يوميات نزلاء ” بورتو طرة ” ، وحكايات اول ليلة على البورش .

يوميات نزلاء ” بورتو طرة ” ، وحكايات اول ليلة على البورش .
نزلاء طرة

المدار وصحف :

واصل اللواء محمد حمدون، مساعد رئيس قطاع السجون السابق، سرد ما بخزائن أسرار رموز النظام السابق، داخل سجن طرة، راويًا  كيف كان اليوم الأول لوزير الإعلام السابق أنس الفقي، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية السابق زكريا عزمي في السجن، وكيف بدا الأخير غير مدرك واقعَه الجديد، فأسكتته الصدمة حتى عن أي طلب، وكيف كان فتحي سرور لوحيد من بين رموز النظام السابق الذي أصر مئات من أنصاره على مرافقته، وحدث عن صرخات رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون أسامة الشيخ الذي بدا طوال فترة سجنه وكأنه يغني خارج السرب، وتفاصيل أول صلاة جمعة اجتمع فيها رموز النظام السابق داخل السجن في مكان واحد.

وروى ، مساعد رئيس قطاع السجون السابق، لـ”الحياة اللندنية” التفاصيل في حلقة السرد الثانية، قائلا: في مساء يوم 19 فبراير، وبعدما تم إيداع حبيب العادلي في زنزانته حضر إلى السجن عهدي فضلي رئيس مؤسسة ”أخبار اليوم” السابق بعد أن صدر قرار بحبسه 15 يوماً على ذمة التحقيقات، ووجهت له النيابة العامة تهمة التربح والإضرار بأموال جهة عمله ومصالحها، ونزل من سيارة الترحيلات في صدمة وفي حال من الصمت لا يظهر من ملامحه إلا بريق عينيه من خلف نظارته. مشى فضلي إلى بوابة السجن ببطء وبدا متعباً، واستقبله مأمور السجن وكالعادة ومثل غيره ممن سبقوه أظهر استسلاماً لوضعه الجديد ولم تكن له أية مطالب، ويبدو أنه كان أيقن أن لا استثناءات، فلو كانت وجدت ما كانت قادته إلى هذا المصير. كما أن المعلومات التي كانت وسائل الإعلام تداولتها عن ظروف سجن المغربي وجرانة ثم العادلي ومساعديه أكدت له أن من كانوا في مواقع أهم من موقعه سبقوه إلى الزنازين.

وتابع: في 24 فبراير حضر أنس الفقي وزير الإعلام السابق ومعه أسامة الشيخ رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون السابق متهمين بقضايا فساد تضم بعض المخالفات المالية، ومرا بالسيناريو نفسه وجرت معهما إجراءات القيد والتسجيل ثم التوزيع على الزنازين. دخلا أولاً مكتب مأمور السجن في استسلام تام، كان الفقي متماسكاً وصامتاً غالباً لكن، في المقابل فإن أسامة الشيخ بدا غير مصدق ما يحدث حوله، فظل يقول: ”أنا لم أفعل شيئاً مخالفاً أنا كنت دائماً أحافظ على أموال الدولة وكل أملي زيادة دخل الاتحاد… هل هذا مصيري بعد كل هذا المجهود؟ يعلم الله أنني بريء، بل هم يعلمون أنني كذلك… حسبي الله ونعم الوكيل”. كانت تبدو على الرجل علامات الحزن والاكتئاب، وظل طوال فترة وجوده في غرفة المأمور يدعو الله فك أسره من محبسه، وطالما تحدث خلال شهور سجنه عن أن الأقدار أزاحت به إلى هذا الأسر من دون ذنب أو جريرة وكان دائماً يقول: ”أي ذنب اقترفته، بالعكس لقد قمت بتطوير التلفزيون وأصبح تلفزيوناً تتشبه به كل الدول المجاورة”، والحق أن بعض رموز النظام السابق أنفسهم استغربوا وجود الشيخ بينهم ولم يكن بعضهم يخفي تعاطفه، وبعضهم قال لي إنه نجح في تحقيق ربح للدولة يبلغ 164 مليون جنيه في آخر شهر رمضان قبل الثورة، وهمس البعض واعتبر أن الشيخ كبش فداء لغيره، لأنه كان مجرد مسؤول إداري وليس سياسياً.

وواصل: أما أنس الفقي فعلى رغم تماسكه إلا أنه كان زائغ النظرات لا يتحدث مع أحد وكأن هول الصدمة سيطر عليه حتى تم نقله مع الشيخ إلى عنبر مجاور لعنبر مساعدي وزير الداخلية الشاعر وفايد وعبدالرحمن وهما في استسلام تام وإعياء واضح ولم يطلبا سوى أدوية علاجية من ذويهما، وسعى الفقي إلى إظهار أن ما يجري معه تصفية حسابات وحرص على إخفاء التوتر الذي سيطر عليه، لكنه أحياناً فشل في الحفاظ على تماسكه، فمشيته إلى الزنزانة كشفت ارتباكه وتوتره وربما خوفه من المصير الذي ينتظره.

وأضاف:  بدأت التحقيقات في موقعة الجمل وكان أول المحبوسين الاحتياطيين هو عبدالناصر الجابري عضو مجلس الشعب السابق عن دائرة الهرم والعمرانية، وحضر الرجل وكان منهك القوى ووجهه تبدو عليه علامات السواد التي تختلط بالإصفرار، حيث أنزل من سيارة الترحيلات وهو يتمايل من شدة الآلام ويتكئ على بعض أفراد الترحيلات، ودخل مكتب مأمور السجن وهو لا يقدر حتى على الكلام، وطلب شربة ماء وبعض العلاج، وتم إسكانه في أحد العنابر الملحقة بالعنبر الرئيسي بجوار أسامة الشيخ، وظهر بعد ذلك أنه كان مريضاً وظل أكثر السجناء هدوءاً حتى نقل إلى المستشفى ثم أفرج عنه صحياً حيث توفي هناك، وفي 9 أبريل حضر في المساء ماجد الشربيني أمين التنظيم السابق بالحزب الوطني المنحل محبوساً على ذمة التحقيقات لإتهامه بالتحريض على قتل المتظاهرين في قضية ”موقعة الجمل”، ودخل مكتب المأمور، ومنه إلى زنزانته في أحد العنابر.

واستكمل: بدأت أعداد المسجونين من مسؤولي النظام السابق تتزايد ومعها بالطبع ارتفع مستوى الكآبة والحزن على الوجوه البائسة التي لا حول لها ولا قوة إلا بقايا النظرات والحسرات، ينظر بعضهم إلى بعض في حزن ويأس، لا يتبادلون كلمات إلا في الصباح عندما تلتقي الوجوه، إذا تلاقت بكلمة صباح الخير فقط من دون سواها، ومناخ الحزن الكئيب هو السائد بين الجميع ولا يوجد سوى التحرك الصباحي إلى النيابات لاستكمال التحقيقات. حيث فرصة لقاء السجناء بأعضاء الدفاع عنهم أو بعض ذويهم الذين كانوا ينتظرونهم في مقار النيابات. وبحكم الخبرة كنا ندرك أن الأيام الأولى للسجين هي الأصعب حيث يمر الوقت بصعوبة شديدة، فاليوم الواحد كأنه سنة كاملة، كما أن أسلوب الحياة داخل السجن لا يعتاد عليه السجين خصوصاً مثل هؤلاء إلا بعد فترة حتى لو قبلوا بالأمر الواقع..

جاء يوم 11 أبريل عندما حضر رئيس مجلس الشورى الأمين العام للحزب الوطني المنحل صفوت الشريف وكان خبر صدور قرار بحبسه احتياطياً وصل إلى الجميع أو قل إنه كان قراراً متوقعاً، فالشريف كان رمزاً مهماً من رموز نظام مبارك ورجاله ووجوده داخل السجن في ذلك الوقت أمر منطقي، ومر الشريف كالآخرين بالدورة نفسها ولكن، فوجئنا بأنه رجل عجوز يمشي بصعوبة بالغة وتبدو عليه علامات الكبر والشيخوخة، وجلس في حجرة المأمور وطلب كوباً من الماء وكل ما صدر عنه نظرات تائهة حزينة إلى أن تم تجهيز زنزانته مع الآخرين وانتقل إليها في هدوء وسكينة. وبدا الرجل العجوز غير مصدق واقعه الجديد على رغم ما عرف عنه من صلابة، وكان كسابقيه من زملائه مستسلماً، لكنه حريص على ”برستيجه” أو هيئته وصورته أمام الناس حتى إنه لم يسعَ إلى الدفاع عن نفسه أو كسب تعاطف من حوله.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *