Skip to content
«التعليم… حياة»

بقلم ـ د. هشام فخر الدين:

لا شك أن التعليم من الضرورات للمجتمع، فبالعلم ترقى الأمة، إذ يعلي من شأنها، ويجعل مواطنيها أكثر قدرة على تحمل المسئولية والقيادة والإصلاح، لذا تحرص كل دولة على انتهاج نظم تعليمية مناسبة وملائمة لطبيعتها وقدراتها للنهوض والتقدم وإخراج أجيال صالحة وقادرة على القيادة.

ولنا في التجربة السنغافورية في التعليم مثلاً يحتذي به، ففي غضون عقود قليلة، حققت سنغافورة إنجازات هائلة جعلت منها دولة متقدمة، إلا أن الإنجاز الحقيقي الذي حققته هذه الجزيرة الصغيرة هو تطوير نظام تعليمي يعتبر أحدَ أرقى أنظمة التعليم في العالم بلا منازع.، فقد مكنها من تكوين كفاءات وخبرات ساهمت في بناء اقتصاد فاعل، وتعتبر سنغافورة رابع أهم مركز مالي في العالم وتلعب دورا مهما في الاقتصاد العالمي.

حيث أدركت قيادتها أنها لا تملك أية موارد طبيعية تساعدها على تحقيق نموّ اقتصادي، فهي دولة في مدينة واحدة، مع جزر صغيرة جدا من جوانبها، ومن ثم جاء تركيزها على رأس المال الحقيقي الذي تملكه، والذي اعتمدت عليه في تحقيق معجزتها الاقتصادية والمتمثل في الإنسان، حيث تكمن مهمة التربية والتعليم في تكوين وبناء الإنسان السنغافوري، لتجعل منه عنصرا قادرا على المساهمة في تطوير مستقبل بلده.

فقد سعت وزارة التربية والتعليم إلى مساعدة الطلبة على اكتشاف مواهبهم، واستغلال طاقاتهم بأفضل شكل ممكن، والتعلم أكثر، وتحقيق نتائج جيدة، كما تعتمد سنغافورة على نظام تعليمي متقدم، وعلى معاهد متطورة، وأساتذة أكفاء، وتجهيزات وبنية تحتية متطورة، ويوفر التعليم لجميع الطلاب فرصا عديدة ومتنوعة لتنمية قدراتهم ومواهبهم، كما أنه يتميز بالمرونة الكافية التي تمكن الطلبة من توظيف كامل إمكانياتهم.

فقد اهتمت الحكومة السنغافورية أهمية بالغة بالتعليم، باعتباره ركيزة أساسية للتقدم والتفوق، وخصصت له خمس ميزانية الدولة، ففي سنة 2006، بلغت النفقات على التعليم ما يقارب 7 مليار دولار، وفي سنة 2007، وصلت إلى أكثر من 7.5 مليار دولار، أي حوالي 15.2% من ميزانية الحكومة.

وقد لفت النظام التعليمي السنغافوري الأنظارَ، حين نجح الطلاب السنغافوريون في بلوغ مراكز جد متقدمة في مسابقات الرياضيات العالمية، خاصة أنهم فازوا بمسابقة (TIMSS) العالمية للرياضيات والعلوم للأعوام 1995، 1999 و2003، حيث حفزت هذه النتائج دولاً عديدة، منها الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة أسرار تفوق الطلاب السنغافوريين في الرياضيات، للاستفادة من التجربة السنغافورية في التعليم في تصميم المناهج، وتطوير طرق التدريس، وإعداد الأساتذة المتمكنين الذين يسهمون في صقل المواهب وتنمية القدرات.

فبرامج التعليم تهدف إلى إعطاء المتعلمين فرصة تطوير قدراتهم وكفاءاتهم وشخصيتهم وقيمهم، كي يساهموا في تقدم سنغافورة، وخلال السنوات الأخيرة، عملت سنغافورة على جعل نظامها التعليمي أكثر مرونة واستجابة لاختيارات الطلبة، حيث يتمثل الهدف من ذلك في منح الطلبة اختيارات أوسع تتلاءم مع كفاءاتهم وطاقاتهم دون إرغامهم على قبول أشياء متاحة أمامهم كأمر واقع.

فعندما يكونون قادرين على اختيار ماذا وكيف يتعلمون، فإنهم يستطيعون استغلال وتوظيف طاقتهم بأفضل شكل ممكن، فهذا الأسلوبَ في التعليم يساعد على تزويد الطلبة بخبرات متعددة يحتاجون إليها في المستقبل. ويهدف النظام التعليمي بالأساس إلى مساعدة كل طفل على اكتشاف مواهبه، وعلى أن يكبر منذ المدرسة واثقا بنفسه وبقدراته، فضلاً عن مساعدة النشء على تطوير قدراتهم وصقل مواهبهم، في مجال العلوم والفنون والرياضة، وعلى تحقيق أحلامهم والنجاح في حياتهم، حيث يهدف النظام التعليمي كذلك إلى تكوين أجيال من القوى العاملة المدربة والمؤهلة أكاديميا، وتمكين الشباب من الالتحاق بسوق العمل.

وهكذا فالتعليم الصحيح الذي يتناول جميع مناحي الحياة، سيرتقي بها، سيجعلها أجمل وأكثر إشراقًا، وسيمدنا بالقوة اللازمة لمجابهة الأخطار المحدقة بنا والتي تقترب من خطر الانقراض التام، فهذه البقعة من الأرض أصبحت لا تحتمل المزيد، فهي ملتهبة لدرجة الانصهار، وأكثر ما يجعلها متقدة لا تهدأ هو الجهل المسيطر عليها… فلعنا ننتبه.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *