التخطي إلى المحتوى

بقلم- أحمد مصطفى الغـر:

كنت عائداً إلى المنزل و أنا أشعر بالضيق الشديد، حيناً بعد تعب اليوم الذى واجهته فى ذاك اليوم، وحيناً نظراً لحرارة الجو التى لم تكن لتطاق، غابت الشمس تقريباً إلا من بقايا أشعة ترسلها على إستحياء قبل المغيب، كانت الشعور تأن تحت وطأة الرطوبة المرتفعة فى ذاك اليوم، و سائقى السيارات لا يطيق أحدهما الآخر ويريد كلاً منهم أن يسبق الآخر بأى شكل ليعبر الازدحام الذى كان موجوداً فى الشارع الذى كنا نعبره ببطئ شديد، الجو بصفة عامة يدعو الى الاكتئاب، فى المقعد خلف الذى كنت أجلس فيه كان يجلس رجل مع ابنه الصغير، أحياناً يضطرك الصمت داخل الحافلة إلى ان تستمع إلى أياً ما يتحدث من الركاب الآخرين، هو ليس تصنتاً بقدر ما هو غلبة الاستماع للأصوات البشرية التى تكسر أصوات أبواق السيارات الأخرى وأصوات محركاتها، كان الرجل ــ بغرابة شديدة ــ يحاول وصف ما هو موجود بالشارع من مبان و أشجار، طالباً من ابنه الصغير ان ينظر إلى تلك المبانى المرتفعة الجميلة والأشجار الخضراء المنمقة على جانب الطريق، كنت أتعجب من كلامه، فعن أى جمال للمبانى كان يتحدث هذا الرجل !، المبانى تبدو قاتمة وكأن سكانها قد أرادوا لها منذ إنشائها أن تبدو فى ظاهرها كالمقابر وليس المساكن، ألوانها باهتة وغير متناسقة على أى حال، حتى الأشجار من كثرة التراب المتراكم على أوراقها التى لم تتساقط .. كنت أشعر بأنها توابيت متجاورة فى صف لا منتهى على جانب الطريق .

كان الرجل دائماً ما يعقد مقارنة بين ما هو موجود فى شوارع المدينة التى كنا نسير فيها وبين ما قد يجد الطفل اذا ما أراد الذهاب إلى بيت خاله “فلان” فى القرية حيث توجد والدته، ألان قد فهمت قليلاً وحاولت إستنباط شيئاً يعيننى على فهم تفسير الرجل الغريب ورؤيته المغايرة للأماكن والمناطق التى كنا نشاهدها، يبدو ان الأبوين منفصلان والأمر يتعلق بيوم الحضانة و أشياء من هذا القبيل، شعرت بالحزن لشأن الطفل، وأشفقت على الأب، لكن سرعان ما عاد الأب كى يستمر فى وصفه للسيارات التى تسير فى الشوارع و أصوات أبواقها !، وإفتقار القرية الريفية إلى كل ذلك، المحلات، اليافطات الدعائية ذات الألوان والاضاءة الغريبة، الأرصفة .. الناس .. كل شئ .. كل شئ .. لم يدع الرجل شيئاً إلا وأثنى عليه ومدحه عند وصفه، لم تمر دقائق حتى توقفت الحافلة التى كنا نركبها بشكل مفاجئ، تعالت صيحات الركاب و دعائهم ” استر يا رب .. استر يا رب ..” ، يبدو أن السائق لم ينتبه لطفل صغيرة وأخته كانا يعبران الشارع بشكل مفاجئ ومن مكان غير مخصص للعبور، بالأساس ليس هناك أماكن مخصصة للعبور، وإن وجدت فهى نادرة فى تلك المدينة !،  نزلت مع بعض الركاب لتقديم العون والتحقق من سلامة الطفلين، والحمدلله كانا بخير .. لولا العناية الالهية وتيقظ السائق الذى ضغط على المكابح فى أخر لحظة، عدنا إلى مقاعدنا، بدأ الصامتون من الركاب فى الحديث عن ما حدث و تذكر البعض منهم مواقف مشابهه حدثت له فى أسفار أخرى قديمة وبدأ يشارك الأخرين بها فى محاولة منهم كى لا يشعروا بالوقت الذى بدا وكأنه توقف فى ذاك اليوم، فعقارب الساعة تمر ببطئ شديد، يقولون أن الكتاب خير رفيق فى السفر، لكننى أعتقد أن خيراً منه هم رفقاء السفر سواء كنت تعرفهم أو لا، وخصوصاً إذا كانوا ممن يمتلكون من المخزون القصصى ما يكفى لشغل وقت الرحلة،  فيجعلونك تعيش معهم القصة بخيالك .. كما ان قصصهم تخرج منهم بلا تكلف أو فلسفة زائدة كتلك التى نراها فى الكتب و الروايات، كنت أعد الدقائق المتبقية على الوصول، لكننى لاحظت غياب صوت منذ الحادثة !، صوت كان يمتدح كل شئ ويرى الدنيا من حولنا بعيون متفائلة إلى حد كبير، لقد إختفى الرجل وابنه !، قلت فى نفسى ليته بقى، فهو على أى حال كان أفضل من أصوات كثيرة متداخلة موجودة ألان، تحكى عن مساوئ الدنيا وذكرياتهم البائسة بعيون وذاكرة لا يملأها سوى التشاؤم و الواقع الممزوج بالألوان القاتمة !

هامش: ما فائدة طرقات الدنيا المعبدة إذا كان حذائك ضيق ؟!، وما فائدة الأضواء من حولك إذا كنت لا تنزع نظارتك السوداء من فوق عينيك ؟!، لمن تسطع الشمس كل صباح إذا كنت لا تفتح نوافذ غرفتك ؟!، ولمن تشدو عصافير الصباح اذا كنت تسد اذنيك طوال الوقت ؟!، لولا الأمل والتفاؤل .. ربما لم أكن لأستطيع كتابة هذه السطور .. وربما لم يكن بمقدورك ــ أنت ــ أن تقرأها ألان .