الهاربون إلى الحياة

الهاربون إلى الحياة
ريم أبو الفضل

 بقلم – ريم أبو الفضل:

بكل ما فيها من أمل وألمٍ..

بكل ما فيها من كد وجد..
بكل ما فيها شقاء ونقاء

 

نعيشها..ولكى نحياها لابد أن نمر على جسر ينقلنا من العيش إلى الحياة

قد أطلق لفظة الحياة على العيش مجازا..وإن اختلف المعنى

فالعيش أصبح حياة، والحياة إن لم تكسبها وجودا ومعنىً.. أصبحت موتا

 

كل منا له حياة يحياها  يهرب إليها من حياة يعيشها

إنها الحياة التى تعينه على تحمل الثانية

إنها الحياة التى تشعره بأنه مازال حيا فيها

فالموتُ هو أن تستسلم كل يوم لنفس الكدر، ونفس الرحى التى تطحنك فتتركك آخر اليوم متعبا لن يزول تعبك إلا بشيء يحييك

لا يوجد منا من يعيش فقط ..لابد وأن يلجأ للحياة ولو لساعة فى آخر اليوم

قد تكون بضع دقائق أو سويعات يغسل فيها آلامه..ويستعيد إنسانيته التى تقتلها الآلة، أو العمل، أو الضغوط   أو..أو..

 

يقولون إن العقل قادر على أن يصنع من النعيم جحيما..وأن يصنع من الجحيم نعيما

 

وما أشقى عقولنا بنا..حين تحاول جاهدة أن تصنع نعيما من أشياء بسيطة، وربما تافهة..وهى مضطرة للتعامل مع خامات فقيرة؛ لتصنع منها سعادة وفيرة تشعرك بالحياة

 

قد تكون هذه الحياة ركعتين فى جوف الليل، ودعاء يبتهل صاحبه الى الله فينتهى من صلاته، وقد غسل نفسه

قد تكون هذه الحياة جلسة مع أبناء بارين يقرون عين والدهم المنهك فى عمله

قد تكون هذه الحياة كلمة شكر وحب لزوجة انتهى يومها بين أوانى المطبخ، وثرثرة الأولاد

 

وفى الحياة تقابلهم..

 

يربطون على بطونهم حجرا…لم يكملوا تعليمهم قسرا

تراهم فى حارة ،أو زقاق فى حىّ شعبى

يلهون ببعض الحصى، ويصرخون بسعادة حين يحرزون هدفا

إنها الحياة بالنسبة لهم تكمن فى هذه اللعبة الساذجة

بلا تكنولوجيا..  بلا إمكانيات..  بلا أى مثيرات

ومع ذلك تجدهم يسعدون بها

إنها تمثل لهم الحياة

كما يمثل جوعهم، وجهلهم أيضا الحياة التى يعيشونها

ولكنهم يفرون من الحياة إلى الحياة

 

يجلس العجوز الذى لا يكاد يرى شاشة التلفاز، ولا يسمع جيدا صوته بالرغم من أن الجيران يتضررون من علو صوته

فيسأل زوجته التى لا تختلف عنه عما يجرى من أحداث فى هذا المسلسل الذى يتابعانه منذ شهور

تخمن الزوجة الأحداث وتروى لزوجها ربما أصابت، وغالبا تخطئ

يهز الرجل رأسه قانعا، وليس مقتنعا بما روته له زوجته

إنها الحياة التى يفرون إليها من حياة تمتلئ بالأمراض، والعقاقير، ومواعيد الأطباء، وفواتير المستشفيات

إن هذا ما تمثله لهم الحياة

فيسعدون بما لا يسمعونه ،ولا يرونه فى التلفاز

لكنهم أيضا يهربون من الحياة إلى الحياة

 

تأملت نماذج كثيرة وجدتها تفر من حياة تعيشها لحياة تحيا بها

 

مجاهدٌ يرابط و يجد فى رباطه حياةً له من عيشةِ ذل

كتابٌ يخلد إليه وحيدٌ بلا صديق….

 صحبة فى مقهى يلجأ إليها من لا ونيس له..

أغنية يسمعها سائق مركبة يرتاح إليها من ضجيج الأبواق

 

فى كل هذه نماذج يصنع العقل البشرى الرائع لصاحبها حياةً يحياها، ليقنع بحياةٍ يعيشها .. ولو لساعة

ما دعانى لتأمل مشهد الهاربين من الحياة هو فرارى أنا من حياة أعيشها.. لحياة أحيا بها

ولكننى أفر من الحياة بثرثرتها وضجيجها..  إلى الحياة بهدوئها ودروسها

ووجدت الكثيرين مثلى………..

يهربون من الحياة إلى الحياة

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *