أزمة الخطاب الدعوي بين حقيقة الإسلام والاختيارات السياسية

أزمة الخطاب الدعوي بين حقيقة الإسلام والاختيارات السياسية
الشيخ عبد المجيد الشاذلى

بقلم – عبد المجيد الشاذلى:

مما لا شك فيه أن حقيقة الإسلام هي خطاب الله الى البشر بمنهج متكامل لحياتهم وآخرتهم, لحياتهم ليقيموا أوضاعهم وفق هذا المنهج المنزل وليعمروا الحياة من خلال أحكامه وقواعده التي تضمن رقي الحياة وازدهارها.. وآخرتهم ليحققوا النجاة من النار والفوز بالجنة وذلك باستيفاء الشرط ]يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور : 55   فتجتمع لهم سعادة الدنيا والآخرة .

فانحاز فريق من البشر لهذا الخطاب وهذه الحقيقة عاشوا بها وماتوا عليها فسعدوا في الدنيا ونرجو لهم الأمن والهداية في الآخرة وانحاز فريق آخر إلي طريق الغواية والضلال فقاموا بمعاداة هذا المنهج وتزيين الانحلال والجحود وخلع ربقة العبودية من الرقاب من أجل هلاك البشرية العاجل والآجل ومن أجل إفساد الحياة عموما.

وهذا المنهج لا يتحقق إلا بقبول أحكامه تعالى وإعلان هذا بقبول ما أنزل تعالى ورفض ما سواه وهذا هو الاستسلام لله وحده وهذا هو معنى الإسلام، وما أنزل تعالى هو جملة هذا الدين بقواعده وأصوله وأحكامه وقيمه وموازينه وأخلاقه وتصوراته كلها.

وخطاب الله تعالى للبشرية جاء عن طريق جميع  الأنبياء]اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف : 65 وورث كل نبي مَن قبله، وورثنا نحن تركة الأنبياء جميعا، ولقد قامت هذه الأمة بإقامة دين الله تعالى كما أنزله ـ مع تفاوت في مستوى التطبيق ومع انحرافات بشرية ـ لكن في المجمل لم تكن لتقيم إلا هذا المنهج : عقيدة صافية وشريعة تحكم حياتها وهي في تَمسُك شديد به.

إلى أن سقطت الأوضاع الشرعية القائمة على هوية الإسلام وشريعته في يد المحتل الأجنبي, ثم قامت أوضاع علمانية بعد رحيل المحتل تخاصم دين الله تعالى فتفصله عن الحياة، وخاصمت هوية الإسلام وتنكرت لها ودعت الناس للبحث والنبش عما قبل هذا النور من حضارات وثنية ليرتبط الناس بآمون رع، وحتشبسوت، وحتحور، والإله ابن آوى، والعِرسة المقدسة .. إلى آخره.

وأعلنت العلمانية عن انزعاجها من كل ما يذكرها بهذا الدين، لا ترى في الشريعة إلا قيودا ولا ترى في الإسلام إلا تعصبا، وأعمى الله تعالى قلوبهم أن ترى نور هذا المنهج وسُموه بالخلق ليعيشوا بمنهج الله ويلتقوا على اسم الله تعالى.

وقامت الحركة الإسلامية بمحاولة للعودة بالناس إلى منهج الله واستعادة البلاد الى الشرعية الإسلامية..

ولقد وضع الإمام البنا “الدولة الإسلاميَّة” على رأس أجندة عمله السياسي والدعوي خلالالمراحل الأولى من عمر الدعوة؛ باعتبار أنَّ تأصيل قيم المشروع الإسلامي بمختلفمستوياته- الاجتماعيَّة والسياسيَّة والفكريَّة والثقافيَّة والاقتصاديَّة.. إلخلا بد لها من “حاضنة” قويَّة لكي تقيم الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى،وتُحَقِّق حاكميَّة الشريعة الإسلاميَّة في الأرض.وما لم تقم هذه الدولة فإنَّالمسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتهاوقعودِهِم عن إقامتها.

ثم سار على دربه االأستاذ سيد قطب ثم الإمام حسن الهضيبي  .. لقد كانت بداية الحركة الإسلامية هو النضال والسعي إلى إقامة الدولة الإسلامية واستئناف الحياة على هذا المنهج ، فكان توجهها نضاليا.

ثم حدث لونان من الانحراف:

الأول: التخلي عن وضوح البعد العقدي لما يفرض على أصحابه من مشاق ـ من وجهة نظرهم ـ وهذا بدأه الإخوان مع التوجه الحزبي للتلمساني رحمه الله وتخليهم عن البعد الريادي والنهضوي للأمة المبني على البعد العقدي والحسم في القضايا الذي اهتم بإيضاحه الأستاذ الشهيد حسن البنا رحمه الله في آخر عمره والذي أوضحه بجلاء الأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله ـ بغض النظر عمن انتسب إليه ولم يفهم توجهه وقال بعقائد التكفير ـ  تُرك هذا البعد وحسم خلاف عام 1965 بتجنب التوجه المهتم بالبعد العقدي في الصراع. واعتمد تسطيح المسائل والخلط بين من يكفر بالمعصية ومن يحذر من الشرك الأعظم بضوابطه. وترتب على هذا أن التربية أصبحت مبنية على المشاعر الوجدانية وبعض الأخلاقيات والحماسة الدينية دون وضوح عقدي.. وسطح الأمر وأصبح العنوان( نحن نقول بما يقول به الأزهر)، ونحن نحترم الأزهر لكن من لا يرى أن الفساد وصل إليه فهو لا يرى وكما أن منه علماء ربانيون فمنه تجار بالدين يحاضرون في أندية الروتاري الماسونية، مع الخلل العقدي المترتب على تبني علم الكلام والتمسك بمقتضياته المنحرفة إلى النهاية.

 لقد كان واجبا على الحركة الإسلامية أن تصلح الخطاب الديني وتعيده إلى صفاء السنة سواء في الأزهر أو غيره من المؤسسات. وفي هذه المؤسسات أفاضل يمكنهم تبني هذه التوجهات الصحيحة مع التخلص من آثار الفساد العميق الذي تركه إرث ستين عاما من الاستبداد والإرث السابق المبني على تبني توجهات علم الكلام بانحرافاته المرفوضة قطعا والمعارضة للنصوص صراحة والتي لا تستحيي من تأويل النصوص لتوافق مقررات فلسفية مأخوذة عن الجهم بن صفوان بل وعن الإغريق واليونان.

نتج عن هذا أن أصبح اليوم الإخوان المسلمون في السلطة تصارع كأي حزب، وتقود الفعل السياسي بأداء حزبي محض يصيب ويخطئ مسترضين طوائف لا قيمة لها في الشارع وهي قادرة على عرقلتهم لافتقادهم الشارع الذي فشلوا في حشده على قضية الإسلام كمشروع حضاري بل هناك فشل في مشروع الحشد عموما ولو على قضية أقل كالقدرة على حشد الجماهير على أهداف الثورة ، والحفاظ على هذا الحشد لاستكمال الهداف وتطهير القضاء والثأر للشهداء.

الثاني: أما التوجه السلفي فجاء كمدرسة علمية أو فقهية ، البعض يقول البدايات كانت من الأمن بغض الطرف عنه وتركه يعمل أو له دور في تشجيعه كتيار يشق به الصف الإسلامي ويناوأ به الإخوان، ثم انتهى به الأمر إلي الترتيب والتنسيق الكامل معه .. وبغض النظر عن صحة أو تجني هذه الرؤية فلنا الأداء..

قامت هذه المدرسة كمدرسة فقهية تهتم بالسنن وفروع الأحكام والسمت الظاهر وتأثرت بالتوجه السلفي الأردني (سلفية الأردن) وليست سلفية نجد الصافية، وسلفية الأردن عند التحقيق متلوثة بتوجهات للمرجئة الغالية والجهمية الصريحة، ولهذا تجد أبناء التيار ورموزه كثيرا ما يرددون شبها كان سلفهم فيها ـ من حيث يشعرون أو لا يشعرون ـ داوود بن جرجيس المنافح عن مشركي القبور وعبّاد الأموات.

اتفقت السلفية على مبادئ معينة منها عدم الخوض في الحاكمية والولاء، والتواصي بالتوسع في أمر أحكام الفقه، مع جاهزية التعامل مع الجميع: أمن الدولة .. ثم العسكر إبان أخذهم برأس السلطة .. ثم مع شفيق لمجرد احتمال فوزه!.

لم يكن إنجازا الدفع بالمجتمع المصري للتدين الفردي السلفي .. هذه طبيعة يميل إليها هذا الشعب الكريم .. إنما الإنجاز والتحدي الحقيقي ـ لو كان حصل ـ هو في تحويل التدين إلى البعد النضالي وإيضاح حقيقة النضال في الإسلام لإقامة الدين وإيضاح البعد الجماعي في الإسلام وركن إقامة الشريعة وعلاقتها ـ من حيث القبول والرفض ـ بالعقيدة.

اليوم يطالب السلفيون الشعب المصري باختيار الشريعة ولا يفهم المسلم العادي من خلال خطابهم أو من خلال خطاب الإخوان لماذا أختار الشريعة طالما أنني مسلم بمجرد قولي (لا إله إلا الله) وطالما كوني ليبرالي أو علماني أو شيوعي !  هذا لا يؤثرفأنا مسلم بهذا التلفظ .. هذا سؤال إلى الإخوان.

ونفس السؤال موجه إلى السلفيين مع سؤال أنه إذا كان الجهل والإكراه والخطأ والتأويل والتقليد مانعا وإذا كان لا بد من لجان مكونة من أعلم أهل الأرض وشروط لا يعقلها عاقل ـ وغير قابلة للتطبيق ولا للاطراد ـ فيمن رفض شريعة الله ودينه هل ما زال في دين الله تعالى رغم رفض منهجه ؟ فلماذا أختار هذا المنهج دون ذاك المنهج إذا كنت في الحالتين مسلما لا يتأثر ديني ولا اعتقادي ولا تتأثر آخرتي ـ على مسؤولية السلفيين ـ بهذا الاختيار؟!

*  *  *

اليوم معضلة كبيرة حيث لا يوجد خطاب دعوي يحشد الأمة ويفهمها حقيقة الإسلام ويستغل مساحة الحرية اليوم ورفع الحواجز بين الدعوة وبين الناس، فأين هؤلاء إذن وأين خطابهم؟ ماذا تريدون من الناس؟ هل هي زعامات لأشخاص تصعد نجومهم ويتبوءوا السلطة بعد أن غادرها الحزب الوطني؟ إن الناس تشتم هذه الرائحة وتكرهها وترى فيها استبدال استبداد باستبداد وسلطة بسلطة وزعامة بزعامة. الناس هنا تشك وتقول لقد فشلت الثورة وضاعت التضحيات وجاء من هاجمها ليستولي عليها ويقصدون بها السلفيين بالذات.

وإن كنا لا نوافق الناس على هذه الظنون بإطلاق .. خاصة أننا نقدر دور الإخوان كرأس حربة في الصراع وردء بعض التيارات الأخرى لهم في هذا الصراع.

لو لم يشعر المصريون بل والعرب بأن التيار الإسلامي تيار نضالي صاحب قضية يريد جمع الأمة عليها وهي قضية واضحة الملامح وأصحابها أعدوا لها إعداد جادا وأنهم مشغولون بالبلاد وقضاياها وأنهم يحملون قضايا البلاد إلى درجة الجاهزية لقيادة الأمة ومعهم من المشاريع ما يخرج بلادنا مما هي فيه ويحقق لبلادنا الاستقلال والقوة وامتلاك التكنولوجيا وتحقيق أوضاع اجتماعية عادلة ومتماسكة .. ما لم يشعر المصريون بهذا فلا استجابة إلا كاستجابة أي حزب نجح أو أخفق.

إنها قضية لا إله إلا الله .. قضية الوجود كله والخليقة كلها.

من أجل هذا استشهد البنا واستشهد قطب وأفنى عمره المودوي ..

 قد يكون للعمل السياسي وتبوء المناصب لذة الآن لكن إن لم نستدرك الأمر فسيعقبها ألم وندم.

إن غياب الخطاب الدعوي العقدي شكّل نقطة ضعف شديد، قد كنا نقوم بها منذ بداية الحركة امتدادا لما قام به البنا وسيد قطب رحمهما الله وكنا نواجَه بالتشويه والهجوم والاتهام بالتكفير رغم أننا نبرأ من التكفير والتوقف وجميع أحكام ومواقف الغلو.. لكن بيان البعد العقدي كان هو الحل وهو محور الاستقطاب، وشيوعه في الأمة مريح لها في عامة مواقفها، ونرى أنه الأساس لبناء الدولة..

لكن الإخوان لا تعطيه أهمية في التربية أو الدعوة أو خطاب الأمة أو النخبة، والسلفيون منهم قطاعات واسعة كانت تتواصى زمن مبارك بعدم الخوض في قضايا التشريع والحاكمية وقضايا الولاء لعدم إغضاب النظم ، وركزت على خطاب فردي شخصي غير كامل، مع معاداتها ـ وما تزال ـ وتشويهها لمن يقوم بهذا الخطاب، واليوم تريد الحركة الإسلامية أن تجني ما لم تزرع، كيف تقف الأمة موقفا حازما عقديا وهي لم تخاطب بهذا بل شُوه هذا الخطاب وصرف عن الأمة ولم يبق لها ما يخدم قضاياها إلا عاطفتها الصادقة نحو الإسلام وحبها له، بينما في المواقف المضطربة فكريا وحساسية المرحلة وعظم حجم القضايا التي تحيط بالأمة يحتاج كل هذا إلى مواقف حاسمة فيها انحياز إلى الشريعة والهوية والولاء مع الترابط مع الخطاب الإسلامي الحضاري الذي يبني الأمة ويؤسس للنهضة.

من هنا يتحمل تيار دعوة أهل السنة مع كل ما تحمّله من عداءات وضربات أمنية وتشويه متعمد، يتحمل اليوم عبء البيان والتوضيح وخط طريقه إلى الأمة بهذه الملامح سالفة الذكر ]وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ[  محمد : 38.

إننا نحذر ونستصرخ إخواننا للمسارعة باستدراك الأمر قبل فوات الوقت، بالحسم العقدي وأخذ الكتاب بقوة والاعتصام بحول الله وقوته وترك لعاعات الدنيا ليرى الله منا أننا أهل لحمل هذه الأمانة فعندها وعندها فقط ستنحاز الأمة إلينا طواعية وسنحسم صراعنا مع العلمانية وسنصل إلي ما نصبو إليه بإذن الله .. التمكين أو الشهادة] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[النور : 55 . . والله تعالى الهادي الى صراط مستقيم.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *