مشاكل الولادة السياسية العسيرة لليبيا الجديدة / د. المولدي الأحمر

مشاكل الولادة السياسية العسيرة لليبيا الجديدة / د. المولدي الأحمر
436x328_66189_138630

 

يتابع العالم اليوم باهتمام بالغ وبكثير من الدّهشة، مع عدم الفهم أحيانًا، تطوّر الأحداث في ليبيا. ولعلّ أهمّ الأسئلة التي تدور الآن في أذهان أغلب المراقبين والمحلّلين هي التالية: لماذا تدحرجت المعارضة الليبيّة من التظاهر السّلمي ضدّ النظام السياسي الاستبدادي لمعمّر القذافي، نحو الانخراط في حربٍ ضروس ضدّ رموز هذا النّظام أفضت بسرعة إلى تدويل قضيّتها؟ وكيف استطاع النظام الليبي أن يصمد كلّ هذا الوقت أمام انتفاضة شعبيّة عارمة شملت في بدايتها حتّى قلب العاصمة طرابلس؟إنّ الإجابة عن أي سؤال يتمحور موضوعه حول تطور الأحداث في ليبيا ليس أمرًا هيّناً، خاصّةً في ظلّ خطاب إعلامي عالمي ومحلّي طاغٍ يستسهل استخدام وحدات تصنيف مضلّلة أحيانا، مثل العشيرة والقبيلة، وهي وحدات ذهنيّة وجدت من سوء الحظّ طريقها حتى إلى عقول الثوّار ووجدانهم بوصفها قيماً أخلاقيّة ومحدّداتٍ للسّلوك السياسي. لكنه من المهمّ أيضا أن ننتبه إلى أنّ مشاكل الفهم المتعلّقة بخصائص الصّراع على السّلطة ومعادلاته في هذا البلد ازدادت في الحقيقة غموضًا بسبب وجود ثلاثة عوامل رئيسة لم تكن موجودة في غيرها من الثّورات العربية:

  • العامل الأوّل هو الحضور الدولي اللاّفت لليبيا خلال الأربعين سنة الأخيرة على الساحة الإقليميّة، وأحيانا الدولية، كقوّة بتروليّة جاذبة للعمالة ارتبطت بها مصالح العديد من الدول. وقد غطّت هذه الصّورة الاقتصادية القويّة للبلاد على الكثير من مشاكل المجتمع الليبي الداخليّة، واختزلت علاقة ليبيا المضطربة مع العالم الخارجي في السلوك السياسي المميّز والاستفزازي لمعمّر القذافي على مسرح الأحداث الدوليّة.
  • العامل الثاني هو شخصيّة القذّافي السياسية في حدّ ذاتها. وهذه الشخصيّة لم تنحتها فقط أصولها البدويّة وتاريخ ليبيا السياسي، إنّما أيضًا قيمة الموارد الماليّة التي حظي بها الزعيم الصّاعد إلى قمّة الدولة في طريقه وعلى ذمّته. فاعتمادًا على هذه الثّروة وعلى أيديولوجية شعبوية فجّة وبدائية، قدّم القذّافي ليبيا للعالم على أنها بلد ليس له من المشاكل إلاّ تلك المتعلّقة بطمع القوى الخارجية الكبرى في ثروته. ومن ثمّ غطّت شخصية القذّافي، الذي استنفذ الكثير من الجهد كي يبقى محطّ أنظار العالم، على كلّ ما يتعلّق بالشّأن الاجتماعي-السياسي الداخلي لبلده بكلّ تعقيداته.
  • العامل الثالث هو أنّ المحلّلين الذين هرعوا لتفحّص الواقع الليبي في محاولة منهم لفهم الأحداث الجارية، اصطدموا بشحّ المعلومات المتعلّقة بمكوّنات هذا المجتمع الداخلية، تلك التي يبني عليها اليوم الفاعلون السياسيون أهدافهم وسلوكهم ومواقفهم واستراتيجيّات عملهم.

تاريخ الدولة في ليبيا

لكي نفهم هذه المسائل، ونتبيّن الخيوط التي تربط بين عناصرها، علينا العودة قليلاً إلى تاريخ الظّاهرة السياسية في ليبيا، بما في ذلك تأسيس الدولة المستقلّة سنة 1951، مع الوقوف عند التّفاصيل الأنثروبولوجية- التاريخية لتشكّل الفعل السّياسي في هذا المجتمع وآليّاته، وظاهرة الزّعامة تحديدًا من بينها، ثم وضع الانقلاب العسكري الذي جاء بالقذّافي إلى السلطة في سياق التطوّر الدّاخلي والخارجي الذي عرفته ليبيا من منظور الثقافة السياسيّة “الزعاميّة” المشار إليها، وأخيراً الرّبط بين جميع هذه العناصر وما يجري الآن على السّاحة الليبية بتفاصيلها الاجتماعيّة والسّياسية.

تميّزت الظاهرة السياسيّة في التاريخ الليبي الحديث، وبالتّحديد منذ قدوم العثمانيّين إلى هذه البلاد في منتصف القرن السّادس عشر، بثلاث خصائص دقيقة:

  • استقرار السلطة نهائيًّا بين أيدي قوى حضريّة ذات أصول خارجيّة متمركزة في طرابلس.
  • ضعف سيطرة الدولة حتّى النّصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي على مجريات الحياة السياسيّة في جزءٍ كبير ممّا أصبح يُعرف اليوم بليبيا (لم يُرفع العلم العثماني على مدينة الكفرة في أقصى الجنوب الشّرقي للبلاد إلاّ سنة 1912).
  • استمرار المجتمعات المحلية في معظم مناطق البلاد -نتيجة الواقع المشار إليه العنصر السّابق- في إنتاج نخبها السياسيّة بمعزل عن تدخّل الدولة المركزيّة في هذا المجال حتى الربع الأخير من القرن التّاسع عشر.

على المستوى العملي وجدت هذه العناصر ترجمتها الميدانية في استقرار الحكم في طرابلس -مركز الدولة- في أيدي مجموعة عسكريّة بيروقراطيّة تعيش من القرصنة، ومن الجباية التي تفرضها على الحرفيّين والتجّار والفلاّحين القرويّين القريبين من المدن، ومن ممارسة الغزو الداخلي تحت عنوان جمع الضّرائب، ضدّ البدو والمجموعات الجبلية المستقرّة في المناطق الوعرة الرّافضة لهيمنة الحكم المركزي، وكذلك من التّجارة بعيدة المدى. وقد تطوّرت هذه المجموعة -في بداية القرن الثامن عشر- من مجموعة عسكرية خاضعة بشكل مباشر لإدارة الباب العالي في إسطنبول ومحكومة في علاقتها بالسكّان بطابعها العسكري، إلى مجموعة منغرسة في النّسيج الاجتماعي المحلّي (منحدرة من تزاوج عثمانيّين وافدين ونساء محليات)، على رأسها زعيم سياسي فرض نفسه اعتمادًا على خصائصه الشّخصية وتحالفاته الناجحة ومستقلّ نسبيًّا عن الباب العالي، ولكن دون أن تتخلّى عن طابعها العسكري البيروقراطي.

أمّا في الداخل، فقد حافظ البدو على تشكيلاتهم الاجتماعيّة-السياسية، التي تعطيهم مظهر المجموعات المحاربة، كلّ واحدة منها على رأسها زعيم بدوي شبه مستقلّ. وتعيش هذه المجموعات من تربية الماشية والتنقّل للبحث عن الماء والكلأ والأسواق، وكذلك من نقل بضائع التجّار في الصّحراء ومن غزو المجموعات الضّعيفة. ومع هؤلاء البدو والقرويّين الريفيين في وسطهم وعلى حدود التقاطعات التي تربط بينهم، تشكّلت أيضا مجموعات من نوع آخر، ذات خصائص دينيّة طرقية، من مميّزاتها أنها لا تقوم على الحرب في خلق اللّحمة بين أفرادها وفي ضمان النّفاذ إلى الموارد ومراكمتها، ومن ثمّ فهي تخضع سياسيًّا إلى زعامة تتوافق تمامًا مع مقتضيات هذا النموذج، يمثّلها شيخٌ طُرقي يعتمد في عمله على ما يعرف في البلاد المغاربية بالزّاوية (مكان للتعبّد وفضاء اجتماعي يشمل جميع أبعاد الحياة الإنسانية، من الضّيافة إلى السّياسة). وفي التّجربة الليبيّة مثّلت السنوسية تاريخيًّا أخلص صورة لهذا النّموذج الدّيني السياسي.

بيد أنّ هذا التوصيف لا يصبح ذا دلالة مفيدة للمحلّل إلاّ إذا تطرّقنا إلى المستوى السّياسي الصّرف لهذه النّماذج الثلاثة. والعنصر الرئيس هنا هو ظاهرة الزّعامة السياسيّة التي تقوم عليها هذه المجموعات.

لا نستطيع في هذا الحيّز الضيّق من الكتابة أن نناقش القضيّة في أبعادها النظريّة كافّة. لكن الملاحظات التالية ستكون مفيدةً في فهم العناصر الأساسيّة للظّاهرة. فما نقصده من قيام كافّة هذه النّماذج من المجموعات السياسيّة المختلفة على قاعدة الزّعامة هو: أنّنا سواء كنّا في الإطار البدوي المحارب، أو في الإطار الدّيني الطرقي، أو في الإطار العسكري البيروقراطي الحضري، فإنّ نقطة الالتحام التي تتقاطع عندها مجمل القوى التي تتشكّل منها هذه المجموعات السّياسية هي الزعيم.

وعلينا أن ننتبه إلى أنّ الزّعامة هنا تختلف عمّا هي عليه في المجتمعات البيروقراطية الحديثة، كما هي الحال الآن في الولايات المتّحدة الأمريكية على سبيل المثال، حيث يشكّل أحيانا رؤساء الشّركات ورؤساء الأحزاب وحتّى مدراء المؤسّسات التعليمية زعماء وقتيّين للوحدات الاجتماعيّة البيروقراطية التي يقودونها. فالزّعامة التي نتحدّث عنها في شأن ليبيا تقوم أساسًا على دمج القائد السّياسي لعناصر الكاريزما والعنف -الرمزي أو المادي- والثّروة في محيط تلعب فيه قيم القرابة والمعتقد الديني أهميةً كبيرة.

أمّا على المستوى الإجرائي فإنّ المجموعة السياسيّة التي يكون الزعيم على رأسها تتشكّل في العادة من نواةٍ أولى هي العائلة الموسّعة وجملة من الأحلاف-الأقرباء، وعدد من الأتباع المعجبين أو المغلوبين أو الزّبائن الذين يخدمون سيّدهم ويعيشون من فضل نعمه، وفي الحالات القصوى أحلاف مستقلّون هم في حدّ ذاتهم زعماء محليون لا يقبلون بزعامة أحد عليهم إلاّ في ظروف محدّدة وبشروط خاصّة.

وتختلف هذه المجموعات في الشكل والقوّة بحسب مواصفات الزعيم وطبيعة موارده. ففي حالة الزعيم البدوي المحارب على سبيل المثال، تنشط كاريزما المقاتل الشّجاع أو السياسي الدّاهية ضمن إطار ثقافي يعتمد القرابة في شدّ اللحمة الداخلية والغلبة (عن طريق غزو الضعفاء) أو التّحالف المشروط في إرساء العلاقات الخارجيّة.

أمّا في حالة الزعيم الطرقي، فإنّ الرابطة الطرقية السلمية تلعب دورًا مهمًّا في إعطاء المجموعة شكلها وقوّتها، بينما تمنح الموارد الماديّة للزعيم الحضري الممسك بالدولة، وقوّته العسكرية، والتنظيم شبه البيروقراطي لسلطته، وعلاقته بالمؤسّسات الدّينية الرسمية وبالمحيط الدولي الخارجي، قوّة تسمح له بتشكيل مجموعته السياسية وإدارتها بطريقة مختلفة عن النموذجين الأوّلين وتتّسم بصفة المركزية. وفي كلّ هذه الحالات يصبح الزعيم؛ بسبب الكاريزما التي يتمتّع بها -على الأقلّ في محيطه المباشر- وموارده التي تسمح له بتوزيع النّعم، وقدرته على ممارسة العنف المادّي أو الرّمزي؛ نقطة التّقاطع التي تلتقي عندها جميع القوى الملتفّة حوله، ممّا يسمح له بالعمل على تأبيد مركزه، وتوجيه مصالح مجموعته بما يتوافق دومًا مع مصالحه الخاصّة أو العائليّة.

دولة الاستقلال

ماذا حدث تاريخيًّا لهذه البنية كي تنشأ في ليبيا في منتصف القرن الماضي دولة مستقلّة على رأسها ملك وينظّم عملها دستور ولو بطريقة شكليّة؟ وما علاقةُ ذلك بما يحدث اليوم في هذا البلد؟

أهمّ ما حدث في ليبيا سياسيًّا خلال النّصف الثاني من القرن التّاسع عشر والثّلث الأوّل من القرن العشرين هو تغيير شروط الفعل السياسي وأدواته، بطريقة قضت على تنوّع واستقلالية الديناميكيات المحلية التقليدية لصناعة الزعامة، وجعلت هذه الأخيرة حكرًا على من يمسك بالدولة المركزيّة. وقد كان هذا شأن النّظام الملكي الليبي الذي نشأ مع الدولة المستقلّة، وشأن النّظام الجماهيري الذي أصبح معمر القذافي زعيمه الأوحد منذ سنة 1969.

خلال النّصف الثاني من القرن التاسع عشر، قضى الأتراك بعد عودتهم إلى ليبيا على النموذج البدوي المحارب، وبذلك توقّف البدو عن إنتاج الزّعماء، و عن تنظيم التّحالفات الكبرى تحت راية زعمائهم المشهورين للتّفاوض على تقاسم النّفوذ مع باشا طرابلس في المناطق الداخليّة البعيدة. وفي بداية القرن العشرين أكمل الإيطاليّون تجريد السكّان من السّلاح، وفكّكوا النظام الاقتصادي للبدو، ذلك الذي يقوم على التنقّل في الفضاء وتربية الماشية والغزو، وأجروْا تحوّلات راديكالية على المدن جعلتها شيئًا فشيئًا تتحوّل ديمغرافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا إلى مراكزَ للقوّة الحقيقيّة في البلاد.

وفي مقابل ذلك تطوّرت في المناطق الشرقيّة من ليبيا -بداية من 1840- المجموعة السياسيّة الطرقية الفذّة التي أسّسها وتزعّمها الشّيخ الصوفي الشهير محمد بن علي السّنوسي، وعرفت باسم الإخوان السنوسيّين. وقبل مجيء الإيطاليّين إلى البلاد سنة 1911 استفاد هؤلاء من تغاضي الدولة العثمانيّة عنهم خدمةً لمصالحها في ذلك الوقت، وتحوّلوا إلى ما يشبه الدّولة داخل الدولة على المستوى التّنظيمي والمالي والحربي، وهو ما مكّنهم عندما خسر العثمانيّون معركتهم مع الإيطاليّين وانسحبوا من البلاد سنة 1912، من الاضطلاع بمهمّة تنظيم الحياة الاجتماعيّة في برقة والقيام بمهمّة التصدّي للمحتلّين.

وبسبب عدم تكافؤ القوى بين الطرفين استطاع الاستعمار الإيطالي في النهاية تفكيك الروابط الموضوعية التي كانت تربط بين الإخوان السنوسيّين (الزوايا والأوقاف)، ودمّروا أسس الاقتصاد البدوي الذي كان ينظّم حياة أتباع الزعيم السنوسي، وطردوا هذا الأخير ومن تبقَّى من أعضاء قيادته إلى خارج البلاد.

وموازاة مع هذين المسارين، قضى العثمانيّون سنة 1835 على الزّعامة العسكرية البيروقراطية المحلية في طرابلس بعدما عادوا إليها، وسمّوا على رأس البلاد واليًا خاضعًا في كلّ ما يفعله إلى إدارة الباب العالي في إسطنبول، واضعين بذلك حدًّا لأيّ ديناميكية سياسيّة داخلية من شأنها أن تنتج زعامة محلية حضريّة من النّوع الذي قضوْا عليه. وبعد ذلك عمّق الإيطاليون إبّان حكمهم هذا الوضع من خلال حلّ كلّ مؤسّسات الحكم العثمانية التي وجدوها في البلاد واحتكروا السّلطة وحدهم.

ما الذي تولّد عن هذا الوضع؟

بعدما بسطت إيطاليا نفوذها على البلاد، كانت السّاحة السياسيّة الليبيّة الداخليّة قد فرغت من كلّ قياداتها الفاعلة، ولم يبق في الدّاخل إلاّ بعض الإداريّين القدامى والمثقّفين الذين لم يجدوا أمامهم أيّ فرصة للنّشاط سياسيًّا في ظلّ الحكم الإيطالي الفاشي، وكذلك بعض الأعيان الذين تحالفوا مع الإيطاليّين نظير الحفاظ على مصالحهم الخاصّة. ولم يتغيّر هذا الوضع إلاّ بعد رحيل المحتلّين إثر هزيمتهم خلال الحرب العالمية الثانية في الشّمال والجنوب من طرف القوّات البريطانية والفرنسية، مسنودة من بعض الليبيّين الذين انتظموا على عجل في كتائبَ قتاليّة تحت قيادة من تبقّى من السنوسيّين القدامى والجيش البريطاني.

من الناحية التاريخية تشكّلت الحركة الوطنية الليبية على أساس هذه التّركة العثمانية-الإيطالية المميزة: تفكّك كلّ عناصر الديناميكيات المحلية المنتجة للزّعامات البدويّة المحاربة والدينيّة الطرقية والعسكريّة البيروقراطية الحضرية، دون نشأة أطر سياسيّة جديدة تتجمّع فيها القوى الاجتماعية التي بعثر الاستعمار قواعدها التقليديّة. وحتى الليبيون الذين واصلوا معركتهم خارج البلاد في مصر والشام وتونس دون كلل، لم يرتقوا في عملهم إلى مستوى التنظيمات القويّة الحديثة ذات التأثير الحاسم في الداخل. ولذلك فإنّ الأحزاب التي نشأت في البلاد، بعد الحرب العالمية الثانية وفي إطار الحركة الوطنيّة الليبية الجديدة، تزعّمها سياسيون لم يتمرّسوا طويلاً على العمل السّياسي بآليّات العصر الحديث، متمثّلة في الأحزاب والنقابات (كانت الطبقة العمّالية شبه غائبة في ليبيا)، وظلّ الكثير منهم يعمل في إطار عائلي زبوني غير قادر على اختراق المجتمع الليبي على أساس فكرة الانتماء الوطني والحقوق المدنية التي تتخطّى القرابة والجِيرة والطائفة.

وفي المنطقة الطرابلسية فإنّ الحزب الذي توفّرت فيه بعض ملامح الحداثة السياسيّة، رغم الحيّز الزمني الضيّق الذي نشط فيه (تأسّس سنة 1950، أي سنة واحدة قبل الاستقلال)، وهو حزب “المؤتمر الوطني الطرابلسي” (ونلاحظ ارتباطه الإقليمي بالمنطقة الغربية للبلاد) بقيادة بشير السعداوي، فقد خسر الانتخابات النيابية الأولى في البلاد تمامًا بسبب خصائصه هذه وعدائه للقوى من خارجه. أمّا في برقة، فإنّ الإخوان السنوسيين قد أسّسوا سنة 1948، أي قبل الاستقلال بثلاث سنوات فقط؛ بقيادة إدريس السنوسي، الشّيخ الأعلى حتى ذلك الوقت للطرّيقة السنوسية تنظيمًا سياسيًّا أطلقوا عليه اسم “المؤتمر الوطني البرقاوي” (ونلاحظ أيضًا ارتباطه الإقليمي) مانعين عن غيرهم -وبالتّحديد جماعة نادي عمر المختار الحداثيّين- تشكيل أيّ تنظيم سياسي مستقلّ.

على مثل هذه الهشاشة من الحداثة السياسية نشأت إذنْ الدولة الليبية المستقلّة، وهي في ذلك لا تختلف عن كثير من الدّول العربية. صحيح أنّ الدولة الليبية الجديدة بنيت على أسس بيروقراطية تتضمّن شكليًّا كلّ خصائص الدولة العصرية. وصحيح أيضا أنها قامت على دستور ساعد على وضعه كبار خبراء الأمم المتّحدة في القانون. وصحيح كذلك أنها كوّنت شيئًا فشيئًا نخبة سياسيّة تدير شؤون المؤسّسات العامّة وفق مقتضيات عمل المؤسّسات البيروقراطية.

لكن الدولة الفتيّة التي نشأت في رحاب الأمم المتّحدة، بسبب الظروف الخاصّة التي مرّت بها ليبيا ونخبها السياسيّة، منعت بسرعة على المجتمع المدني كلّ شكل من أشكال التنظيم السّياسي المستقلّ، وهذا في ظلّ ضعف كبير للحركة النقابيّة التي لعبت في تونس ومصر والمغرب دورًا مهمًّا في حماية المعارضين للسّلطة من تغوّل الدولة الجديدة المستبدّة. ومن ثمّ لم يبق إلاّ ملك-زعيم يدير شؤون الدولة بوساطة مجموعة سياسيّة تشكّلت حوله وفق منطق القرابة والزبونية، وتستخدم القدرات القمعيّة غير المسبوقة التي وفّرتها لها الدولة كي تمنع تشكّل زعامات سياسيّة جديدة معارضة لسلطات الملك الواسعة أو تطالب باقتسام الحكم مع مجموعته “الزعامية”.

الانقلاب العسكري سنة 1969 وظهور معمّر القذافي على مسرح الأحداث

خلال شهر أيار/ مايو من سنة 1969 وصل جعفر نميري إلى الحكم في السودان عن طريق انقلاب عسكري. وفهم الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة أنّ هذا الحدث قد تكون له ارتداداتٌ في الجوار، فطلب من سفير تونس في طرابلس آنذاك الطيب السحباني الاتّصال على عجل بالملك إدريس السنوسي وإبلاغه الرسالة التالية: “بلادكم الشّاسعة التي حباها الله بثروات كبيرة تشكو من فراغات ثلاثة: فراغ ديمغرافي وفراغ ثقافي وفراغ سياسي. الفراغ الديمغرافي لا يمكنكم سدّه في المدى المنظور، والفراغ الثقافي يمكنكم التعامل معه ولكن ذلك يتطلّب وقتًا طويلاً نسبيًّا وجهدًا كبيرًا، أمّا الفراغ السياسي فيمكنكم معالجته من خلال التصالح مع النّقابة والكفّ عن التّضييق على المناضلين النقابيّين عندكم، ومنهم سالم شيدة، لأنّ النقابات وُجدت كي يقع التّفاهم معها؛ وتكوين حزام من المؤسّسات الوسيطة بينكم وبين الشّعب، وذلك هو ما سيحمي الثروة التي أعطاها لك الله وبعد ذلك بأربعة شهور فقط حدث الانقلاب الذي أطاح بالملك السنوسي في ليبيا.

إنّ ما يثير في رسالة بورقيبة إلى الملك إدريس ليست قوّة حدس الرجل بقدر ما هي فكرة الفراغ التي تحدّث عنها. والفراغ الثقافي والسياسي الذي تحدّث عنه بورقيبة في ذلك الوقت لا يعني فراغ ليبيا من الثقافة ومن المؤسّسات التقليدية الوسيطة بين النظام الملكي والشعب، إنّما فراغ البلاد من مؤسّسات العمل السياسي الحديثة. ويمكن هنا أن نفهم أنّ ما كان حاضرا في ذهن بورقيبة في تلك اللحظة هو التّجربة العريقة للحزب الدستوري الذي كان يتزعّمه، وعراقة المؤسّسات النقابية الموازية لقوّة الدولة في التجربة التونسية. وهكذا فإنّ ما ينبغي استخلاصه من هذه الملاحظة هو أنّ الانقلاب العسكري الذي حدث في ليبيا سنة 1969إنّما كان بفعل ذلك النّوع من الفراغ.

وبالفعل فإنه حينما وصل القذّافي إلى الحكم لم تكن هناك مؤسّسات مدنيّة مستقلّة يمكن في إطارها تنظيم الفعل السّياسي بشكل حديث، ولم يكن الملك يختار وزراءه من بين أعضاء أحزاب نالت ثقة المواطنين أو حتى من حزب قويّ يصوغ تطلّعات جزء هامٍ من الشّعب. وفي المقابل كانت طفرة البترول قد وفّرت للبلاد فائضًا ماليًّا ضخمًا ساهم توزيعه في تخلّي الليبيّين عن سائر أنشطتهم التقليدية الرّعوية والفلاحيّة والحرفيّة، وحوّلهم إلى موظّفين أو عاملين عند الدولة يعيشون من المرتّبات والإعانات التي تمنحها لهم. وبما أن البترول قد وفّر لهذا البلد عوائدَ ماليّة غير مسبوقة في عهد الملك السنوسي، بدأت تُصرف في التّعمير والإنشاء، فإنّ الوظائف الوزارية والإدارية العليا أعطت لأصحابها، الذين هم في الأغلب أقرباء الملك وزبائنه وأحلافه، فرصة إعادة إنتاج هذه العلاقات نفسها مع الأوساط الاجتماعية التي ينحدرون منها، مستخدمين نفوذهم في محاباة ذويهم وأصحابهم

وهكذا، فإنه في الوقت الذي كان فيه كل شيء في المدن والقرى يتحرك بفعل أشغال التهيئة العمرانية، كانت النخبة السياسية الليبية تحتكر بطرق شتى الموارد والنّعم التي يمنحها الملك، وكان الليبيون الذين لا يملكون من المواصفات الاجتماعية ما يسمح لهم بالوصول إلى تلك الموارد، دون سلوك طريق الفُتات وفقدان الكرامة، غير راضين عن الوضع.

لقد كانت تلك اللحظة السوسيولوجية التي وصل فيها معمّر القذّافي إلى السلطة. ومنذ الأسابيع الأولى لحكمه فوجئ العسكري عديم التجربة بمقتضيات الفعل السّياسي العلني بذلك الفراغ الذي تحدّث عنه بورقيبة. فكان من جملة ما بادر به مجلس قيادة الثّورة الذي أنشأه القذّافي -إلى جانب تأميم شركات التأمين والبترول والبنوك وإغلاق القواعد العسكرية الأجنبيّة في البلاد- أنْ أسّس حزبًا جديدًا سمّاه “الاتّحاد الاشتراكي العربي”، محاكاةً لما فعله عبد الناصر في مصر، وكان يأمل أن يساعده في مقاومة ما كان يسمّيه الرّجعية، أي مجموعة أقرباء الملك المخلوع وزبائنه وأحلافه، وأن يصنع له شرعية سياسية خاصّة على أساس مقاومة الاستعمار ونصرة الحقّ العربي والثورة على بقايا النّظام الذي أطاح به.

الزعامة والجماهير واللجان الثورية

لم تنشأ زعامة معمّر القذّافي بعدما استولى على السّلطة، بل العكس هي ما مكّنه من ذلك، لكن أجهزة الدولة الحديثة، ومواردها غير المسبوقة، قد ساعدته على الاحتفاظ بتلك الزّعامة وجعلها في صلب مؤسّسات الدولة التي أعاد بناءها على المقاس. بطبيعة الحال، لابدّ من الانتباه هنا إلى أنّ قسمًا كبيرًا من بيوغرافيا معمّر القذّافي التي كُتبت بعد 1969 (ربما لم يكن لكتابتها أيّ معنى قبل هذا التاريخ) قد صُمّم من أجل تأكيد تلك الزعامة في حدّ ذاتها. لكن ما سجّلته ميريلا بيانكو سنة 1973، من خلال عدّة حوارات أجْرتها مع زملاء القذّافي من أعضاء مجلس قيادة الثورة وغيرهم ممَّن عرفوه واشتغلوا معه، تؤكّد كلّها -رغم أنّ المستجوبين كانوا في تلك اللحظة يتحدّثون عن زعيمهم- على شيء واحد وهو أنّ القذّافي كان “شخصية مُبادرة”، بما يعني أنّه شجاع وذكيّ ويتحمّل مسؤوليّة فعله، ممّا يجعل الذين يجرّهم خلفه بحركته ونشاطه يثقون به ويلتفّون حوله ويعتبرونه شخصًا استثنائيًّا. وقد عبّر عن ذلك بدقّة محمد الزوي الذي استجوبته ميريلا بيانكو بشأن القذّافي، حينما قال: “إنّ القذّافي شخص من التفرّد والاختلاف عن جميع أنماط الأشخاص الذين يمكن أن نقابلهم بشكل عادي في الحياة ما يجعلني أحيانا، أنا الذي عرفته عن قرب، أقرّ بأنني غير قادر على النّفاذ إلى كنهه وبالفعل فقد كان القذّافي هو الشخصيّة المحوريّة التي التفّ حولها الشّقّان المدني والعسكري للمجموعة السياسية السّرية الصّغيرة التي نفّذت انقلاب 1969.

لكن هذه الخصائص الشخصية لم تكن حكرًا على القذّافي، فجميع الزّعماء السّياسيّين في العالم -وحتى المدنيّون منهم في الاقتصاد والإدارة يتمتّعون عادةً بهذه الخصال. ولذلك فإنّنا لا نستطيع فهْم الطريق التي سار فيها القذافي وكلّ أعضاء المجموعة النّواة التي شكّلها (وهي تشبه سوسيولوجيا؛ من ناحية انتمائها إلى جهات وأوساط اجتماعيّة مختلفة؛ المجموعة النّواة التي شكّلها الشّيخ محمد بن علي السنوسي في القرن التاسع عشر، وتولّدت عنها مجموعة الإخوان السنوسيّين)، إلاّ إذا وضعنا مثل هذه الشّخصية النموذجية في إطار الإرث الثّقافي والسّياسي والاجتماعي الذي اشتغل فيه كلّ الزّعماء الليبيّين الذين سبقوه. والعنصر الأساسي في هذا الإرث التاريخي هو أنّ الزعيم لابدّ وأن يحكم وأن يحتفظ بالحكم ويملك الموارد والنعم ويوزّعها ويقهر (ماديا أو رمزيا)، سواء كان ذلك بأدوات المجموعة البدويّة المحاربة، أو بأدوات المجموعة الطرقيّة الدينية، أو بأدوات المجموعة العسكريّة البيروقراطيّة، وفيما بعد بأدوات الدّولة العصرية، وذلك رغم عدم تكافؤ القوى بين هذه النماذج.

لقد تقاطع الضّعف الكبير الذي وجد عليه القذّافي الحياة السياسيّة الحديثة في البلاد مع طموحاته الشخصيّة، ومع الإرث الثقافي الزّعامي الذي تشبّع به بشأن الكيفيّة التي يُنظّم بها الفعل السياسي، ليجعل من خيار الاحتفاظ بالسّلطة خياره الاستراتيجي الأوحد، وهو ما يتناقض تمامًا مع أيديولوجيا الأحزاب والنّقابات والمؤسّسات المدنيّة الحديثة.

وبمجرّد أن ظهر للقذافي -وهو القيادي البارز من بين أعضاء “مجلس قيادة الثورة”- أنّ حزب “الاتحاد الاشتراكي العربي” لا يمثّل الآليّة المواتية للفعل السّياسي الزّعامي، بالضّمانات والمواصفات التي ينشدها، أعلن حلّ ذلك الحزب، ومنع كافّة أشكال التنظيم السّياسي الممكنة، ونادى بزحف الجماهير على السّلطة تحت شعار “السّلطة للشعب”، وفتح الباب لمن كانوا خارج شبكات القرابة والزبونية التي أرستْها المجموعة الزعامية الملكية المنهارة -خاصّةً الريفيّين منهم- كي ينخرطوا في الفعل السياسي تحت شعار “الخيمة تنتصر على القصر”.

ومن بين هذه الجماهير التي أصبح الملهم المُخلِّص من العبودية الاجتماعية (شعار: “السود سيسودون”)، ومن الهامشية السياسية (شعار: “السلطة للجماهير”)، شكَّل الزعيم الصاعد، اعتمادًا على الوسائل التي منحها إيّاه الريع النّفطي، مجموعة سياسية قرابية زبونية جديدة سمّاها اللّجان الثورية، و”انتخب” أعضاءها الموثوق بهم من بين أولئك الذين لم يكن لهم “أصحاب” متنفّذون في السّلطة القديمة. وشيئًا فشيئًا بدأ القذّافي يملأ ذلك الفراغ الحداثي الذي تحدّث عنه بورقيبة بمجموعة زعاميّة جديدة، مواصفاتها الاجتماعية حديثة (أفرزتها التحوّلات التي أحدثتها دولة الاستقلال والطفرة البترولية الأولى)، وآليّات بنائها واشتغالها زعامية تقليدية، تنبذ الالتزام بالدّساتير المكتوبة ولا تقبل بتأطير النّشاط السياسي داخل مؤسّسات بيروقراطية.

وخلال فترة زمنية طويلة نسبيًّا، تخلّص الزعيم – كما تقتضي مبادئ احتكار الزّعامة- من معظم “الرّفاق” القدامى في “مجلس قيادة الثورة”، واستغلّ منصبه السياسي كي يعيد اختراع ليبيا جديدة على مقاس طموحاته الخاصّة، ووفق تصوّراته لما ينبغي أن يكون عليه العمل السّياسي، وبحسب فهْمه لخصائص المجتمع الليبي. والأداة الحاسمة التي استخدمها القذافي هي التحكّم في إعادة توزيع الثروة في اتجاه لا يترك أيّ فرصة للاقتصاد كي يولد نسيجًا اجتماعيًّا، تنبت على أرضه قوّة سياسية معارضة. ومن ثمّ، لم يبق أمام الطّامعين في الموارد والجاه إلاّ نعم الزّعيم وسلطته. وفي هذه الأثناء، وطَّد القذافي دعائم سلطته عن طريق اللّجان الثورية التي انبثق أعضاؤها من وسط “الجماهير الشعبيّة” في كلّ مكان، وعلى أنقاض المتنفّذين القدامى في القرى والبوادي والمدن، إلاّ من التحق بالرّكب في الوقت المناسب، فظهرت الجماهيريّة العربية الليبيّة الشعبيّة الاشتراكيّة العظمى على مسرح الأحداث العالمية تحت صورة معمّر القذّافي الكاريزمية وشخصيّته المشاغبة.

نهاية الدولة الزعامية؟

إنّ ما كان يثير المحلّلين والمراقبين للوضع في ليبيا خلال الأربعين سنة الماضية هو الاضطراب المستمرّ للحياة السياسيّة في البلاد. ويحيل بعض المحلّلين تلك الظاهرة إلى شخصيّة معمّر القذّافي نفسه التي تكره الروتين وتحبّ الأضواء وصخب النّشاط السياسي الممسرح وهذا صحيح إلى حدٍّ ما. ولعلّ جاه السّلطة ونعمها، والتعوّد سنين طويلة على القيادة واعتباراتها، قد ضخّم كثيرا من هذا الجانب في شخصية الرجل، لكن الأسس السوسيولوجية والأنثروبولوجية لهذه الظاهرة تكمن في رأينا في مكان آخر. ذلك أنّ النظام الزعامي (كما قدّمنا مواصفاته في غير هذا المكان يشكو من علّة هي في حدّ ذاتها جزء من كينونته السياسية. ففي غياب نظام من القوانين -أو من القيم التي لها قوّة القانون- تساعد على نقْل السلطة بين الأجيال بطريقة سلمية، كما هي الحال مثلا بالنسبة إلى المشيخة الكبرى لدى بعض الطرق الصوفية أو في النظم الملكية الدستورية الحديثة؛ يعجز النظام الزعامي عن ضمان استمراريّة مؤسّسات الحكم من جيل إلى جيل دون اللّجوء إلى العنف المادّي أو إلى التحايُل على القوانين. بل إنّ النظام الزعامي في أخلص مظاهره، كما يمثّله معمّر القذّافي، يكره حتى وجود قانون ينظّم علاقة الحكم بينه وبين من يحكمهم. وبما أنّ النظام الذي أرساه القذّافي يغلق الباب بشكل محكم أمام التّداول السّلمي على السلطة، فإنّ المكانة السياسية التي يحتلّها على رأس هذا النظام كانت دائمًا محطّ طمع أعدائه الطموحين غير المعلنين. كما أنّ أقرب المراتب من الزعيم كانت دائمًا موضوع صراع بين أتباعه، بين أبنائه أوّلاً، ثم بين أعضاء اللجان الثورية الذين يعتمد عليهم في المحافظة على شروط احتكار إنتاج زعامته. وهذا هو المحور الحقيقي للتوتّر المستمر في الحقل السّياسي الليبي، إذ أنّ الزعيم مضطرٌّ باستمرار إلى إعادة ترتيب المواقع والروابط التي تحدّد نصيب كلّ طرف من موارد دولته ونعمها بحسب السّياق الداخلي والمخاطر الخارجيّة.

تنتشر اللّجان الثوريّة في ليبيا في كلّ مكان تقريبا (شعار: “اللجان في كل مكان”). وهي ليست حزبا يمكن للأصول الاجتماعية لمنتسبيه أو لأيديولوجيتهم أن تضع قيودًا ولو أخلاقيّة أمام حرية الانتماء إليه. وأعضاؤها غير مقيّدين في نشاطهم -القاعدي على الأقلّ- بنظام بيروقراطي يفرض على المنتمي إليه التدرّج في مراتب القيادة على قاعدة قدرته على الإشعاع السّياسي بين أعضاء التنظيم، واعتمادًا على الانتخابات الداخلية. إنها إطار تنظيمي يشبه الرّداء غير المفصّل الذي يمكن له أن يتلبّس بكلّ وسط اجتماعي دون التأثّر بتقاطعاته العموديّة والأفقية. وبما أنه كذلك، فهو قادر على الاشتغال سياسيًّا على كلّ تفاصيل علاقات القرابة والجيرة والصّحبة والمصلحة التي تربط بين الناس.

وهكذا أصبح كلّ مكوّن اجتماعي أو جغرافي أو ثقافي من مكوّنات المجتمع الليبي مخترقًا من طرف اللجان الثورية. وفي تقاطع معها، أسّس القذافي -الذي يعتبر القبيلة رداءً اجتماعيا وظيفيًّا- ما سمّاه المجالس القبلية، وهي إطار تتمّ من خلاله مراقبة العلاقات الداخلية التي تربط بين المجموعات القبلية في كلّ مكان، وتطويعها لمصلحة النّظام السياسي السّائد. لكن تجربة القذافي الطويلة في الحكم بيّنت له أنه مهْما طوّر من أساليب المراقبة السياسية، فإنّ المجتمع قادرٌ دائما على ابتكار أساليب الإفلات من تلك المراقبة. ولسدّ مثل هذه الفجوات أسّس في منتصف التسعينيات تنظيمًا آخر يتقاطع مع “اللجان الشعبيّة” و”المجالس القبلية” ولكنه يختلف عنهما أيضًا سمّاه “القيادات الشعبية”، وهو موجّه تحديدًا إلى مراقبة الأحياء الشعبيّة في المدن. وفوق كلّ هذا الأطر وتحتها وبينها، شكّل القذافي منظوماتٍ أمنيّةً خاصّة تراقب الجميع ويراقب بعضها البعض، كما سمح لأبنائه بتكوين كتائبَ عسكرية جيّدة التّسليح لحماية النظام عند الحاجة الماسّة، دون الاعتماد على الجيش النّظامي.

وهكذا أصبح بإمكان معمّر القذافي أن يتربّع على قمّة تنظيم قرابي زبوني أمني لمجموعة زعامية فذّة، أمّنت لنفسها موارد الدولة، ومنعت بالقوّة والسياسة تبلور أيّ ديناميكية مستقلّة منتجة لزعامة غير زعامة قائدها الأوحد. وبما أنّ اللّجان الثورية لا تحكم بل تحرّض على الثورة المستمرّة وعلى حكم الشّعب لنفسه دون وسطاء، فإنّ زعيمها لم يحصر نفسه في أيّ وظيفة سياسية دقيقة توجب المحاسبة أو المساءلة. فهو مثل الملك الدستوري غير مسؤول عن سياسة حكومته، ومنصبه الثوري خارج عن كلّ منافسة مثلما هي حال شيخ الطريقة.

لكن ليبيا 2011 لم تعد ليبيا 1969، فخلال هذه السّنين الطويلة أصبح معظم الليبيّين يسكنون المناطق الحضرية ومرتبطين بشبكات الماء والكهرباء والهاتف. كما أنّ زيادة الدّخل الفردي للسكان أعطت للكثير منهم فرصة السّفر والاطّلاع بشكل مباشر على ما يجري في العالم الخارجي على المستوى التّنموي والثقافي، بينما وفّرت لهم وسائل الإعلام الحديثة فرصة المقارنة السياسية بين ما يجري في بلادهم وبقيّة العالم.

على مستوى آخر، بدأت المعاهد الثانوية والجامعات تفرغ في سوق العمل الليبية أعدادًا كبيرة من طالبي الشغل، لم يهيَّؤوا مهنيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا لأخذ مكان الأجانب في الأعمال الحرفيّة الصناعيّة والخدميّة، أو لتعويض هؤلاء في قطاعات البناء والفلاحة وغيرهما، فاستقرّوا على البطالة عالةً على عائلاتهم وغير قادرين على تأسيس عائلات خاصّة. وفي مقابل ذلك نشأت نخبةٌ من جيل جديد محظوظ سياسيًّا واقتصاديًّا، هو جيل أبناء اللّجان الثورية ومختلف التنظيمات الأمنيّة -الدّرع الواقية للنّظام- الذين تمرّس آباؤهم في استخدام روابط القرابة والزبونية لشقّ الطّرق نحو موارد الدّولة ونعمها وسلطاتها. وقد جعلتهم مواصفاتهم هذه موضوع تنافس بين أتباع الزّعيم المحيطين به، ومنهم بالتّحديد أبناء العقيد.

ولكن في هذا الوقت أيضًا بدأ الأفق الاجتماعي يزداد انسدادا أمام كلّ من لم يغنم شيئًا مُرضيًا من موارد البترول الطّائلة، تلك التي يعِد بها القذّافي شعبه في بداية كلّ سنة ثورية جديدة بمناسبة المؤتمرات العامّة للّجان الثورية. وبدأت وطأة الاستبداد السّياسي تجد تعبيراتها المضادّة والمختلفة، تارةً في التنظيمات السياسيّة الدينية السرّية التي يقتلها النّظام تقتيلا (حادثة سجن أبو سليم في طرابلس على سبيل المثال)، وتارةً في الانقلابات العسكرية الفاشلة التي اتّعظ منها الزّعيم فأضعف جيشه إلى الحدّ الأدنى من القوّة، وتارةً في تشكيل جبهات معارضة في الخارج سرعان ما يلصق بها القذافي تهمة الخيانة والاستقواء بالخارج. ورغم أنّ النّظام صمد في وجه كلّ هذه المحاولات، إلاّ أنها شكّلت إيذانا بدخوله في أزمة حقيقيّة، خاصّةً عندما صارت مطالب الدّيمقراطية أكثر إلحاحًا على الأنظمة السياسيّة المجاورة، ثم انفجرت الثورات الشبابيّة من حوله في تونس ومصر. ورغم ذلك فإنّ سؤال الحداثة السياسية الذي سيبقى مطروحًا في ليبيا هو: إذا كان القذافي قد منع الليبيّين من التدرّب على ممارسة الفعل السياسي بأدوات العصر الحديث فهل سيعيدون التأسيس لدولة زعامية جديدة من بعده؟

آفاق مستقبلية

يعكف المحلّلون عادةً، عندما يقيّمون أداء نظام سياسي يحتضر، على النّبش في الفرص السياسيّة التي أُتيحت له كي يتفادى السّقوط وأضاعها لسبب أو لآخر. وفي حالة القذافي، كانت فرصة التّوافق على تسليم السّلطة لابنه سيف الإسلام، واعتماد دستور يسمح بالتداول المستقبلي على السلطة، محطّ الأنظار وموضوع الكثير من التحاليل. لكن الفرصة ضاعت رغم أنّ مخاطر السقوط كانت تدقّ باب النظام بقوّة، وهو ما أثار دهشة الكثير. والحقيقة أنّ الثقافة السياسيّة والبنية السيكولوجية للزعماء تلعب دورًا لا يجب أن يستهان به في إنجاح مثل هذه المسارات السياسية أو إفشالها، لكن الحالة الليبية جدّ مميزة، فالقذافي وصل إلى السلطة وعمره أقلّ من ثلاثين سنة، ولكي يستمرّ في منصبه قضى أكثر من أربعين سنة يشيِّد نظامًا سياسيًّا خاصًّا يقوم على مبدأ فرض الزّعامة على الآخرين، وحشد كلّ آليّات إعادة إنتاج الأتباع، مستخدمًا في ذلك ثقافة تقليدية تفرزها روابط القرابة والزبونية والعنف، وهذا بدوره جعله إلى حدٍّ ما سجينَ مقتضيات التوازنات الداخليّة لأولئك الأتباع.

وبما أنّ مبدأ فرض الزعامة لا تقيّده قيم ولا قوانين ولا أعراف، إذ القيادة لمن يتزعّم القوم باقتدار، وأنّ الأتباع يشكّلون دائمًا مجموعات زبونية تلتفّ حول أفراد الحلقات الأقرب من الزّعيم (وهؤلاء عادةً ما يكونون في مثل هذا النّوع من النظم الأبناء والأصهار والقلّة من الأصحاب الموثوق بهم)، فإنّ من العوائق الإضافيّة التي لم يجد لها القذافي حلاًّ في الوقت المناسب هو أنّ مبدأ الزعامة كان يعطي نظريًّا لأبنائه الكثر نفس الحظوظ في خلافة والدهم. ووفقًا لهذا المبدأ فإنّ ما يكون قد عطّل تسليم السّلطة لسيف الإسلام هو بالضّبط صراع الأبناء على الزعامة في ظرفٍ يرفض فيه القذافي نفسه -وهذا من سوء حظّ ليبيا أيضًا- التخلّي عنها.

من خلال هذه المواصفات السوسيولوجية والأنثروبولوجية لنظام الدولة السائد في ليبيا، وللتّجربة التاريخيّة لمختلف الفاعلين السياسيّين في هذا البلد، بات واضحًا اليوم كيف جرّ معمر القذافي الثوّار إلى ميدان الحرب، حيث لم يكن بينه وبينهم أيّ إطار تنظيمي مستقلّ يؤطّر العمل السياسي ويفسح المجال للفعل والتّفاوض السلمي الإيجابي. كما تفسّر خصائص النظام الليبي المذكورة كيف استطاع القذافي حتّى الآن أنْ يقاوم الثائرين في أغلب مناطق ليبيا ملوّحًا في وجوههم بما تبقّى من عناصر مجموعته السياسيّة الفذّة. إنّ نظام القذافي لن يستمرّ في البقاء طويلاً، لأنه خسر كامل شرعيّته الأخلاقيّة، وإنه ربّما يسير إلى نهاية دراميّة لا يسمح بها النموذج السياسي لنظامه. غير أنّ ما تشكو منه الثورة الليبية حتى الآن هو في رأينا غياب المثقّفين الليبيين الحداثيّين عنها، وهو ما جعل أغلب المتحدّثين اليوم باسمها يستخدمون مفردات “القبائل” و”العروش” و”الأقارب” التي يعتمدها النظام الاستبدادي في التّضليل ضدّ الثورة، فمتى كانت الثقافة القبليّة منتجة للخطاب والممارسة السياسيّة الحديثة؟ ألمْ يثُر عليها نشطاء نادي عمر المختار منذ أربعينيات القرن الماضي؟ ألم ينتقدْها بشدّة بعض أعضاء الحزب الوطني في طرابلس أيّام بشير السعداوي، لأنها لا تستجيب لطموحاتهم؟ ألم يرفعْ أبطال مجلة “لا” الفيتو في وجهها قبل أن يسكتهم نظام معمر القذافي؟ وأخيرًا فإنّ أهم رسالة توجّه للثورة في ليبيا اليوم هي: يا سياسيي ليبيا ومثقّفيها، قدّموا لشعبكم بديلاً ثقافيًّا سياسيًّا حديثًا!

—————————

  • [*] كان إدريس السنوسي قد تحوّل قبل ذلك إلى أمير لبرقة وفق اتّفاق بينه وبين الإيطاليين. و بعد عودته من المنفى أسس “الجبهة الوطنية البرقاوية”، قبل أن يبدلها بـ”المؤتمر الوطني البرقاوي”. لكنه لم يتخلّ روحيا عن قيادة الطريقة السنوسية.
  • [1]

شهادة محمد الصياح مدير الحزب الاشتراكي الدستوري في عهد بورقيبة الذي حضر اللقاء بين بورقيبة والسفير التونسي في ليبيا. (قيد النشر).

  • [2] راجع في هذا الشأن: الصيد محمد عثمان، محطات من تاريخ ليبيا (مذكرات)، (الرباط: 1996)، ص285- 286.
  • [3] Mirella Bianco, Kadhafi, messager du désert, biographie et entretiens, (Paris : Stock, 1974), p. 58-61
  • [4] مقابلة مع عالم النفس الأمريكي جيرولد بوست، بتاريخ 24 /05/ 2010، ونشرت تحت عنوان: “الأكيد أن القذافي ليس مجنونا” http://www.aeud.fr/Jerrold-Post-Kadhafi-n-est.html
  • [5] المولدي الأحمر، الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا، الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2009).

 

 

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *