لغز الزعامةِ بين إنتصاراتِ الوطن وعظيم إنتكاساتِه ..

لغز الزعامةِ بين إنتصاراتِ الوطن وعظيم إنتكاساتِه ..
اشرف

بقلم/ اشرف محمد اسماعيل
المحامى بالنقض:

تستند الزعامات بالأساس على ماخلقتهُ من تأييدات شعبية جارِفة .. والتى يتنامى الشعور لديها  ببطولات الزعيم ووطنيَّتِه الناصِعة البياض .. وهنا تفقد الزعامات مرونة السياسات إذ لايجوز الرهان بالالتفاف الشعبى مقابل الموائمات السياسية والمرونة الدبلومساسية .. هنا تكون خُطّب الزعامات مُوجَّهةً بالأساس لشعوبها فى الداخل دون أن تضع فى حساباتها الاستراتيجيَّات المُحيطة والمُترقِّبة لكل حرف من حروف الخطاب وكل نُقطةٍ منه.. فتبنى هى ردود أفعالها عليها من بعد دراسةٍ مُستفيضة بينما فشعوب الداخل تتمازج لديها الدموع والابتسامات وهتافات التأييد الوطنية الصارِخة من خلف زعاماتها ..

هنا تدفع الشعوبُ لاريب ثمناً فادِحاً لافتقار خُطَب الزعامات لفنون المواءمات لكنَّها لاتتوقف عن هذا الحب الجارِف نحوها  هاتفةً بفدائها بالروح والدم .. بينما فلايتوقف الدم عن النزيف ولاتتوقف الأرواح أ ن تُقبض وفى المُقابِل لاتتوقف كذلك الخطابات الزعاميَّة والتى لم توقفُها كل هذه الخسائر والهزائم عن مواصلة التهديد بضرب الأعداء والقوى الاستراتيجية الكبرى المُعادية من ورائها .. بينما فقد تكون الخسائر فى جانب الزعامات متلاحِقة لاتتوقف .. لكن الشعوب لاتفقد ثقتها بها ولا بزعامتها حتى آخر  نُقطة من دم وآخر حبَّة من رِمال الوطن ..

تموت الزعامات ولاتتوقف الشعوب عن حُبِّها الجارِف وتظلُّ تبكيها مادامت الحياة رغم ماقد تكون تركتهُ من أطلالٍ وعظيم أهوال .. والسؤال : ماسر هذا اللُغز الكبير .. وكيف تنسى الشعوب عقولها وتُورِّثُ أجيالها حب تلك الزعامات رغم ما سبَّبتهُ لها ولهُم جميعاً من انتكاسات ؟!

الاجابة تكمن فى الصورة الأبوية الوطنيَّة والتى تتقمصها تلك الزعامات وقد تكون صادِقة ويلمسها الشعب فى العديد من القرارات الأبوية والتى تتلامس ووجدانِه الوطنى .. ويزيد من أثر تلك الصورةِ  الأبوية الوطنية ذلك الخطاب الزعامى الوطنى المُفتقِرُ للمواءمات السياسية والذى يُعمِّقُ فى المُقابِل ثقة الشعب فى الزعامات وفى وطنيَّتِها الخالصة من دون خيانةٍ وعمالة .. فتصيرُ خُطَبُها مُقدَّسة وتصيرُ الزعامات ذاتِها فى نفوسِ شعوبِها المُتوارَثة كما الملائكة والقدِّيسين .. فلا ترى الشعوب من ثَمَّ لها أخطاء .. بل وتُحاولُ إقناع نفسها وضميرها الوطنى بإيجابية تلك الأخطاء ذاتِها .. هى ذات الصورة الأبويَّة فى عُمقها القريب .. فلا يستطيعُ الأبناء انتقاد آبائهم  وان تجلَّت أخطاؤهم  بارِزة .. بل ويُمعِنون  فى اليقينِ بقداستِهِم من دون ثمة أخطاء .. هى كذلك وبذات البُعد صورة الأبوية الوطنية والتى يبرع فى تجسيدها الزُعماء ..

ولكون الزعامات تحرص على رصيدها الزعامى لدى شعوبِها فهى لاتتنازل قيد أُنمُلة فى مواقفها وان كان ثمن هذا الثبات أفدح فى الخسارة ألف مرَّة من قبول مضامين المواءمات .. بينما فالشعوب فتستمر فى هتافاتها لهم بالفداء  حتى من بعد رحيلهم عن الدنيا .. بل ومن بعد قدوم قيادات تفتقر  للزعامة لكنها تزخر بفنون المراوغة والدهاء السياسى فحققت بهما من المكاسب الوطنيَّة مالم تستطيع الزعامات تحقيقها أو على الأقل بالمحافظة على مافى يدها من مُقدَّراتِ الوطن ذاتها .. لكن تلك القيادات لاشكَّ تنال تلك المواءمات السياسية منها ظُلماً ومن رصيدها لدى الشعب وما  تكون قد حقَّقتهُ لوطنها .. خاصةً والشعوب لا تتوقف لحظة عن عقد المقارنات بين قياداتها ليس بمعيار النجاحات  السياسية والاستراتيجية ولكن بمعيار  الزعامة الوطنية والتى لاتتطلب اجتهادات عميقة فى الكشف عن وطنية مواقفها وعدم عمالتها وخيانتها .. لذا كانت قيادات مابعد الزعامات فى غالب حالاتها مظلومة شعبيَّاً وفى عقيدة الأجيال الوطنية المتوارثة ..

الزعاماتُ تنالُ منها السياسة لذا كان ضروريَّاً أن تظلَّ فى وجدان الشعوب كلِمةً ثائرة .. صرخةً جاسِرة .. ميثاق وطن لايختلفُ عليه إثنان من بنى شعوبها .. فلسفةً ترتسِمُ فى قلوب الأوطان .. تهتف بها الجماهير عبر الأجيال .. وتصيرُ مشعِلُ حُرِّيَّة فى عقيدة الإنسانية كُلِّها .. غاندى زعيماً .. لعِب الزعامة ولم تنل منهُ المواءمات السياسية كرجل سياسة .. مانديللا  زعيماً ولم تنل منهُ المواءمات السياسة كرجُل سياسة .. جيفارا  .. المُختار .. ماوتسى تونج .. كما وكل الزُعماء قد صاروا فى ضمائرَ شعوبِهِم ثورة  وهتافات  تحريرٍ نحوالحُريَّة  تتوارثها الأجيال …

……………………………………………………………………………………

وعن نفسى ككاتب لهذا المقال أُُقرِّر وبِقُوَّة أن فى حدود وطننا مصر  لم تتملك  نفوسنا زعامة وطنية كما تملّكتها زعامة ناصر .. فتوارثنا حُب الرجُل  وسنُورِّثهُ إلى أولادنا ماعاش الوطن وبقيت حبَّات رماله .. وقد لانعرف سبباً منطقيَّاً لهذا الحُب .. كما لانعرفُ سبباً منطقيَّاً فى المُقابل لإنخفاض رصيد من أتوا بعده من قياداتٍ وطنية لدى الشعب وان كانوا قد حقَّقوا فينا وفى الوطنِ نجاحاتٍ لايُمكن بالمنطِقِ جحدَها..

ناصر مصر وان ظلَّ فى نفوسِنا زعيماً نتوارثهُ  الا أن السياسة  بالأساس  قد نالت منه  فصار  صورةً مُتفرِّدة من بين كل تلك  الزعامات .. قد احتفظت بزعامتها  رغم ماقد نالت منها السياسة ورِئاسة الدولة قرابة العشرين عاماً …………… رحم الله ناصر زعيم الأُمَّة  ولا ماتت زعامتهُ فى نفوسِنا جميعاً ..

………………………………………………………………………………….

تلك كانت قراءتى فى الزِعامة كلُغز بين انتصارات الوطن وعظيم انتكاساتِه ..

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *