Skip to content
قوة الذات

بقلم – دكتور هشام فخر الدين:

كُلنا بلا استثناء بحاجة إلى اللجؤ إلى نفسه والاقتراب منها؛ لاكتشافها وحتى تتضح له الحياة بشكل جلي، ومن ثم يتمكن الإنسان من الالتزام مع نفسه وغيره من البشر، وتعد مسألة التعرف إلى الذات مسألة في غاية التعقيد، نتيجة لتعقد التركيب وتناقض الأفكار والمشاعر، فالإنسان فى صراع دائم بين العقل والعاطفة.

فضلا عن تأثير العوامل المحيطة بالإنسان، والتي من شأنها تساهم بشكل كبير في ابعاده عن نفسه وعن هويته، والتي لا تقتصر على الانتماء ووضعه الاجتماعي فقط، وإنما تمتد للبحث عن ذاته المجردة من كافة التفاصيل التي أدخلها في حياته سواء بإرادته أو خارجة عن إرادته،حتى يتسنى للانسان معرفة حدود قدراته وطاقاته للوقوف على ما يمكن فعله وانجازه بتخطيط وتنظيم، فضلا عن قبول الآخر بعد تمكنه من قبول ذاته ليتمكن من إقامة علاقات اجتماعية ناحجة واتصال فعال.

وبالتالي فهذا هو الوقت المناسب لكسر الحواجز والانطلاق نحو النجاح، والأخذ بالمستوى التالى، وقهر التحديات والإمساك بزمام الأمور والسيطرة، لتتغير الحياة وتأخذ شكلا آخر.

فالذات البشرية حصيلة تجارب الإنسان لشتى المواقف التي شكلت إدراكه وعواطفه وأفكاره، فالبيئة الثقافية للفرد، مع حصيلة خبراته الحياتية لها أثر كبير في بناء شخصيته أو بمعنى آخر هويته، فالطفل منذ وقت مبكر يبدأ في تكوين هويته متشبهًا بالأشخاص المهمين في البيئة من حوله حيث أنه في آنٍ واحد يتشبه بأمه وأبيه أو بأحد إخوته أو معلمه، إلا أن هذا الخلط ينتج شخصية متشعبة ذات أدوار مختلفة، مفككة الأوصال، أما المراهق فلأن خبراته الحياتية لا زالت محدودة، فإنه يكون مذبذبا وغير متيقن من أمره وهو يسعى إلى تحقيق ذاته وتكوين هويته.

ومن ثم نجده يلعب أدوارا متضادة، فيكون مستقلًا ومعتمدا على غيره؛ جريئًا وجبانًا؛ متحدياً وخضوعاً؛ جدياً وغير مكترث، وعليه في النهاية تخليص نفسه من لعب هذا الدور المزدوج ومن أن يكون نسخة من غيره، أو التذبذب بين الأدوار لكي يبدأ في تكوين هويته الخاصة به متجاوزاً هذه المرحلة الانتقالية.

ففكرة الفرد عن نفسه تتميز بالتفرد، ولكنها عرضة للتعديل بتأثير الظروف البيئية والاجتماعية التي تحيط به، وبوجهة نظر الآخرين عنه، فالفرد قد يرى ذاته بصورة ايجابية أحياناً، وبصورة سلبية أخرى، إلا أنه بصفة عامة له تصور شبه ثابت عن ذاته.

ومن هنا يسعى التحليل النفسي لفهم الإنسان عبر تحليل أفكاره وسلوكه عبر التداعي الحر أو الأوهام أو الأحلام لاكتشاف صراعات اللاشعور، والذي يشير إلى منطقة افتراضية في النفس تحوي الدوافع والذكريات والمخاوف والأحاسيس والوجدان وأفكار محرمة في الوعي المكبوت والعقد النفسية، والوقوف على العلاقة بين الشعور واللاشعور، من خلال الاهتمام بالبناء والوظيفة للعقل البشري.

وأخيرًا، الحياة النفسية تعرف على نحوين الأول «عضوها الجسمي ومسرحها الذات أب المخ والجهاز العصبي»، والثاني «أفعالنا الشعورية وهى معطيات مباشرة لا يمكن لوصف أيا ما كان أن يزيدها قربا منا»، وليس ثمة علاقة مباشرة بينهما، وإن كان ثمة علاقة فهى لا تسهم إلا بتحديد دقيق لمراكز العمليات الشعورية، ولكنها لم تساعد في فهمها، وبالتالي فتقسيم الحياة النفسية إلى حياة نفسية واعية وحياة نفسية لا واعية يعد المقدمة الأساسية في التحليل النفسي.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *