الجميلة والأقزام

الجميلة والأقزام
طة2

بقلم – طة ابو النيل :

يستدعى التأسيس لمستقبل واضح منشود العودة لقراءة التاريخ فى بضع عقود قليلة مضت لتصدمنا دوماً لافتة تشير إلى طريق ذو اتجاه واحد تسير فيه الدول العربية، حيناً بغير وعى وأحياناً بوعى كامل فى صورة لم تحدث قبلاً من الانبطاح والتردى.
والغوص أكثر فى تاريخنا وصولاً لبدايات معرفة مصر بالإسلام وبُعَيد الفتح بشهور قلائل أرسل عمرو بن العاص من مصر إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب فى الحجاز قافلة حافلة بخيرات الوادى يمكن تشبيهها بجسر للإغاثة فى وقت كانت فيه الجزيرة العربية تعانى الجفاف والعسرة، وقد سبقت القافلة رسالة من القائد العربى النبيل يقول فحواها للخليفة: “أرسل إليك قافلة أولها عندى وآخرها عندك” كوصف بسيط لحجم القافلة الهائل، لسنا بالطبع فى مجال ذِكر مناقب الوطن، ولكن هذا كان حال بلاد النيل دوماً مع شقيقاتها منذ بدايات تحول اللسان المصرى إلى النطق بلغة الضاد، ولم يقف الأمر عند تقديم يد العون الاقتصادى لكن الأمر قد تعدى هذا وبخاصة حين تطلب الأمر الوقوف فى وجه الغزاة الذين أحالوا الدول فى طريقهم من أقصى الشرق متجهين نحو الغرب إلى جحيم وتحولت بعض المدن والولايات إلى أثر بعد عين نتيجة التخاذل والخيانة كما حدث فى بغداد حاضرة الخلافة العباسية حين عبرت جيوش هولاكو النهر فوق جثث أهل العراق العامر وما تبقى من مخطوطات مكتبة كانت الأعظم يومها، ليمتد بعدها الزحف التترى الغاشم ناشراً الدماء والرماد فى بلاد الشام حتى سولت له نفسه استمرار الزحف غرباً نحو قلب الأمة النابض ولم ينتبه لتتحذيرات المصريين من المساس بالحدود فأخذه الغرور إلى تحدى مصر وشعبها مما استدعى هبة الجيش المصرى فدحره فى درس تاريخى بليغ، ولولا هذا التصدى لامتدت أيدى الغزاة إلى إفناء الأمة العربية والتحول إلى ديانات يعبد بعضها النار والحيوان، ولانتهت الحضارة الإسلامية إلى الأبد تحت نصال التتار أو الفرس أو الصليبيين وصولاً إلى الحروب التى خاضتها مصر منذ قيام الدولة الصهيونية على أرض فلسطين وسعيها الدائم إلى احتلال أراضى جيرانها العرب وإثارة القلاقل والحروب فى كل المنطقة.
وليس خافياً بالطبع أن من أهم آثار حرب أكتوبر ونتائجها على الدول العربية هو الارتفاع المفاجئ لسعر البترول والذى قفز بهذه الدول إلى التمتع بأعلى مستويات الدخل على مستوى العالم، وليس أيضاً بخافٍ أن تلك القفزة لم تكن لتحدث لولا اتفاق الملك فيصل رحمه الله مع الرئيس السادات على وقف تصدير البترول للدول التى تساند إسرائيل فى حربها التى اعتبرها الملك حرباً ضد الأمة العربية جميعاً، لم يأت الملك فيصل بجديد، لكنه أقرَّ عملياً بحقيقة وحدة مصير الأمة وبثوابت الدين الإسلامى، ولن ينسى التاريخ ولا الشعب المصرى تلك المواقف المشرفة لحكام عرب يبدو أنهم لن يتكرروا فى القريب العاجل كما لن ينسى العقل الجمعى المصري مواقف الشيخ زايد آل نهيان أو الرئيس الجزائرى بومدين ولا غيرهما من الحكام الذين أبوا إلا أن يسطروا أسماءهم بحروف ناصعة على صفحات التاريخ الحديث مكملين فى درب من قد سبقوهم فى حطين وعين جالوت.
ذاكرة الشعوب لا تَنسى ولا تُمحَى حتى وإن حاول البعض تزوير التاريخ المكتوب أو إخفاء بعضه، نعم.. قد تعانى مصر ما يبدو للبعض كثيراً لكنه سيبقى مقارنة بتاريخها وجذورها “لا شئ” ولسوف يستعيد الشعب المصرى عافيته وكما تجرى المياه فى نهرنا العجوز الشاب فإن الدماء فى عروق أبناء الوطن لن تجف ولن يفنى هذا الشعب، لكنَّما سيبقى دوماً هو الدرع الواقى لهذه الأمة شئنا أم أبينا لأنه القدر وتاريخ الفخار لن يتغير إلى ذل وكم مرت بمصر من سنواتٍ عجاف عبرتها ولم تهن ولم تُذّل، لكن التاريخ لن يهمل أيضاً مواقف البعض من الحكام اليوم وقد ألقت المقادير أو المواريث بعضهم مصادفة فوق عروش يغوصون بين دفتيها تقزماً وضآلة، ولن يَنسَ هذا الشعب الطيب أن مصر الكبيرة كانت على شفا إفلاسها ويضن هؤلاء عليها ببعض مما يكنزونه من الذهب والفضة فى بنوك المرابين الصهاينة وشركاتهم.
نعدكم أيها المستعربين المتأسلمين أن هذا الشعب سيبقى دائماً هو السند والحليف لشعوبكم الطيبة حين تزحف عليكم جحافل التتار الجدد، وسيبقى مصيركم الحتمى بعد الزوال هو مواطئ النعال.. فإلى الجحيم أنتم وذهبكم وفضتكم المكنوزة، وعلى حكومتنا أن توقف إهراق ماء الوجه على أبواب تلك العزب المسماة تجاوزاً بالعربية فى حين يأبى حكامها إلا أن يروا شعوب الحرية تتسول منهم فتات موائد باذخة يقيمونها لأسيادهم وآلهتهم من لئام الإمبريالية والصهيونية، يهاجمونها فى العلن نهاراً ثم يسامرونها ليلاً فى مخادع السياسة الحرام، سندعكم فى غيِّكُم تعانون من تخمة وتتخبطون من سكْر وتزدانون من قبح، أما مصر الجميلة.. فإنها ستعاود النهوض حتماً حسب قانون طبيعتها.. ولو بعد حين.
يبقى سؤال يوَجَّه لأصحاب العزب والوسايا العربية: هل ترى الشرق يرفع الرأس بعدى؟

 

كاتب ببوابة الشروق

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *