التخطي إلى المحتوى
شيخوخة الرأسمالية

بقلم – دكتور هشام فخر الدين:

كثر الجدل عن مدى صلاحية بعض النظم الاقتصادية للبقاء وامكانية استبدالها بنظم اخرى ثبت نجاحها، ولا تحمل بداخلها التناقضات التي يحملها النظام الاقتصادي الرأسمالي، والذي هرم كما يجمع الخبراء على أنه في مراحله الأخيرة.

فالرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية، تقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والإبقاء عليها، رافعة شعار الحرية فضلاً عن تقليص الملكية العامة، ويقتصر دور الحكومة في ظل هذا النظام الاقتصادي على الدور الرقابي فقط.

ولقد ظهرت بوضوح مرحلة التراكم والتوسع الرأسمالي العالمي، والذي أدى في نهاية المطاف إلى تقدم كبير تتقاسمه دول العالم، وإن لم يكن على قدم المساواة، فهناك دول المركز ودول الأطراف وعالم أول وعالم ثاني وثالث.

فالخطاب الشائع عن الرأسمالية الجديدة يستبعد الجدل بشأن حدودها سواء فيما يخص التنظيم الجديد للعمل، أو تحول ملكية رأس المال ونمط التراكم الرأسمالي، أو ما يخص العلم الذي أصبح عاملاً حاسمًا في عملية الإنتاج.

ويتعلق خطابها الأول بنهاية العمل ومجتمع الشبكات، وظهور الفرد دون اعتبار لوضعه الاجتماعي إذا كان صاحب رأس المال أم عامل، بوصفه فاعلاً للتاريخ.

فضلاً عن ارتباط خطابها الثاني بالتوزيع المزعوم لملكية رأس المال، والتي ستصبح من الآن فصاعد،ا متاحة، وما من جديد في هذا الخطاب الذي يُعد منبعًا للصلة بواقع العلاقات الاجتماعية.

وخطابها الثالث يجعل من العلم العامل الحاسم للانتاج، وتلك الأطروحة تبدو جذابة للوهلة الأولى، نظرًا لكثافة المعارف العلمية، والوسائل التقنية المتبعة في نمط الانتاج الحديث.

إلا أنها في النهاية ليست مجرد نمط إنتاجي، فهي نظام عالمي قائم على أساس الهيمنة العامة لهذا النمط، حيث إنها منذ بداياتها الأولى مرتبطة بالغزو، وفي سبيل ذلك شيدت ورسخت باستمرار مبدأ اللامساواة واللاتكافؤ بين مراكزها السائدة الغازية وبين أطرافها المسودة.

فالتناقض الرئيسي للرأسمالية بوصفها نظامًا عالميًا يظهر بجلاء من خلال هذه المفارقة في اللاتكافؤ المتفاقم بين الدول، كما يتضح بشكل أيديولوجي وسياسي من خلال الخطاب الكوني للرأسمالية، وبين الواقع الناجم عن توسعها، بمعنى واقع اللامساواة الآخذ في التنامي والتصاعد بين دول العالم، والذي نتج عنه تشييد صناع الخطاب الأيديولوجي الاعلامي، بانطواء دول المركز على ذاتها تاركة دول الأطراف للمصير المظلم والتعس، بوصفه الشاهد على نهاية الإمبريالية من منطلق إمكانية استغناء دول المركز عن الأطراف أو الشمال عن الجنوب.

فهي أطروحة تتنكر لجوهر الأيديولوجية البرجوازية، حيث تم التخلي عن ذلك لصالح خطاب جديد متعلق بالخصوصيات الثقافية، يطلق عليه ما بعد الحداثة؛ مما يُعد دليلاً على شيخوخة الرأسمالية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *