التخطي إلى المحتوى
القدس… مدنية وتاريخ

بقلم – دكتور هشام فخر الدين:

لا شك أنه منذ اعلان ما يسمى بالكيان الصهيوني وقيام الدولة المزعومة لليهود إسرائيل، وقضية فلسطين في قلب كل عربي مسلم كان أم مسيحي في فلسطين والقدس تحديداً كل الأديان، فالقدس تحمل عبق التاريخ الإسلامي والمسيحي واليهودي، وفي ظل الكيان الصهيوني الذي يسعى جاهداً لتزوير التاريخ عبر التوظيف السياسي للتاريخ، والذي جعل الحق باطل والباطل حق من خلال تأكيده لأكذوبة ليس لها أساسا من الصحة، والمتمثلة في رفعه شعارا القدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل، وأنها الجوهرة فى تاج إسرائيل.

فالقدس مدينة السلام والتاريخ، مدينة السحر الخاص تجلت فيها حكمة الأنبياء والمرسلين ولعبت دورا مؤثراً في سيرة الأديان السماوية الثلاث، شهدت جبالها ووهادها المسيح عليه السلام، وإليها كان الإسراء بخاتم المرسلين – صلى الله عليه وسلم – ومنها كان معراجه إلى السماء، وقيل عنها في العهد القديم «أرض حنطة وشعير وتين ورمان، أرض زيتون وزيت وعسل».

وهى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ملتقى الحضارات قدر لها أن تكون دوماً مسرحاً وميدانا للحروب وساحة الصراعات والآلام، فضلاً عن كونها إحدى أقدم مدن العالم المأهولة على مر التاريخ، والتي صنفت على أنها موقع التراث العالمي.

وقد أقيمت نواتها الأولى في بقعة جبلية هى جزء من جبال القدس، التي تمثل العمود الفقري لأرض فلسطين، فهى تتمتع بموقع جغرافي فريد من حيث مركزيته بالنسبة لفلسطين وللعالم، بالإضافة إلى أهميتها الدينية والسياسية، فضلاً عن جمعها بين سمة الانغلاق للحماية وسمة الانفتاح التي تمكنها من الاتصال بشتى أرجاء العالم، وقد جرت العادة والعرف على تقسيمها إلى ٤ أربع حارات: حارة الأرمن، حارة النصارى، حارة الشرف، وحارة المسلمين.

وتعدّ القدس عاصمة للدولة الفلسطينية وتقع في قلبها، وترتفع عن سطح البحر مسافة 750 متراً، وتبلغ مساحتها ١٢٥.١٥٦ كيلو متراً، ونشأت مدينة القدس منذ أكثر من 5000 سنة قبل الميلاد، على يد الكنعانيين وأعطوها هذا الاسم، وسكنها العرب اليبوسيبون بعدها، وسميت نسبةً لهم بمدينة يبوس، وكان لديها العديد من الاسماء مثل: إيليا، وأور سالم، وغيرها، إلا أن الاسم الثابت والأول لها هو «أورسالم» حيث ظهرت هذه التسمية مرتين في الوثائق المصرية، سنة ٢٠٠٠ ق.م و١٣٣٠ ق.م، ثم ما لبثت تلك المدينة أن أخذت اسم يبوس نسبة إلى اليبوسين، حيث أن الملك اليبوسي هو أول من بنى يبوس أو القدس.

وظلت القدس محط الأطماع على مر التاريخ، بداية من الرومان، والفرس، والصليبيين، العثمانيين وغيرهم، مما جعل القدس تشهد مذابح وحروباً كثيرة ضد أهلها، وفي العهد العثماني؛ قام سليمان القانوني ببناء سورٍ هائل يحيط بها من كافة الجوانب من أجل حمايتها، وكان له في ذلك الوقت سبعة أبواب وهم: باب الساهرة، وباب العمود، وباب الأسباط، وباب المغاربة، وباب النبي داود، وباب الخليل، وباب الحديد، وتم إعادة تشييد هذا السور في عهد عبد الملك بن مروان.

إلى أن انتهك حرمتها المحتل الصهيونى بهيكله المزعوم، فتعرض المسجد الأقصى للحرق والتدنيس أكثر من مرة، وتتعرض قبة الصخرة لأعمال الحفر والتخريب والهدم؛ وذلك من أجل العثور على شيءٍ يزعمون وجوده لإثبات ملكيتهم للقدس والأراضي الفلسطينية، ولمسح تاريخ القدس وفلسطين الثقافي، والحضاري، وقام المحتل بتقسيم القدس إلى شرقية وغربية، وأعلنوها عاصمةً لهم.

والصراع حولها يعد قضية محورية في الصراع العربي الإسرائيلي، فقد سقطت القدس بيد المحتل البريطانى سنة ١٩١٧ بعد هزيمة الجيش العثماني، وفي عام ١٩٢٢ منحت عصبة الأمم المتحدة حق الانتداب على فلسطين وإمارة شرف الأردن والعراق، وأضحت القدس عاصمة فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

ومن ثم شهدت القدس عهدا جديدا أبرز سماته تزايد هجرة اليهود، خاصة بعد وعد بلفور الذي أبرمته بريطانيا مع ممثل الحركة الصهيونية «هرتزل»، حيث تزايد عدد السكان من ٥٢٠٠٠ نسمة في عام ١٩٢٢ إلى ١٦٥٠٠٠ نسمة في عام ١٩٤٨ بفعل هجرة اليهود، وتزايد عددهم خاصة في القدس الشريف واستيلائهم على الأراضى الفلسطينية بمساعدة بريطانيا، فثار الدم العربي وكانت حرب ١٩٤٨، وكان من نتائجها تقسيم القدس إلى شطرين الغربي منها خاضعا لإسرائيل والشرقي منها خاضعا للأردن.

وأقدمت بعدها إسرائيل عقب حرب ١٩٦٧ على احتلال القدس الشرقية وألحقتها واعتبرتها جزء لا يتجزأ منها، إلا أنه لم يتم الاعتراف بهذا الضم، ومازالت منطقة نزاع بين المحتل الصهيوني وصاحب الأرض الفلسطيني، فتاريخ شعبي في حماك مسطر، شهدت عليه مآذن وقباب.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *