حكم المحكمة الدستورية بين أحكام الشريعة وبين عبث الأدعياء

حكم المحكمة الدستورية بين أحكام الشريعة وبين عبث الأدعياء
الشيخ عبد المجيد الشاذلي

بقلم – فضيلة الشيخ عبدالمجيد الشاذلي:

كان لحكم المحكمة الدستورية أثره السلبي على مسيرة الحرية في مصر، وشكل هذا الحكم مؤشرا خطيرا على تغول القضاء على سلطات الدولة، وعلى كونه أداة للقمع الناعم ومصادرة الحريات ومصادمة إرادة الشعب تحت حجج واهية، والحقيقة وراء هذا كله أنه أداة العسكر وأداة النظام القديم بل وأداة لجهات خارجية تعول عليه أن يخفف عليها آثار ثورة يناير العظيمة! (راجع تصريحات المسؤولين الاسرائيلين حول دور المحكمة الدستورية) .

عدد الأحزاب التى شاركت فى الانتخابات 67 حزب تقريبا، لم يقدم أغلبها مرشحين على المقاعد الفردية، والذى رشح منها كان على مقعد واحد ” فئات أو عمال” , وكان إجمالى المرشحين على المقاعد الفردية 6591 مرشح, معظمهم من المستقلين من غير الأحزاب طبقا للمشاهدة والواقع.

فقد رشحت الأحزاب إذا عددا قليلا، فازوا بـ 140 مقعد، ومعنى هذا أنه لو كان الشعب يرى أن الثلثين للأحزاب كاف لكان أعطي الفردي للمستقلين، لكنه عزف عن المستقلين واتجه ناحية الأحزاب فللأمر دلالته الخاصة؛ فكون المرشحين المستقلين كانوا أضعاف ما تقدمت به الأحزاب فيتركهم الشعب ويأخذ منهم 24 عضوا فقط ويأخذ بقية العدد من مرشحي الأحزاب  فمعناها أن الشعب عازف عن هؤلاء المستقلين وأنه يريد أغلبية كاسحة (مطلقة) للأحزاب تشكل حكومة بنظام برلماني أو أغلبية نسبية كالتي حصل عليها الإخوان، والتي شكلوا بها مع غيرهم من الأحزاب أغلبية مطلقة، فلو حذفنا نسبة الفردي من الأحزاب فلن يصل أي من الأحزاب الى الأغلبية المطلقة فيصبح البرلمان مبعثرا لا يوجد زعيم أغلبية ولا زعيم معارضة، ويصبح برلمانا متمزقا لا يستطيع أن يشكل حكومة.

أما الذي يعارض مبدأ تكافؤ الفرص فهو الكوتة التي يريدونها للمرأة وللعمال والفلاحين وللمستقلين.. لكن تكافؤ الفرص الحقيقي هو ما حدث من أن المستقلين بعددهم الضخم يختار منهم الشعب 24.

وأما المنافسة للمستقلين فقد جاءت من بعضهم لبعض ومن عدم رغبة الشعب فيهم وليس من الأحزاب فالأحزاب رشحت على الفردي عددا قليلا،  حوالي مرشح على كل مقعد، بما يشكل حوالي عشر ما ترشح به المستقلون؛ فعدد المرشحين المستقلين أكثر واختار منهم الشعب عددا قليلا، بينما عدد المرشحين على القوائم الفردية من الأحزاب أقل والذين اختارهم الشعب منهم أكثر..

فتكافؤ الفرص موجود، ولو حدث العكس بأن لم يترشح أفراد من الأحزاب لكان برلمانا مبعثرا لا أغلبية له كما مر بيانه، ويعجز عن تكليف حكومة لا بأغلبية ولا عن طريق الائتلاف وإلا تصبح هشة وضعيفة، أما الكوتة فهي غير دستورية لأنها في النهاية ستمنع من تشكيل حكومة، لكن الوضع العادي (القوائم والمستقلين) هو وضع دستوري تماما.

*  *  *

هذه نظرة عامة على حقيقة الأمر، ولكن ثمة نظرة شرعية من حيث القواعد الشرعية التي تحكم مثل هذه الأوضاع..

القاعدة الأولى إمكان الانفكاك وعدم إمكان الانفكاك بين حالة وأخرى..

فالإسلام يقول أن من اغتصب أرضا فـ (ليس لعرق ظالم حق)، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلمهذا الحديث لرجل اغتصب أرضا لسنوات وزرع فيها نخلا؛ فقال الراوي: فرأيت الفؤوس تضرب جذور النخل؛ فهنا لا يوجد انفكاك لأنه جاء البطلان من الأصل.

في حالة ثانية أخذ رجل صكا لتعمير أرض ثم تهاون فيها مدة أكثر من الشرط وهو ثلاث سنوات كفرصة للتعميرفمرت المدة وسقط حقه ولكن لم يسترد منه السلطان الأرض، ثم جاء آخر وسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلمأن (من أحيا أرضا مواتا ـ ولا يشترط فيها إذن السلطان ـ فهي له)، فذهب وأحيا هذه الأرض وامتلكها، ثم تنبه الأول وجاء يطلب الأرض وتنازعا.. فلو قلنا بالبطلان من الأصل لكان الاثنان لا حق لهما لأن الأول مرت عليه السنوات الثلاث بدون تعمير، والآخر أحيا أرضا ليست له، ويكون الحل ساعتئذ أن تعود الأرض الى الدولة، ولكن هنا أمكن الانفكاك لأن هذا له شبهة أن (من أحيا أرضا مواتا فهي له) والآخر له شبهة لأن له صك تعمير وظن لنفسه فسحة من الوقت، فلكل منهما شبهة، فهذه فيها حكومة؛ فيقال لصاحب الأرض إما أن تدفع ثمن الإحياء وتأخذ الأرض بما عليها، وإما أن يشتري الآخر الأرض ويمتلكها هو بما بذل عليها من الإحياء ويخرج أحدهما فإما أن يدفع أحدهما ثمن الأرض وإما أن يدفع الآخر ثمن الإحياء.

فهنا يوجد بطلان من الأصل لكن لم يسر الى الفرع لإمكان الانفكاك ، وهذا بخلاف الحالة الأولى التي بطل فيها الأصل بحيث لا يوجد إمكان إنفكاك لأنه ليس لعرق ظالم حق وإن طالت المدة؛ فاختلف الوضع بين الحالتين بسبب إمكان الانفكاك وعدم إمكان الانفكاك..

هذه هي القاعدة الأولى.

أما القاعدة الثانية فهي إمكان التلافي وعدم إمكان التلافي:

فلو أن رجلا تزوج امرأة وغاب عنها أربع سنوات ـ المدة التي حددها الصحابة ـ ثم جاء وقد عقد عليها غيره قبل الدخول؛ فالأول أحق بها، لأنه قد أمكن تلافي الضرر.

أما لو جاء ووجدها تزوجت ودُخل بها فهنا لا يمكن التلافي فالثاني أحق بها، وللأول المهر الذي دفعه، والمعتبر هو الزواج الثاني في هذه الحالة.

القاعدة الثالثة والرابعة هي (نهى الشريعة عن التعسف والإساءة في استعمال الحق) و(تحريم الابتزاز) ولأن تعريف البغي هو مجاوزة الحد فى استيفاء الحق ، وذلك لقول الله تعالى )فاتباع بالمعروف وأداء اليه بإحسان(، وكذلك فى تجاوز حد الاستيفاء في الحقوق قوله تعالى )ولا تعتدوا( فالبغي يتضمن هذين المعنيين.

ولتطبيق قاعدة عدم الابتزاز بأمر مبيت ومفخخ وضبابى ليس معلن إلى الناس بل فيه غش وتدليس ثم لو فرض أنهم على حق ـ وليس الأمر كذلك ولكن نفرضه فرضا فيما طبقوه مع هذا الغش والتدليس ـ فهنا تنطبق قاعدة رفض الابتزاز والتعسف والاساءة فى استعمال الحق وتحدد مدة الطعون تنتهى بعد الدعوة إلى الترشيح ولا يصح قبول أى طعن فى هذه المرحلة بعد ذلك، ثم ينطبق هذا الأمر فى كل مرحلة بعد ذلك إلى أن يتم الانعقاد وأى طعون تظهر بعد ذلك تكون والعدم سواء هذا لتطبيق هذه القاعدة .

أما تطبيق إمكان الانفكاك ففي كل دول العالم فردى وقوائم، وفى الاردن وانجلترا لوردات وأعيان، وليس فى ذلك تعد على تكافؤ الفرص، والموضوع ليس موضوع توزيع غنائم ولكن توافق مجتمعى لتحقيق مصلحة الأمة على النحو الذى تراه وليس له علاقة بتكافؤ الفرص أو عدمه وهو تكليف لا تشريف.

ومن ثم فلو وجد بطلان في القانون ـ ونحن لا نعترف به ولكن نفترضه فرضا ـ فلا يسرى ذلك إلى البرلمان، لتطبيق قاعدة إمكان الانفكاك، لأن المعول عليه فى البرلمان ليس ثغرات القانون التي يتلاعب بها القانونيون.

والمعول عليه ثلاثة أمور:

الأول تمثيل الأمة، وقد اختار هذا البرلمان ـ وهو أول برلمان بعد الثورة وقد اختير اختيارا صحيحا ـ 30 مليون ناخب من 50 مليون أى 60 % من المجموع وهى أعلى نسبة تحققت فى مصر في تاريخها كله  إذا افترضنا وجود انتخابات حقيقية قبل ذلك فكلنا يعرف أنها كانت مزورة.

الأمر الثانى: ما أنتجه هذا البرلمان من قوانين وقرارات وما تدخل به من رقابة وما قام به من خدمات حرصا على مصلحة الأمة.

الأمر الثالث: هو سلوك البرلمان جملة، أما السلوك الفردى فيحاسب عليه صاحبه، ولم يحدث شىء من ذلك فى هذا البرلمان بدليل أن قرار الحل لم يتضمن إلغاء القوانين التى أنتجها هذا البرلمان وليس لهذه الأمور الثلاثة بالثغرات فى قانون الانتخاب الى فخخت تفخيخا على طريقة التدليس والغش لاستبدال التعيين بدل الانتخاب وذلك لاستمرار الاستبداد.

فهنا يتحقق إمكان الانفكاك فى أجلى صوره وأكثرها وضوحا.

القاعدة الثانية وهى عدم إمكان التلافي فقد عقد البرلمان فعلا وخاض شوطا طويلا فى كفاح مرير كانت الأمة فى أشد الحاجة إليه، وقد تكلف هذا الانتخاب 1.8 مليار جنيه حسب تصريحاتهم والأمة فى حاجة إلى جنيه ودولار، وقام البرلمان بدوره في انتخاب اللجنة التأسيسية، وأنتج قوانين ترتب عليها أمور كثيرة، وتكلف الأفراد أموال كثيرة بجانب ما تكلفته الدولة فهنا والعمل يسير والركب يسير والأمور تأخذ سيرها الطبيعى تحقق عدم إمكان التلافى وذلك يختلف عن إلغاء البرلمان قبل الانعقاد.

والآن فى القرن الواحد والعشرين البرلمان هو الممثل الحقيقى للشعب ولا يجوز لأى سلطة أخرى تنفيذية أو قضائية حل البرلمان بل هو الذي يطلب سحب الثقة من الحكومة ومن بعض المحاكم إذا أساءت السلطة ولا يحل البرلمان إلا نفسه أو انقضاء مدته.

خلاصة الأمر:

بالتالي فلا يجوز بعد انتخاب أول برلمان شعبي حقيقي وقد فخخت له المحكمة مع العسكر قانونا، ثم تشهر في وجهه هذا الفخ بعد مزاولة نشاطه وعمله للجمعية التأسيسية فتتعسف وتسئ في استعمال الحق، والخطأ مصدره منها، وكان  الصواب ألا يترشح أحد إلا بعد الطعون ـ كما فعلوا في انتخابات الرئاسة ـ لئلا يترشح الناس في أوضاع ضبابية غير واضحة، بل يجب تحديد مدة للطعن لكل مرحلة قبل أن تبدأ هذه المرحلة بحيث إذا انتهت كل المراحل وبدأ الانعقاد يكون قد تم الأمر وتم معه التأكد من خلو الأمر من أي طعون تؤثر في صحة العضوية، وبعد الانعقاد لا يكون هناك مجال للطعن لعدم إمكان التلافى. 

*  *  *

وبالتالي فلا وجه للطعن على البرلمان، ولو كان ثمة وجه للطعن فالقواعد السابقة تمنع منه..

والهدف الأساسي هو تمثيل الأمة وهو أمر متحقق بأعلى ما كان في مصر على مدار تاريخها؛ حيث قام 60 % من الشعب المصري باختيار هذا البرلمان اختيارا حرا، ولم ينسب لهؤلاء الأعضاء قرارات خطأ، وكل ما أصدروه من قرارات أقرتها الدستورية، ولم ينسب لهم مخالفات شخصية خاصة بهم.

والتمثيل للأمة هو أهم شيء، وهذا التمثيل لم يشُبه عوار، وهو الذي لا يمكن الانفكاك فيه في حالة المخالفة، أما الاعتراضات الأخرى فهي كالصلاة في الدار المغصوبة أو الذبح بالسكين المغصوبة فلا تبطل الصلاة ولا الذبح لأن الأركان لم تبطل لأنه ليس مطلق النهي يقتضى الفساد، فإنه إذا أمكن الانفكاك فلا يقتضي الفساد.

فقرار الدستورية مشوب بالابتزازـ وهذا واضح في تهديد الجنزوري ـ  والإساءة في استعمال الحق مع وجود إمكانية الانفكاك كما أنه لا يصح الحكم بالبطلان لعدم إمكان التلافي لقيام البرلمان ومزاولته لمهامه واحتياج الشعب الى هذه السلطة وعدم انفراد العسكر بها.. فهذا كله يبطل قرار المحكمة الدستورية من الناحية الشرعية.

فهذا هو الفرق بين الشريعة وبين عبث الأدعياء .. لو كانوا يعقلون.

ومقصود العسكر وبقايا النظام القديم من كل هذا هو سلب السلطة من كل المؤسسات المنتخبة حتى الرئيس مهدد بهذا وإرجاع كل هذا إلى التعيين ممن لا يملك شرعية الانتخاب ـ أعطى من لا يملك حقا لمن لا يستحق ـ وإذا كانوا يعتقدون أن الشرعية بالحديد والنار وليس بالانتخاب — إذا كان هذا مقصود العسكر عندئذ تكون الكلمة للمحكمة الثورية التي تأسست علي دماء وجثث الشهداء وأجسام المصابين وعلي أحزان أسرهم ولن تكون الكلمة للمحكمة الدستورية التي شكلها حاكم فاسد مفسد عميل — ونذكر كل من يعتقد أن الشرعية بالحديد والنار وليست بالانتخاب — نذكرهم  بما ورد عن سيدنا عمر:

“من تأمر دون أن يؤمر فاقتلوه”-

ومن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فقدموه فاضربوا عنقه”

” ومن بعل عليكم أمركم ـ أي أفسده بأن تأمَر عليكم بدون مشورة ـ فاقتلوه”

فكل من زيف إرادة الأمة واغتصب حقها فى الشورى والانتخاب وأفسد عليها أمرها ” نظام رومانيا وباكستان” فهؤلاء حكمهم تصدره محكمة ثورية، فإذا لم يتحقق ذلك ، لا يكون من حق أحد ان يمنع الأمة من استرداد حقها المغتصب ، ويكون علي القوي الثورية والملايين التي اختارت البرلمان فرض عين أن تتحرك لمواجهة هؤلاء وهذا راجع إلى ذكاء الأمة ووضوح رؤيتها وحنكتها فى مواجهة العدو بما يكبت العدو ولا يبعثر تماسك الأمة.. والله الموفق.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *