Skip to content
تناقضات العولمة

بقلم – د. هشام فخر الدين:

لا شك أن هناك حقيقة مؤكدة لا تدع مجالا للشك ألا وهى انتقال العالم إلى مرحلة جديدة من العولمة الرأسمالية في الفترة ما بين ١٩٨٩-١٩٩٢ وذلك عقب انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك النظام الاشتراكي الدولي، وإعادة هيكلة العالم وتوحيده مجددا على أساس السوق الرأسمالي العالمي، حيث إنه خلال سنوات معدودة طوي قرن من انقسام العالم إلى شرق وغرب وإلى اشتراكي ورأسمالي، ليعود عالما واحدا منفتحا أمام توسع رأس المال وحركة التجارة، حتى أضحى عالما خاضعا لقوانين السوق بلا منازع.

وقد واجه نظام العولمة المرحلة الحالية نقدا حادا وتحديدا من حركات مناهضة له في شتى بقاع الأرض من شتى الطوائف، وذلك أن تطبيق الليبرالية الجديدة والتحرر الاقتصادي شرطا لمعالجة أزمات عدة، منها أزمة الديون الخارجية وإعادة جدولة الديون الخارجية، والذي تجلى في تقليص دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، فضلا عن طرح القطاع الخاص بديلا للقطاع العام وتصفية القطاع العام الصناعي والإنشائي والخدمي.

بالإضافة إلي تصفية القطاع الصناعي وتقليص الاستثمار العام وإلغاء نظم الحماية الصناعية، ورفع أسعار الوقود والكهرباء وخفض القطاع التعاوني لقوانين السوق ووقف التعيين في الوظائف العامة والفنية والإدارية، مما أدى إلى تعطيل عمليات النمو خاصة الاقتصادي منها، وارتفاع نسبة البطالة مع تفاقم الفجوة بين الأجور والأسعار، وبروز ظاهرة الاحتكار الاقتصادي وتفويض الخدمات الاجتماعية، ولا سيما التعليم والصحة والإسكان.

بحيث أينما طبقت برامج التثبيت المالي والنقدي كمرحلة أولى للإصلاح الاقتصادي الليبرالي الحر، وجد بالضرورة تقليص للموازنة العامة الجارية مع تقليص الموازنة العامة الاستثمارية، وتخفيض سعر الصرف للنقد الوطني وخفض القدرة الشرائية، مع فرض خطط بتجميد الأجور.

فالعولمة الجديدة تحمل بداخلها سمات متناقضة، فتارة تجنح إلى الديمقراطية والمشاركة والشفافية واللامركزية، مع الانسياب الحر للسلع والخدمات، وتارة أخرى تجنح إلى الأوتوقراطية وتحفل بالفساد وتدعمه مع ازدهار العديد من الأنشطة الاقتصادية في إطار القانون، مع اعتمادها في الأساس على المضاربة والمقامرة، مما يجعلها عرضة للانتكاسات المفاجئة في جوهرها والمدمرة في آثارها فنجد الإفلاسات الكبرى وما ينجم عنها من انهيارات مالية وصناعية، وفى نفس الوقت تنشأ في أعقابها ثروات ضخمة يحققها المضاربين والمقامرين.

فضلا عن وجود أنشطة خارجة على القانون تهدد أمن وحياة البشر، وتدمر البيئة، بعضها يستمد أصوله من المرحلة السابقة، والبعض الآخر ازدهر مع العولمة الجديدة المرحلة الحالية. كما تتضمن المرحلة الحالية التهرب الضريبي وتهريب رؤوس الأموال المشروعة والغير مشروعة واستثمارها، والاتجار في المخدرات والبشر وعمليات غسيل الأموال.

ومن هنا جرت عمليات التوسع والتدويل للإمبريالية تاريخيا بدمج كيانات اقتصادية كبرى لتشكيل قاعدة اقتصادية عالمية، فقد تم دمج الاقتصادات والأسواق العربية والإفريقية والآسيوية في الاقتصاد الأوروبي المهيمن، ودمج اقتصادات أمريكا اللاتينية في اقتصادات الولايات المتحدة الأمريكية، ثم اندمجت هذه الاقتصادات باضطراد مقتربة من البعد العالمي ومكتسبة الصفة العالمية منذ أواخر القرن الماضي.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *