Skip to content
الطلاق العاطفي أول مراحل الانفصال

بقلم – د. هشام فخر الدين:

يظل الزواج هو القالب الأسمى، والعلاقة الأرقى، والميثاق الغليظ، الذي يبرهنُ على ثقةٍ كاملة وتناغم فريد بين طرفي علاقة منشأُها ودستورها السماء، ولا ريب أن تكريم الله للإنسان بلغ بتلك العلاقة شأواً يبرهن على اصطفاء الله للإنسان وتكريمه على كثير ممن خلق، وكما أن الله جعل الزواج من أحب الحلال وأقربه إليه جعل الطلاق أبغض الحلال وجعله الخيار الأخير في علاقة شهد الله أنها «ميثاقاً غليظًا».

وكما أن الرابطة الأسرية التي يخلقها الزواج بما يتضمنه من تطبيقٍ للمعايير والعادات الاجتماعية والالتزام بما يفرضه الدين والمعتقد ويعضده العرف والتقاليد، هي نفسُ الرابطة التي تفرضُ نسقاً من الالتزامات والحقوق المتبادلة لاستمرار الحياة فضلا عن تحقيق التوازن النفسي لأفراد الأسرة غير آبهةٍ بالتنفيذ الحرفي لبعض العادات والأعراف وكأن الزواج يعتبرُ حياةٌ تقومُ على الدين وتنفذه ولا تنفذ من العرف والعادات المجتمعية إلا ما يتفقُ معها ويدعم استـمرارها، ويكونُ الاستغناءُ عن بعض الأعراف والعادات ضرورياً في بعض الحالات إذ أنها كثيراً ما تكونُ سبباً رئيسياً في هدم الكيان الذي يأبى الله أن يهدم وأن تزلزل أركانه ما لشيء إلا لتنفيذ رغبات وعادات ما أنزل الله بها من سلطان، لينعكس هذا التفكك والهدم للصـرح الأسرى سلباً على أفراد الأسرة من كافة النواحي خاصة النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

وبالرغم من أن التنفيذ الأعمى للأعراف القاتلة والعادات البائدة سبباً واضحاً في زيادة معدلات الطلاق في الآونة الأخيرة إلا أن الزيادة في معدلات الطلاق تأثرت بشكل مباشرٍ بالتحولات العالمية على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية المتعاظمة في ظل العولمة، وما نجم عنها من آثار سلبية في شكل وطبيعة الحياة خاصة الأسرية، حيث طغت الماديات وذابت العواطف والمشاعر وأضحى الشعور بالأمن والأمان الأسرى أمرًا مهددًا بالانهيار، وبرؤية تحليلية دقيقة فقد فرضت العولمة نفسها على كل فئات المجتمع خاصة في جانبها الثقافي والاجتماعي، كظاهرة نجمت عن عالم ما بعد الحرب الباردة، مستخدمة العديد من الآليات التي ترسخ قيمها وفكرها والسعي لإيجاد الإنسان العالمي ذي البعد الواحد.

وتأتى آلياتها الإعلامية في المقدمة التي أضحت تمثل المؤسسة التربوية والتعليمية الجديدة التي حلت محل الأسرة والمدرسة، وأصبحت تقوم بدور أساسي وفعال في تلقين النشء والأجيال الجديدة مجموعة القيم السلوكية ذات النزعة الاستهلاكية، والمروجة لمصالح السوق العالمية وأيديولوجيتها عبر ما يمارسه إعلام العولمة من أخطر الأدوار الاجتماعية المتمثلة في إحداث ثورة إدراكية ونفسية، تستهدف إعادة تأهيل البـشر للتكيف مع متطلبات العولمة وشروطها، مما كان له أكبر الأثر على الأسرة المصرية، فقد أفضت إلى تزايد الدور الحقيقي لدور الأم وانكسار دور الأب بنسبة عالية جدا، حيث إن نمط العلاقة في الأسرة صار بشكل أزمة حقيقية خاصة في طغيان المادة والظروف الاقتصادية القاسية التي تعانى منها الأسرة خاصة الفئات الدنيا وانحسار الطبقة الوسطى إن لم تكن انتهت تماما، فخرج الأب من خريطة الأسرة وتحولت إلى الحالة الأمومية، وبالتالي فقدان الجو الأسرى والأمن النفسي داخل الأسرة؛ مما يؤدى بدوره تدريجيًا إلى ما يسمى بالطلاق العاطفي بين الزوجين وهو المرحلة الأولى للانفصال، والذي يؤدى إلى انهيار التواصل بين الزوجين ويقضـى على العلاقة الزوجية نهائيًا، فضلا عن العنف الجسدي والعاطفي وهو أخطر ما يهدد العلاقة الزوجية، بمعنى الخشونة في التعامل والعنف والضـرب والإيذاء العاطفي المصحوب باللامبالاة والسخرية والإهانة والشتائم، بمعنى نفاذ رصيد الحب والرقة والدفء.

كما تشير العديد من الدراسات أن ذلك يعد من أخطر وأهم الأسباب الكامنة وراء الطلاق، بالإضافة إلى تسـرب الملل إلى الحياة الزوجية والمفترض أنه بعد سنوات من الزواج تفقد الحياة الزوجية بهجتها ورونقها، في ظل التغييرات التي أفرزتها العولمة خاصة الاجتماعية والاقتصادية، أضحى الملل يتسـرب منذ الأسابيع الأولى للحياة الزوجية ليس فقط لضغوط الحياة، وإنما لعدم التكافؤ ليس المادي وإنما الفكري أيضا وعدم توافر الرغبة الحقيقية بين الطرفين لإقامة أسرة وحياة مستقرة للهروب من المسئولية وضعف قدرة هذا الجيل على التعامل مع واقعية الحياة ومع الجنس الآخر.

فهذه العوامل مجتمعه تساهم في حدوث الطلاق، وعلى الرغم من تراجع معدلات الطلاق كما تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي خلال 2017 فإن مصـر احتلت المرتبة الثالثة عالميا في ارتفاع حالات الطلاق، فقد سجلت حالات الطلاق خلال 2017 ما يعادل 190 ألف حالة طلاق في مقابل 192 ألف حالة طلاق في عام 2016 وهذا لا يشير بحال إلى انخفاض معدلات الطلاق حيث إنها مازالت مرتفعة ومازالت أسباب الظاهرة تتفاقم دون التفات أو معالجة، فقد أشار الجهاز المركزي إلى أن أكثر الفئات العمرية التي يقع بينها الطلاق من 20 – 30 سنة، وفى تقرير الأمم المتحدة ومركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أكد ارتفاع نسب الطلاق في مصـر من 7% إلى 40% خلال الخمسين عاما الماضية حتى وصل الإجمالي في العام 3 مليون مطلقة لتحتل مصر المكانة الأولى عالميا.

ووفقا لما صدر عن محاكم الأسرة أن 240 حالة طلاق يوميا بمعدل حالة طلاق كل 6 دقائق، وأرجع التقرير السبب للظروف الاقتصادية والاجتماعية ونقص الوعي، والإدمان وانتشار المواقع الإباحية وصغر سن الزواج، فضلا عن حالات الخلع الذي يمثل في معظم الأحيان طوق نجاة للمرأة من طغيان بعض الأزواج.

وبالاطلاع على الإحصائيات الرسمية يصطدم كل من يهتم بالقضايا الاجتماعية بتزايد حالات الطلاق في شتى المجتمعات وخاصة مصر، ويعد الطلاق بلا شك حادثا مشئوما ومؤشرات واضحا على فشل نسق الأسرة، وبعد ظاهرة مرضية أصابت جسد المجتمع تحتاج إلى الاهتمام ومواجهتها بقوة، لأن الخطورة لا تكمن فقط في الطلاق نفسه وإنما ما ينجم عنه من آثار سلبية خطيرة تهدد أمن واستقرار المجتمع، وما ينجم عنه من أطفال أبرياء غالبيتهم يعانى من أمراض نفسية لا حصر لها وما يتبع ذلك من رغبة في الانتقام من الأسرة في شخص المجتمع، والتي سجلت أعلى معدلات لعام 2017 لها بعد أن كانت سجلت أدنى معدلاتها في عام 1967.

وتختلف معدلات الطلاق من مجتمع لآخر تبعا لظروفه الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وكان المجتمع الأمريكي يتميز بأعلى معدلات طلاق بين الدول الغربية، إلا أن مصر منذ عام 1935 حتى 1954 سجلت معدلات أعلى منها يليها اليابان ثم الجزائر، وبداية من عام 2007 بدأت معدلات الطلاق في الارتفاع ثم استقر عند 1.9 في الألف في الفترة ما بين 2010 – 2013 ثم عاود الارتفاع عام 2015 حتى وصل إلى أعلى المعدلات لـ2.2 في الألف، وتراجع عام 2016 حيث سجل 2.1 في الألف ثم بلغ 2 في الألف.

وبرؤية أكثر تحليلا فالطلاق أضحى ظاهرة اجتماعية مرضية تستدعى الاهتمام لا يقف فقط عند حد الأسرة، وإنما على مستوى القيادة السياسية والأزهر الشريف كمؤسسة دينية، من عمل برامج التوعية بأهمية بناء الأسرة والحفاظ عليها بصحيح الدين ومعايير الاختيار الصحيح وفقا للدين ولثقافة المجتمع السائدة، والتوعية بخطورة اتخاذ قرار الزواج ومسئوليته وما يترتب عليه من التزامات أهمها الاستمرار وتحقيق التكيف والتوافق بين الطرفين، وتوافر نية حقيقية للتعايش وكيفية التحلي بضبط النفس والحوار البناء، والتوعية بقدسية هذه العلاقة عبر فتح قنوات اتصال فعالة لضمان تحقيق انخفاض حقيقي ملموس لهذه الظاهرة المرعبة، التي تهدد البناء الاجتماعي وتنذر بتدمير نسيج العلاقات الاجتماعية، وتنذر بإنتاج شخصيات مرضية، كما تنذر بصراع دائم مما يكون له أكبر الأثر على السلامة النفسية وتكوين شخصيات سوية.

فوقفا للعديد من الدراسات فإن الطلاق يعد وضعية ضاغطة على كلا الطرفين، من شأنه التأثير سلبيا على التوازن النفسي لهما مما ينجم عنه تدهور الصحة النفسية بشكل عام، فضلا عن وجود ارتباط دال بين انحلال الرابطة الزوجية ومستوى الصحة النفسية والعقلية للأبناء مما يحدث خللا في طاقات الفرد ووظائفها الانفعالية والعقلية والدافعية من جهة، وخللا بين القوى الداخلية والخارجية من جهة أخرى. وأنهم بحاجة إلى نوع خاص من الرعاية الصحية والنفسية لمعاناتهم من اضطرابات عصبية وانفعالية؛ مقارنة بأقرانهم من الأسوياء في الأسر المتماسكة.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *