ذكرى وفوضى وغطاء

ذكرى وفوضى وغطاء
tn

بقلم – طة ابو النيل .. 

حقاً.. لقد هَِرمنا، أَرنو فى الأيام الأخيرة إلى ملامح أطفالى فأُنكِرها، حل القلق محل البراءة وبدأت تجاعيد الزمان تزحف حول النواجذ الباسمة فتحيل صغارى إلى كائنات إنسانية بائسة تحملق نحو المجهول فى ذعر صار دائم، يبدو المشهد صالحاً لأن ينطبق عليه المثل الكئيب بأن العرب على استعداد للقتال حتى آخر جندى.. مصرى.

فهاهو البعض منا على استعداد للنضال من أجل “قضيته” مضحياً فى سبيلها بالدماء.. شريطة أن تكون دماء الآخرين، وأن ينفق الأموال سيلاً يثير الدهشة.. على ألا تخصم من حساباته، ويبدأ بعضنا يومه بالدعاء أن يوفق الله الظروف لسقوط أحد المصريين قتيلاً فى مظاهرة كى تعلو وتيرة النواح وتزيد الفرصة كى يزأر بالتصريحات والمطالبة بالقصاص فى كل الفضائيات التى تدفع جيداً للضيوف الذين حولتهم الميديا إلى نُخَب أثقلت كواهلها أوسمة الفخار الوهمية فصار كل فردٌ مِنَّا يتخيل أنه زعيم لم يقدره وطنه حق قدره، وأصبح كل واحد فينا على يقين أنه رئيس ظلمته الجماهير بجهلها عند الصندوق.

فى مقال متواضع منذ أيام قليلة نوهنا إلى محاولة استباق ما كان متوقعاً حدوثه خلال الذكرى الثانية للثورة، برفع الغطاء السياسى من طرف جميع القوى السياسية تجاه أية مجموعات أو أفراد يقومون بالحرق أو السرقة وحمل السلاح ونشر الفوضى على الصورة التى تظهر اليوم فى الشارع المصرى بصرف النظر عن المكان أو الظرف الذى تحدث به مثل تلك الأفعال، تجاهل الجميع كل النداءات التى أطلقها من يحسبون على تيار العقلاء لرأب الصدع وتناسى الأيدولوجيات والتماهى تحت راية واحدة لوطن يئن.. ويبدو أن الأنين سوف يطول بعد وضوح الرؤية من إصرار بعض التيارات على الذهاب بالبلاد إلى نفق أشد إظلاماً مما نحن فيه الآن.

ياسادتى.. قد سال الدم وقد احترق الشارع كما راهن على ذلك بعض نخبتنا فى المعارضة وامتلأت صدورهم زهواً ليس بفضل نجاحات حققوها وإنما الغريب هو أن فخرهم مبنى على فشل الرئاسة فى المضى بالبلاد نحو غدِ حلم به كثيراً المواطن المغلوب على أمره أيما غُلب!!

وقد كانت أحلام ظنها الشعب مشروعة بعدما قدم الأضحيات على مذبح الثورة وإن كانت تبدو غير كافية – فى نظر البعض- لذا فقد صور للشعب الخيال الذى حُرِم من استخدامه لعقود طويلة أن من حقه اليوم تذوق طعم الإنسانية والتدثر بلباس الآدمية، إنما يرى فصيل ما أن على الشعب أن يدفع المزيد من الثمن وأن ينزف الدماء وأن يفقد المزيد من الأولاد فى درب الحرية الذى انقلب فى بعضه سوقاً للنخاسة السياسية ومرتعاً خصباً تؤمه الضوارى والضباع حين فضلت الأسود أن تهجر هذا الضجيج إلى عالمها الفسيح ولو أدى الأمر لموتها جوعاً.

يا أساتذتى الكرام من كل الاتجاهات والانتماءات.. آنت ساعة يكون الانتماء السياسى الوحيد لا لأحد وليس لشئ سوى لمصر، فلتتفقوا أو فليعلن الشعب كفره بكم سواء.. فرفقاً بالشباب واكتفاء بما قد سال من دمٍ غالِ، أم أن بعضنا مازال يؤمن بغول الفوضى الذى بشرت به العرابة السوداء وأسمته زوراً بالخلاقة فلا يرتوِ أبداً من الدماء العربية ولا يشبع المَرَّة من لحوم المصريين؟ والمثير أن جميعنا يرى ثمار الديموقراطية التى يجنيها المواطن العربى فى بلاد الرافدين والتى جاءت كإفراز مباشر لفوضى كوندوليزا التى أحالت العراق العامر إلى أعراق شتَّى يُضرب بها المثل فى التمزق والانهيار المؤسسى بعد أن كانت دولة قوية غنية تمثل حائط الصد الشرقى فى الزود عن الأمة العربية التى قلبها مصر.

وهنا وفى الخاتمة.. أرجو القارئ الكريم أن ينضم إلىَّ، فنرجو معاً السادة الميكرفونيين والشقلباظيين أن يتوقفوا بعض الوقت عن الدعاء لسقوط المزيد من الضحايا على مذبح الفوضى والعنف المتبادل، ثم ندعو الله أن يخيب رجاواتهم فيتوقف سيل الدماء وألا يجد هؤلاء ما يتْجرون به فينسحبون برؤوسهم المصبوغة -والشيب جلال- علَّ الميدان يعود إلى نقاء يناير.

كاتب ببوابة الشروق

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *