن تكون عليه سياسات العالم في المستقبل، وهو ما يتيح فرص التوصل إلى رؤى مختلفة، واختبار الاستجابات المختلفة لتقليل التكاليف وتعظيم المنافع. وتقدم الدراسات المستقبلية العديد من الخطط البديلة لاتخاذ قرارات موثوق فيها، وذات رؤية مستبصرة.

وتشير الدراسة إلى الندرة التي تتسم بها الدرسات المستقبلية في العالم العربي بشكل عام، والدراسات المنهجية منها بشكل خاص. وتعرف الدراسة منهج النظم بأنه أحد أهم منهجيات الدراسات المستقبلية، وهو اقتراب متعدد التخصصات Multidisciplinary يستخدم لدراسة النظم الأكثر تعقيدًا وتركيبًا وتغيرًا.

وقد ظهر اقتراب النظم في إطار النظرية العامة للنظم والتي تنامت داخل حدود أكثر من حقل علمي واحد، ساعية للبحث عن نقاط الالتقاء والتناظر فيما بين مبادئ وقوانين ومفاهيم هذه الحقول، ثم العمل على تضمين هذه العناصر في جسد علمي واحد، تصدق مقولاته وتصلح للتطبيق على كافة الحقول العلمية من دون افتعال أو إقحام، الأمر الذي يجعل منه أكثر المنهجيات تلاؤمًا وتوافقًا مع طبيعة الدراسات المستقبلية، وهو أكثر المنهجيات تحقيقًا للخصائص المنهجية الواجب توافرها في الدراسات المستقبلية، كما أنه يمثل المظلة الفكرية النظرية العامة لاستخدام معظم أدوات وتقنيات الدراسات المستقبلية، فضلاً عن انتشار تطبيقاته في صياغة النماذج التقنية للتنبؤ بالمستقبلات العالمية في العديد من مراكز الدراسات المستقبلية العالمية.

ويعد اقتراب النظم من أهم المداخل المفيدة في فهم حالة عدم اليقين التي يتسم بها العالم المعاصر وقضاياه المتداخلة والمتشابهة، والتعامل معها؛ بحيث يقوم على مجموعة من المفاهيم الرئيسية في فهم التعقيد والتركيب، ويتسم بمجموعة من الخصائص والفرضيات في فهم النظم الأكثر تعقيدًا. كما أنه يتضمن مجموعة من الأدوات والآليات التي يمكن استخدامها في دراسة مختلف القضايا والمشكلات لتطبيقه.

ويقوم اقتراب النظم على تأكيد “المنظور الكلي” وليس الجزئي في دراسة النظام باعتبار أن دراسة الأجزاء المكونة للنظام بشكل منفصل عملية مضللة لأن التغيير في أيٍّ من مكونات النظام الواحد يؤثر على مكوناته الأخرى. فبالرغم من أن النظام يتكون من عدة عناصر فإنه أكثر من مجرد تجميع هذه العناصر؛ حيث يعطي مفهوم النظام معنًى كليًّا للأهداف والغايات التي اُختيرت هذه الأجزاء والمكونات من أجل تحقيقها، وهو كذلك إطار مستقل تترتب فيه الأجزاء والمكونات ضمن شبكة علاقات محددة سعيًا لتحقيق مخرجات محددة وتتمثل أهم خصائص النظام في تداخل أقسامه ومتغيراته والاعتماد المتبادل فيما بينها.

وفي هذا السياق أصبح التفكير النظمي ضرورة ملحة لإدراك تفاعل وفاعلية العناصر المختلفة المكونة لنظام ما، وطبيعة تفاعله مع النظم الأخرى من خلال دراسة شبكه العلاقات والارتباطات الديناميكية القائمة بين مكونات هذا النظام؛ وذلك من أجل التعرف على العديد من الاحتمالات والاهتمام بالبدائل واختيار أفضلها، واكتشاف الطرق والوسائل المختلفة لمعالجة المشكلات والتخطيط الإستراتيجي ووضع التصورات المستقبلية، وصنع القرارات واتخاذها ومتابعتها بما يعود بالكفاءة والفاعلية على أداء النظام وعلى النظم الأخرى وعلى المجتمع.

ويوجد العديد من أساليب المحاكاة لتطبيق التفكير النظمي التي يمكن من خلالها دراسة الإشكاليات التي تتميز بالتعقيد، للتعرف على المستقبل الممكن والمرغوب فيه أو غير المرغوب فيه، وذلك من خلال بناء عالم يشبه الواقع باستخدام الحاسب الآلي؛ حيث يمكن اختبار السياسات بسرعة وأمان وبتكلفة أقل. ومن هذه النماذج: نموذج التخطيط التفاعلي Interactive Planning، نظرية النظم الحية Living System Theory، بحوث العمليات Operations Research، النظم الاجتماعية التقنية، Socio-Technical Systems، منهجية النظم اللينةSoft Systems Methodology، ديناميكية النظام System Dynamics، إدارة الجودة الشاملة Total Quality Management، وغيرها. وتركز هذه الدراسة على نموذج ديناميكية النظام؛ نظرًا لإمكانية تطبيقه في العديد من المجالات.

ويقوم هذا النموذج على فكرة رئيسية مفادها أن أي نظام له ديناميكية ذاتية تتأثر بالتفاعلات بين مكوناته وبعضها، وبينها وبين البيئة الخارجية، وأن هذه التفاعلات تولِّد التعقيد في سلوك النظام. ويفترض أن أي نظام هو نظام معقد بطبيعته، ويتألف من عدد كبير من المكونات المنتظمة بطريقة متماثلة، والتي تتفاعل مع بعضها. وهذه التفاعلات تجعل هذه المكونات في منطقة وسط بين حالة النظام وحالة انعدام النظام. ورغم تعقد هذه النظم فإنها قد تبدو مستقرة لبعض الوقت، ويبدو أنها في توازن ما، ولكنها في حقيقة الأمر تتكيف باستمرار.

إلى جانب ذلك يفترض هذا النموذج أن بعض الظواهر يمكن اختزالها، وبعضها لا يمكن اختزالها، وأن الظواهر يمكن وصفها جزئيًّا في نموذج والتنبؤ بها والتحكم فيها، وأن هناك حدودًا عامة لمعظم الظواهر، ولا يكون هناك يقين بالمخرجات.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *