التخطي إلى المحتوى
اللغة والفكر

بقلم ـ دكتور هشام فخر الدين:

يظن كل منا أن له لغته الخاصة بمفرداتها ورموزها، على الرغم من كونها لغة واحدة مشتركة بين الجميع نابعة من ثقافة عامة وهى ثقافة المجتمع، فاللغة تمثل وسيلة التواصل وتشكل الهوية الاجتماعية والثقافية لأفراد المجتمع، فضلاً عن تنظيم معتقدات وأيديولوچيات ثقافية على نطاق واسع، بالإضافة إلى قيامها بتنمية التمثيل الثقافي للعالم الطبيعي والاجتماعي.

واللغة هي نسق من الإشارات والرموز، تشكل أداة من أدوات المعرفة، وتعتبر أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة، فبدون اللغة يتعذر نشاط الإنسان المعرفي، وترتبط اللغة بالتفكير ارتباطًا وثيقًا؛ فأفكار الإنسان تصاغ دومًا في قالب لغوي، حتى في حال تفكيره الباطني، فمن خلال اللغة تحصل الفكرة فقط على وجودها الواقعي، كما ترمز اللغة إلى الأشياء المنعكسة فيها، فاللغة هى القدرة على اكتساب واستخدام نظام معقد للتواصل وخاصة قدرة الإنسان على القيام بذلك، فهى أحد الأمثلة المحددة من هذا النظام، وتسمى الدراسة العلمية للغة بعلم اللغويات.

وهناك ما يقارب 7000 لغة منطوقة حول العالم، ومع ذلك فإن أي تقدير دقيق يعتمد جزئياً على التمييز التعسفي بين اللغات واللهجات، فاللغات الطبيعية تكون إما لغة منطوقة أو لغة الإشارة، ولكن يمكن ترميز أي لغة باستخدام المنبهات السمعية والبصرية أو اللمسية كما في الكتابة التصويرية، أو طريقة بريل للمكفوفين، أو الصفير، وهذا لأن لغة الإنسان هى لغة مستقلة.

وتعد اللغة هى إحدى عناصر الثقافة السائدة في المجتمع، وفي غالبية مراحل الحياة نتقبل استخدامنا للغتنا الأصلية، وفهمنا لها دون وعي وتساؤل، حيث قد تدفعنا ذكريات الطفولة وخاصة المبكرة وخبرة تربية النشئ إلى التفكير في مدى تعقد القدرة اللغوية لدى كل شخص طبيعي، كما أن تعلم المرء للغة أخرى غير لغته بعد تمكنه من لغته الأولى، يكشف عن مدى ما تتطلبه مقدرة النوع البشري على التواصل عن طريق اللغة.

وعلى الرغم من هذا التقبل العام لموهبة الكلام المنطوق، فإن معظم الثقافات فى العالم قد أوجدت لدى غالبية أعضائها فهما محدداً لمجال اللغة وقدرتها، فضلاً عن أن الوعي بالذات اللغوية قد ينجم عنه الاحتكاك بمتكلمين أجانب، أو وجود الانقسام اللهجي وإدراكه داخل الجماعة اللغوية.

وبالمفهوم العام فإنه يرجع إلى القدرة الإدراكية لتعليم واستخدام نظام التواصل المعقد، أو إلى وصف مجموعة من القواعد التي تشكل هذه الأنظمة، أو مجموعة من التصريحات التي يمكن أن تنتج من تلك القواعد، اعتمادا على وجهات النظر الفلسفية المتعلقة بتعريف اللغة والمعنى، فتعتمد جميع اللغات على عملية صيرورة العلامات لتشير إلى معاني معينة فتحتوي اللغة المشافهة أو المنطوقة ولغة الإشارة على نظام صوتي، يتحكم بكيفية استخدام الرموز لتشكيل سلاسل تعرف باسم الكلمات أو الصرفية، و نظام نحوي والذي يتحكم بكيفية الجمع بين الكلمات والصرف لتشكل العبارات والأقوال.

ويعتقد أن اللغة قد نشأت عندما بدأت كائنات شبيهة بالإنسان في وقت مبكر بالتغيير تدريجياً في نظم التواصل الرئيسية، واكتساب القدرة على تشكيل نظرية العقول الأخرى والقصد المشترك، ويعتقد أن هذا التطور في بعض الأحيان قد تزامن مع زيادة في حجم المخ، ويرى الكثير من اللغويين أن هياكل اللغة تطورت؛ لتخدم وظائف تواصلية واجتماعية محددة، فتتم معالجة اللغة في العديد من المواقع المختلفة في الدماغ البشري، وخاصة في مناطق «بروكا وفيرنيك».

ويكتسب البشر اللغة من خلال التفاعل الاجتماعي في مرحلة الطفولة المبكرة، ويتحدث الأطفال عموماً بطلاقة عندما يبلغون ما يقارب الثلاث سنوات من العمر، واستخدام اللغة متأصل في ثقافة الإنسان، بالإضافة إلى استخداماته للتواصل بشكل صارم، وأيضا للغه العديد من الاستخدامات الاجتماعية والثقافية، مثل الدلالة على هوية الجماعة، والطبقات الاجتماعية، وكذلك الاستمالة الاجتماعية والترفيهية.

وتتطور اللغات وتتنوع مع مرور الوقت، ويمكن إعادة تاريخ تطورها وبنائها من خلال مقارنة اللغات الحديثة بالقديمة، والوقوف على سمات كل منها.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *