التخطي إلى المحتوى
«الفصام»

بقلم – د. هشام فخر الدين:

لا شك أن الكثير من الناس يردد هذا اسم هذا المرض دون إدراك حقيقي لماهيته وأسبابه، ومصدر المعلومة كانت الأعمال السينمائية والتي ساهمت بشكل مباشر في إظهار صورة خاطئة عن مريض الفصام، حيث أخرجته بمظهر القاتل المختل عقليا، مما أشاع الخوف من التعامل مع مريض الفصام. فمرضى الفصام في أغلب الأحيان ضحايا للتعدي عليهم من الآخرين الأصحاء نفسيا وليس العكس.

فضلا عن الاعتقاد الخاطئ بأن الفصام مرتبط بانقسام الشخصية، فعمليا يشير الفصام إلى العقول المتعددة لا الشخصيات، فمريض الفصام يعانى من اضطرابات حادة في سلوكه الاجتماعي، مما يسبب تغير مزاجه وحالته النفسية مرات عديدة في آن واحد، وتقدر نسبة الإصابة بالفصام ١% من مجموع السكان.

والشيء الخطير والذي يخفى على الجميع أن الفصام يحدث أحيانا دون توقع، وأحيانا أخرى يحدث عقب واقعة بسيطة يمكن للشخص العادي التغلب عليها. والفُصام اضطراب نفسي يتسم بسلوك اجتماعي غير طبيعي وفشل في تمييز الواقع، تتمثل أعراضه في الوهم واضطراب الفكر والهلوسة السمعية، بالإضافة إلى انخفاض المشاركة الاجتماعية والتعبير العاطفي وانعدام الإرادة.

والفصام إذا قدر بمدى خطورته على الحالة العقلية سيكون الأول بلا منازع بين الأمراض المؤثرة على العقل، وتظهر ٧٠% من حالات الفصام بين سن ١٥:٤٠ عام، وذروتها من ١٨:٢٥ عاما، وفى إحصائية قدر عدد المصابين بـ23 مليون مريض حول العالم، والذكور أكثر عرضة للإصابة بالمرض من الإناث نتيجة الضغوط التي يعانون منها ويتحملوها.

وفى الحقيقة أن الفصام ليس مرضا وراثيا، وإنما ما يورث هو الاستعداد للإصابة بالمرض إذا تجمعت الأسباب المساعدة كالعوامل البيئية والجينية، فالعوامل البيئية المحتملة تتضمن النشأة في المُدن والأماكن المكتظة بالسكان، وتعاطي المخدرات وبعض الأمراض المعدية وعمر الوالدين وسوء التغذية خلال الحمل، والفقر والبطالة، أما العوامل الجينية فهي مجموعة متنوعة من المتغيرات الجينية الشائعة والنادرة على حدٍ سواء.

ولقد توصلت الدراسات الحديثة إلى تحديد ١٥٠ جينا من الجينات التي تلعب أدوارا مهمة في نمو الدماغ، يمكن أن تساهم في تطور علاج الفصام والاكتئاب ذو القطبين وغير ذلك من الأمراض العقلية والنفسية، حيث تم تحديد هذه الجزيئات المرتبطة ببروتين الفصام المعطل DISC1 المتصل بالاضطرابات العقلية، ومن ثم تطوير أدوات جديدة تشمل الخلايا الجذعية لتحديد التفاعلات الكيميائية التي تستخدمها البروتينات للتأثير على وظائف الخلية ونمو الأعصاب في الإنسان.

وتُمثل الأدوية المضادة للذهان الركيزة الأساسية في علاج الفصام، بالإضافة إلى العلاج النفسي وإعادة التأهيل المهني والاجتماعي، حيث تعمل الأدوية على تصحيح وإعادة التوازن الكيميائي في الدماغ، فضلا عن مساهمة خدمات إعادة التأهيل الخاصة بحالة العجز النفسي والدعم للمريض، في حل المشاكل التي يعانى منها.

ويقدر متوسط العمر المتوقع للأشخاص الذين يعانون من الاضطراب أقل بحوالي ١٠:٢٥ سنة من المتوسط المتوقع للأفراد الأصحاء، وهو ما ينتج عن تزايد المشاكل الصحية الجسمانية وارتفاع معدلات الانتحار، فحوالي ٥%، من المصابين بالفصام يموتون بالانتحار، وهو معدل أكثر بكثير من عموم السكان، مع أعلى درجة من الخطورة في المراحل المبكرة للمرض.

ويعتبر الفصام النفسي من أكثر أنواع الأمراض غموضا، حيث إنه من أهم ١٥ سبب للإعاقة في العالم، وغالبا ما يكون مصحوبا بأمراض القلب والسكر التي تسهم في ارتفاع الوفيات المبكرة بين المصابين بالفصام، فضلا عن كونه الأكثر تكلفة في علاجه، فمثلا تبلغ تكلفة علاجه في أمريكا ١٩ مليون دولار سنويا مقابل الخدمة والرعاية، ويشكل الدعم والتثقيف حول الفصام فضلا عن التقبل الاجتماعي عنصرا أساسيا، وخطوة هامة في علاج مريض الفصام.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *