فُكك بالفُصحى .. شخصيات تستحق الشكر

فُكك بالفُصحى .. شخصيات تستحق الشكر
41737

بقلم – عبد الرحمن محمود:

شخصيات بذلت وتعبت وأنشغلت بِهَمْ أولادها .. وعلمت وأدبت وتحملت الكثير من أجل حياة أفضل لأبنائها .. ذاقوا الأمريين، مرارة العمل بلا راحة، ومرارة انتهاء الصحة تدريجيًا، خارت قواهم .. أصابهم الوهن .. أشتد بهم الألم .. أصبحوا محتاجون إلى رعاية .. سأم أبنائهم منهم .. ضاقت منهم صدورهم قرروا ورغم قساوة  القرار الغير إنساني .. لكنهم فعلوا وبين عشية وضحاها .. أصبح العجوز المُهمل .. ملقى في دار للمسنين .. يرعاه غرباء .. وفي عيونهم نظرة شفقة مما آل عليه حال العجوز .. انكسر قلبه .. نزفت عيناه دموعًا كالشلالات .. ولكن في صمت المقهور .. بحسرة أمتنع عن الأكل ، أخذ جنبًا بعيدًا عن اصدقائه العواجيز.

نظروا إليه في ضعف وبلاهة .. كانوا لا يستطيعون أن يفعلوا له شيئًا، ولكنهم يعلمون ما يمر به .. فقد عايشوا تلك اللحظة ولكن ما باليد حيلة ، سيأكل عاجلًا أم آجلًا .. سيصبح مثلهم ينزف داخل قلبه بصمت دون صوت آهة واحدة .. وفجأة صوت ضجيج وجلبة .. اتجه بعض العجائز أصحاب الخبرة في عالم المسنين بأعينهم إلى الباب .. فهم يعلمون ماذا تعني تلك الجلبة .. إنها زيارة لهم .. زيارة لأُناس رّق قلبهم .. وربما هي زيارة لعمل أبحاث عليهم .. لا داعي لأن يشغلوا بالهم بذلك، إنها زيارة على أية حال ، دخل الشباب الزائرين مبتسمين سلموا على الجميع قابلوهم بود وحفاوة .. شعروا معها بشوق هؤلاء العجائز لتلك الزيارات .. ربما رّق قلب أحدهم ودمعت عيناه في خفية لحال هؤلاء العجزة .. فهم كبار ولكن بأجساد هشة .. وبعيون زائغة أقرب للموت منها إلى الحياة ذهبت احداهما إلى العجوز الجديد .. ألقت السلام عليه أشاح بوجهه .. وأعطاها ظهره متضايقًا .. شعر كما لو كان فأر تَجَارب .. أو تحفة أثرية ينظر إليها السائحون ولكن بدلًا من قول ( واو رائعة ) هنا القول السائد بدون أن تلفظه الألسن
” يا حرام مسكين “.

كان يشعر هو بذلك وكان هذا يزيد من آلامه .. فهو كان قويًا في شبابه .. يمشي في الأرض تخضع له مؤيدة لعنفوانه وقوته كان يكره ضعفه .. ويمقت ما أصبح عليه .. ومكسور وحزين ومتعجب كيف فعل ابنائه به ذلك .. كيف تركوه في ذلك المكان وهو ما تركهم وهم أطفال ضعفاء يحبوا .. صبر عليهم وعلمهم الكثير .. ضحى من أجلهم .. وهم الآن يأنفون من رعايته تحطم قلبه بدوي مكتوم داخل صدره .. لإحساسه بهذا العجز والشعور بخيبة الأمل في أولاد كان يظن أنهم سيكونوا له عكازًا يتكأ عليه في كبره .. وظهرًا يميل عليه ليرتاح ..

تمنى الموت وقتها .. وكان ينظر يمينًا ويسارًا آملًا في أن يرى
ملك الموت .. يأتي ليقبض روحه ويريحه من ذلك الإحساس فهو أقرب للموت من الحياة .. قلب يضخ دماء .. ولكنه لا ينبض بالحياة .. عقل يرسل إشارات لاجزاء جسده ليحركها .. ولكنه ميت متعفن داخل جمجمته ووآسفاه ..

مرت الأيام وجاء صبح يوم جديد .. وكان اعتصامه عن الطعام
قد آحاله إلى هيكل عظمي آيل للسقوط .. وقد كان قريب من الموت كثيرًا لولا يقظة من في الدار ممن يرعوه .. فأعطوه من الأدوية ما أبقاه على قيد الحياة .. طلب الطعام هذا اليوم فقد اقتنع أن لا مفر مما هو فيه ويجب أن يرمي الماضي وراء ظهره .. أستجاب من يرعوه لطلبه فرحين .. وبدأ في الأكل وفي قلبه غصة .. حاول أن يداريها بإلقاء النوادر والقصص القديمة مع أصدقائه في الدار .. الذين تارة يتفاعلون معه وتارة ينسون من هم وما قال .. وتارة يغفون من التعب .. ولكنه مع الوقت اعتاد ذلك .. واصبحت الزيارات تفرحه .. وتفاعل مع الزائرين.

في الحقيقة مما لا شك فيه أننا كشباب مقصرين مع تلك الفئة العمرية من مرتادي دار المسنين .. المُهملون من جميع أفراد المجتمع إلا قلة قليلة .. من يروحون عن هؤلاء العجزة بزيارة ولو مرة في الشهر .. فهؤلاء العجزة يستحقون الشكر منا والعرفان بما قدموا في حياتهم لأبنائهم وللمجتمع .. فمنهم من كان موظفًا يخدم الناس .. ومنهم من كان ربما ممن أفنوا حياتهم ضد الإنجليز .. أو ضد الفساد في المجتمع .. هم أصحاب خبرة وعندهم من القصص الكثيرة التي ستفيدنا في حياتنا بلا شك فدعوة لكل من كان له قلب .. أن يذهب ليخفف عنهم ولو القليل ويرسم بسمة على وجوهم .. وبلا شك ستكون تَجَربة لن تنسوها .. في النهاية .. أقدم شكري لكل من أفنى عمره لأجل أبنائه أو مجتمعه .. شكرًا لكم.

فُكك.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *