التخطي إلى المحتوى
التاريخ يعيد نفسه… من «سايكس – بيكو» إلى الربيع العربي

بقلم – دكتور هشام فخر الدين:

لعله من المحزن ألا يعلم الكثير من أبناءنا حقائق التاريخ وكيف يعيد نفسه ويؤكد يوماً بعد يوم ترقب وتوعد الغرب لأوطاننا، وليس أدل على ذلك من مشروع مر عليه أكثر من مائة عام ويتم تنفيذه في عصرنا الحالى بشكل أكثر دقة، ألا وهو مشروع التقسيم الغربي للدول العربية المعروف باسم «سايكس بيكو»، وكذلك وعد «بلفور» الذي يردده الكثير ولا يعرفون عنه سوى الإسم فقط، ولعل ذلك كارثة محققة بكل المقاييس.

فقد كانت معاهدة سرية بين فرنسا وانجلترا بمباركة روسية، والتي كانت تطمح في نفوذ على المنطقة العربية، إلا أنها سقطت قبل أن تحظى بنصيب فيها، عندما سيطرت الشيوعية على روسيا فتم كشف أسرار الاتفاقية الخطيرة والتي على إثرها تم تقسيم الدول العربية، وقدمت بريطانيا وعدها الشهير بتكوين وطن قومي لليهود المعروف باسم وعد «بلفور» عام 1917.

وتم الوصول إلى هذه الاتفاقية في الفترة بين نوفمبر من عام 1915 ومايو من عام 1916، بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي «فرانسوا جورج بيكو» والبريطاني «مارك سايكس»، وكانت على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية آنذاك، ولقد تم الكشف عن الاتفاق بوصول الشيوعيين إلى سدة الحكم في روسيا عام 1917، مما أثار الشعوب التي تمسها الاتفاقية وأحرج فرنسا وبريطانيا، وكانت ردة الفعل الشعبية الرسمية العربية المباشرة قد ظهرت في مراسلات حسين مكماهون.

وتم تقسيم منطقة الهلال الخصيب بموجب الاتفاق، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال «سوريا ولبنان» ومنطقة الموصل في العراق، أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقاً، لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا.

كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا مينائي حيفا وعكا على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الإسكندرية الذي كان سيقع في حوزتها لاحقاً، وتخفيفاً للإحراج الذي أصيب به الفرنسيون والبريطانيون بعد كشف هذه الاتفاقية ووعد «بلفور»، صدر كتاب «تشرشل الأبيض» سنة 1922 ليوضح بلهجة مخففة أغراض السيطرة البريطانية على فلسطين، إلا أن محتوى اتفاقية «سايكس- بيكو» تم التأكيد عليه مجدداً في مؤتمر «سان ريمو» عام 1920، بعدها أقر مجلس عصبة الأمم وثائق الانتداب على المناطق المعنية في 24 حزيران 1922؛ لإرضاء «أتاتورك» واستكمالاً لمخطط تقسيم وإضعاف سوريا.

وذلك بعد سحق الثورات فى فلسطين وسوريا والعراق ووضعها تحت الانتداب الفرنسي والبريطاني، وبداية نشاط الحركة الصهيونية؛ لتطبيق وعد «بلفور» بإقامة إسرائيل، وعقدت عام 1923 اتفاقية جديدة عرفت باسم معاهدة «لوزان»؛ لتعديل الحدود التي أقرت في معاهدة «سيفر»، وتم بموجب معاهدة «لوزان» التنازل عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية، إضافة إلى بعض المناطق التي كانت قد أعطيت لليونان في معاهدة لندن السابقة.

وانتهى مفعول صك انتداب عصبة الأمم على فلسطين يوم 14 أيار 1948 وتم جلاء البريطانيون عنها، إلا أنه في اليوم التالي أعلن قيام إسرائيل فوق أجزاء كبيرة من حدود الانتداب البريطانى على فلسطين، وبدأ الصراع العربي الإسرائيلي وتم تقسيم فلسطين إلى ثلاث وحدات سياسية إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، وفي عام 1994 قامت السلطة الفلسطينية كسلطة شبه مستقلة تأسست وورثت أجزاء ضيقة من حدود الانتداب البريطانى السابق على الضفة الغربية وقطاع غزة، الذي كان يتبع مصر إدارياً.

وقسمت هذه الاتفاقية وما تبعها سوريا الكبرى أو المشرق العربي إلى دول وكيانات سياسية، كرست الحدود المرسومة بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات الناجمة عنها، ويكاد الأمر نفسه يتكرر بإحياء ذكرى «سايكس – بيكو» وسط أخطار تهدد بتغييرات جذرية لصالح الغرب بتفتييت الدول العربية؛ بدعوى تحريرها ونشر مبادئ الفوضى الخلاقة المزعومة، حتى بات يطرح بقوة مشروع لإعادة تقسيم الوطن العربي إلى دويلات صغيرة، بعد زرع الفرقة واستمالة بعض دوله واستخدامها أداة لتحقيق ذلك، دويلات تقوم على الانتماءات الطائفية المتشاحنة والمتصارعة حتى فناء أحدها كالسنة والشيعة والعلويين والأكراد والمسيحين والمسلمين، وزرع الفتنة بينهم الأمر الذى شجع إسرائيل على انتحال صفة طائفية شرعية، وهى الدولة اليهودية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *