دماء على قضبان السكة الحديد.. حكايات واسرار القتلى والمصابين

دماء على قضبان السكة الحديد.. حكايات واسرار القتلى والمصابين
البدرشين

المدار- صحف :

19 قتيلا و117مصاباً ضحايا حادث قطار الأمن المركزي

المصابون وأهالى الضحايا : المسئولون أخفوا الأرقام الحقيقية للقتلى وكل عربة كان بها 200فرد..وسائق القطار كان على علم بعدم صلاحيته فنيًا

شقيق مجنى عليه: أخى قال لى قبل السفر “أنا تعبت ونفسى ارتاح”.. وآخر: صاحبى مات وكان نفسه يخلص جيش بسرعة

النائب العام يأمر بتشكيل فريق للمعاينة ورئيس الوزراء يتبرع بدمائه لأحد المصابين

شهدت منطقة البدرشين حادثًا مأساويًا وقع على شريط السكة الحديد والتى تتزايد جراحها، إذ اصطدم قطار حربى كان يقل عددًا كبيرًا من المجندين بقطار بضاعة متوقف فى البدرشين، ما أسفر عن مصرع العشرات من المجندين وإصابة أعداد كبيرة منهم.

قال شهود عيان إن الحادث نجم عن خروج العربتين الأخيرتين من قطار حربى قادم من محافظة أسيوط إلى القاهرة، ويقل أعداداً كبيرة من الشباب على ذمة التجنيد، حيث انحرفت العربة الأخيرة من على القضبان، مما أدى إلى انقلاب عربتين من القطار.

وفور وقوع الحادث، انتقل عدد كبير من القيادات الأمنية إلى مكان الواقعة، لمتابعة تطورات المشهد وسرعة نقل الضحايا والمصابين إلى المستشفى لتلقى العلاج والوقوف على الأسباب الحقيقية وراء الحادث.

نهاية اليوم، يجمع كل مجند متاعه القليل فى “مخلته”، ويرفعها على كتفه استعدادًا لركوب القطار الذى ينطلق مساء ليقلهم إلى وجهتهم معسكر مبارك لقوات الأمن المركزى بالقاهرة، حيث انتدب 1328 مجنداً لمدة عامين من وزارة الحربية إلى الداخلية، من محافظات الوادى الجديد وسوهاج وأسيوط.

توزعوا على عربات القطار الإثنى عشر، واتخذ كل منهم مقعده بما يتناسب مع برنامجه للرحلة التى تستمر لساعات حتى مطلع فجر اليوم التالى الثلاثاء, تدثروا جميعًا بـ”أوفرولاتهم” (الاسم الذى يطلقه الجنود على زيهم العسكري) وشدوا “بياداتهم” (الاسم الذى يطلقونه على أحذيتهم العسكرية) احتماءً من برد يناير القارس.

وضع البعض مخلته تحت رأسه كوسادة وغط فى نوم عميق، بينما راح آخرون يتجمعون فى جلسات للسمر والتندر يقطعون بها ساعات الليل التى أثقلها الصقيع، يرتشفون أكواب الشاى “الصعيدي” الساخنة بتلذذ وبطء كأنهم يريدون ألا تنتهى لمساتها الدافئة لشفاههم الجافة من شدة البرد وقسوة الحياة العسكرية.

البدرشين بمحافظة الجيزة، آخر محافظات الجنوب قبيل القاهرة مباشرة, ومحطة وقوع الحادث، ظن المجندون بوصولهم إليها أن رحلتهم الطويلة أوشكت على الانتهاء، وآن لهم أن يحطوا رحالهم, هكذا بدا لهم الأمر دون أن يدروا أن تلك المدينة ستكون المحطة الأخيرة لبعضهم، ليس فى هذه الرحلة فقط وإنما فى الحياة ذاتها.

فجأة اختل توازن العربة الأخيرة بالقطار، فتناثر الشاى الساخن على أيدى حامليه واستيقظ النائمون وتخبطت الأجساد بجدران القطار الحديدية، وفى أقل من ثانية كانت العربة التى ارتطمت بقطار بضائع متوقف على قضيب آخر تنقلب أرضًا بحملها الثمين، وظل القطار يسحبها وراءه لنحو كيلو متر، لتتحول الضحكات إلى صرخات، والمسامرات إلى أنين، والغفوة إلى نوم أبدي.

19 قتيلاً و117 مصابًا, الحصيلة الرسمية لضحايا الحادث المروع، الذى وقع فى وقت متأخر من مساء أمس الأول، والذى يروى جانبًا من تفاصيله شهود عيان فى السطور التالية.

إبراهيم أبو الفضل (من سوهاج) أحد المجندين من ركاب العربة المنكوبة يقول: “صدر قرار بترحيلنا يوم 14 يناير إلى معسكر مبارك للأمن المركزى بالقاهرة، بعد انتدابنا من وزارة الحربية إلى وزارة الداخلية لمدة عامين، ومع منتصف الليل شرع القطار فى رحلته بشكل متقطع، ثم بدأ صوت فى الظهور داخل العربة الأخيرة، حتى محافظة المنيا”.

“فى هذا التوقيت، بدأ المجندون يشعرون أن الصوت يتزايد وأنه ليس أمرًا طبيعيــًا، وظل هذا الصوت فى ارتفاع حتى قبل الوصول لمدينة البدرشين بدقائق، وبشكل مفاجئ حدثت حركة غريبة فى العربة الأخيرة من القطار، إذ انفصلت العربة عن القطار وبدأنا نتخبط بين جنباتها، ثم خرجت عن قضبان السكة الحديدية واصطدمت بقطار البضائع الواقف فى الأمام”، يستطرد أبو الفضل.

ويتابع “بعدها وجدنا أنفسنا على الأرض، منا مَن سقط بين القضبان، وآخرون بين الأحجار، وغيرهم تحت العربة الزاحفة”، مردفا بمرارة تتجلى فى ملامحه وتسطرها كلماته “القطار خرج من أسيوط وحالته سيئة، كان من المفروض أن يكون القطار أفضل من ذلك لأننا ذاهبون لخدمة الوطن”.

أما ناصر عودة جندى آخر من شهود الحادث المروع فيستنكر الإحصائية الرسمية لعدد القتلى والمصابين قائلاً “من يزعم أن هناك 19 قتيلاً فقط، فليأتى ويرى الأمر على طبيعته، 19 شخصاً يموتون فى حادث سيارة ميكروباص، وليس قطار تحمل كل عربة فيه ما يقرب من 200 فرد”.

ويسترجع المجند رائد إبراهيم المصاب فى الحادث ما وقع له لحظة اصطدام القطارين فيقول “كنت نائمــًا أنا وأصدقائى فى العربة الأخيرة، ثم سمعت أصوات ارتطام، فقمنا نستكشف الأمر، لكننا سقطنا بعد ذلك وفقدنا الوعي، ووجدنا أنفسنا ملقين على قضبان السكة الحديد، ثم حملنا أهالى المنطقة إلى مستشفى البدرشين، بعد أن رأيت وأنا بين الوعى والإغماء أصدقاء لى يلفظون أنفاسهم الأخيرة”.

ويضيف ماهر البتانونى أحد سكان البدرشين الذين ساهموا فى إسعاف الضحايا على سابقيه إن “أهل المدينة بدأوا فى نقل المصابين بمجرد رؤيتهم للحادثة، فيما أتى الإسعاف بعد نصف ساعة تقريبــًا”، موضحاً “نقلنا بأنفسنا 4 قتلى لمستشفى البدرشين و6 لمستشفى الحوامدية”.

وأكد شاهد عيان آخر يدعى “عاطف.م”، أن القطار قبل الانقلاب بحوالى كيلو 300متر كانت عربتان بالقطار تصدران صوتا غريبا، مما أوحى بعدم وجود مساعدين للعجلات الخاصة بهما، وأضاف الشاهد أن مراقب البرج لم يعطى إشارة للمتواجدين على الرصيف بأن هناك مشكلة بالقطار.

وتابع: “كان هناك قطار للبضائع متوقف على الجانب الآخر، وعند توازى جسمى القطارين، خرجت عربتان عن القضبان إلى الرصيف، مما أدى إلى انحراف جسم القطار ما أسفر عن التصادم.

وواصل الشاهد حديثه أنه هناك قطعة من الحديد تزن حوالى 100طن سقطت على ضحيتين إحداهما متوفى والآخر حالته حرجة، ولم يتمكن الأهالى من إزالتها، لفترة طويلة فاستعانوا باللوادر، ولكنها سقطت مرة أخرى على الضحية لتودى بحياته.

وأضاف الشاهد أن مسئولى الحى رفضوا وصول اللودر لإزالة القطع الحديدية، فقام الأهالى باستئجار آخر على حسابهم الخاص.

من جانبه قال مصدر قضائي، إن النائب العام المستشار طلعت عبد الله، قرر تشكيل لجنة من النيابة العامة لمعاينة مكان وقوع حادث تصادم قطارى البدرشين بمحافظة الجيزة لمعرفة والوقوف على ملابسات الحادث.

وصرح مصدر مسئول بالمكتب الفني، بأن النيابة تعكف على معاينة صباح الثلاثاء، لمكان الحادث، وسؤال المصابين وندب الطب الشرعى لمعرفة أسباب الإصابة والتقارير الطبية، وسؤال سائقى القطارين.

وانتقل اللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، إلى البدرشين لمتابعة تطورات حادث القطار الذى وقع هناك، وعمل على تفقد موقع الحادث ومتابعة رفع العربات التى انقلبت من أعلى القضبان بقصد انتشال الضحايا والمصابين من أسفل العربات، بالإضافة إلى مطالبته رجال الحماية المدنية ببذل المزيد من الجهود لمساعدة رجال الإسعاف فى رفع الضحايا والمصابين ونقلهم للمستشفيات، كما وصل الدكتور هشام قنديل رئيس مجلس الوزراء وتبرع بدمائه بمستشفى المعادى العسكرى لأحد المصابين.

وخلال تواجده بمكان الحادث، استمع وزير الداخلية إلى اللواء أحمد الناغى مدير أمن الجيزة، واللواء كمال الدالى مدير مباحث الجيزة، وقيادات وزارة الداخلية حول الحادث وملابسات وقوعه، ووجه ببذل مزيد من الجهد لإنقاذ المصابين وانتشال الضحايا ونقلهم للمستشفيات.

وقال على أحمد عبد المولى “مجند” ومقيم بمحافظة سوهاج بمركز دار السلام، إنه كان فى آخرعربة بقطار البدرشين وحدثت هزة شديدة فى تمام الساعة 12 والنصف، وثم بعد ذلك سقط سقف العربة الأخيرة من القطار وبعدها سقطت أرضية العربة ووجدنا أنفسنا على القضبان.

وأشار إلى أنه كان متوجهًا إلى مركز تدريب معسكر مبارك للأمن بطريق مصر السويس الصحراوى، وأضاف زميله حمودة السيد أنه كان نائمًا وقت وقوع الحادث ولم يشعر إلا بصوت ارتطام القطار، ووجد نفسه داخل مستشفى البدرشين.

أما محمد عبد الحكيم شقيق المجند عماد عبدالحكيم الذى توفى فى حادث القطار، فأكد أن شقيقه عماد جلس معه قبل سفره بيومين، وطالبه بأن يبحث له عن وسيلة لكى يستريح خلال فترة تجنيده، وقال باكيا: عماد كان كل حاجة ليا، وكانت كاتم أسراره وحمل الدكتور هشام قنديل رئيس الوزراء مسئولية مقتله، وطالب بتوقيع أقصى العقوبة على المتسببين فى الحادث، وأن القدر كان له بالمرصاد، حيث كان يجلس عماد فى مقدمة القطار، ثم عاد قبل الحادث بدقائق معدودة وجلس فى مؤخرة القطار.

أما شقيق غنيم صبحى غنيم مساعد أول بالقوات المسلحة من مركز كفرمروان التابعة لمحافظة القليوبية والذى توفى فى الحادث، أكد أنه لديه 4 أولاد ويبلغ من العمر 35 سنة، وأنه كان عائدًا من إجازة بعد أن قضى عشرة أيام فى وحدته.

وأضاف عبد الصادق باكيًا، أن شقيقه رحل وترك خلفه أرملة “ربة منزل” وأربعة أبناء، أكبرهم فتاة فى الشهادة الإعدادية، وثلاثة أولاد أصغرهم لم يكمل عامه الثاني، مشيرًا إلى أن تقرير الطب الشرعى أفاد بأنه توفى متأثرا بتهشم فى الجمجمة.

ويحمل الضحية أشرف عبد الصادق عبد الحميد، 45 عاما، رتبة مساعد بالقوات المسلحة، بحسب شقيقه، الذى أكد أن القوات المسلحة ستصرف لأسرته تعويضا ماديا، لكن الأسرة لم تقرر بعد أى خطوات قضائية ستتخذها للحصول على حق الضحية الذى زهقت روحه بسبب حادث الإهمال.

أما هيثم الرفاعى فيروى مأساة سقوط بعض أصدقائه الجالسين بالمقاعد المجاورة له، فقال: عماد صاحبى مات، وكنت قاعد بتكلم معاه وقاعدين نهزر وبعد كده عرفت إنه مات، واستطرد هيثم: مين يجيب حق عماد اللى مات واحنا كنا قاعدين بنهزر؟

فيما يقول أحمد مجند من سوهاج: محمود صاحبى مات وده من القرية اللى جنبنا، وكان بيقول يارب نخلص جيشنا على خير علشان الواحد يشوف مستقبله ويشق طريقه، وكان بيقول إمتى الـ 3 سنين دول يعدوا على خير.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *