الانتفاضة الفلسطينية الثالثة آتية

الانتفاضة الفلسطينية الثالثة آتية
nicola_155958924

بقلم – نيقولا ناصر

كل الدلائل تشير إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة آتية. وتكمن المفارقة في أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تستشعرها وتستعد لمنع اندلاعها وإن فشلت في إجهاضها تستعد لقمعها، بينما ما زالت قيادة منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي الإداري التابعة لها الملتزمة بخيار التفاوض فقط ملتزمة أيضا بتعهد الرئيس محمود عباس المكرر بأنه لن يسمح “أبدا باندلاع انتفاضة جديدة مهما كان شكلها” ما دام رئيسا، وكأنما هناك أي انتفاضة شعبية في العالم انتظرت إذنا كي تندلع أو أرهبها التهديد بالقمع كي لا تندلع.
وإذا كانت المؤشرات السياسية الملموسة غير كافية لإقناع القيادات الفلسطينية بأن الانتفاضة الثالثة آتية لا ريب فيها كي ترتفع إلى مستوى الحدث المرتقب لتواجه استعدادات دولة الاحتلال له باستعدادات مقابلة وتترفع عن صغائر معارك “دون كيشوت” تنافسا على حقائب وزارية في حكومة جديدة قريبا، أو تحضيرا لانتخابات رئاسية وتشريعية وبلدية تحت الاحتلال خلال عام قد تؤجلها الانتفاضة الآتية إلى أجل غير مسمى، فربما يقنعها بذلك الاستماع إلى نبض الشارع الفلسطيني الذي يتوقع – – حسب النتائج التي أعلنها من الضفة الغربية لا من قطاع غزة المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي الأسبوع الماضي.- – اندلاع انتفاضة ثالثة بنسبة (70.5%) إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود.
ولأن الشعب الفلسطيني يعتبر المصالحة الوطنية الأخيرة في القاهرة استعدادا منطقيا لمواجهة استحقاقات المواجهة الحتمية الآتية مع الاحتلال ودولته، وليس استعدادا لتأليف حكومة وخوض انتخابات، فإنه أيد هذه المصالحة بنسبة (79.7%).
والمفاوضات كما هو معروف متوقفة عمليا منذ عام ألفين باستثناء استئناف وجيز أثبت عقمه بعد مؤتمر أنابوليس عام 2007 بعد أن عجز الرئيس الأميركي باراك أوباما في مستهل عهده عن إطالة عمر المفاوضات بأكثر من ثلاثة أسابيع قبل أن يصدر مبعوثه الرئاسي جورج ميتشل شهادة وفاتها باستقالته مؤخرا.
“إن الانتفاضة الثالثة حتمية. فهي سوف تندلع إذا اعترفت الأمم المتحدة بدولة فلسطينية ضمن حدود 1967 لأن قرارها لن ينفذ تلقائيا” ولأن الشعب الفلسطيني سوف يلجأ إلى ما يلزم للمطالبة بحقوق السيادة وطرد قوات الاحتلال، “وهي سوف تندلع إذا منعت الأمم المتحدة من إعلان استقلال فلسطين .. في محاولة لاسترضاء إسرائيل، وفي هذه الحالة سوف يبدأ الفلسطينيون انتفاضة بسبب احباطهم نتيجة فقدان الدعم الدولي”، كما كتب ألوف بن في هآرتس مؤخرا. وقد اتفق معه مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى المنطقة روبرت سري الذي اعرب قلقه من “التصعيد” ومن اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة إذا فشلت الأمم المتحدة في التوصل إلى قرار واضح بشأن الدولة الفلسطينية في أيلول / سبتمبر المقبل كما نسبت يديعوت أحرونوت إليه القول في مؤتمر بتل أبيب الأسبوع الماضي.
وكان ألوف بن في هآرتس أيضا قد كتب في الثامن عشر من هذا الشهر يقول إن “الهدف” من زيارة رئيس وزراء دولة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، لواشنطن نهاية الأسبوع الماضي هو “الحفاظ على الدعم الأميركي لإسرائيل قبل الانتفاضة الثالثة”. وكان نتياهو قد مهد لهذه الزيارة بخطاب في افتتاح الدورة الصيفية للكنيست يوم الاثنين الماضي وصفه رئيس البرلمان العربي، علي سالم الدقباسي، بأنه “قنبلة موقوتة لنسف عملية السلام برمتها”، مما يقتضي من الشعب الفلسطيني “التصميم على إنجاز اتفاق المصالحة” و”التمسك بوحدتهم الوطنية”، ووصفه كبير مفاوضي منظمة التحرير المستقيل، د. صائب عريقات، بأنه “دمر عملية السلام تدميرا كاملا” و”ألقى مفتاحها في البحر”.  فقد كان خطابه تعبئة حربية، تنذر الإسرائيليين بأن الخطر الفلسطيني يهددهم في بيوتهم كأفراد وليس فقط كمشروع دولة صهيونية لليهود فقط، إذ قال وهو يشير إلى مفتاح كبير كانت تحمله فتاة فلسطينية في قرية بلعين بالضفة الغربية لنهر الأردن في مسيرة الذكرى الثالثة والستين للنكبة: “كل فلسطيني يفهم ما هو هذا المفتاح. إنه ليس مفتاح بيوتهم في بلعين أو نابلس أو رام الله، بل هو مفتاح بيوتنا في يافا وعكا وحيفا والرملة … الآن هو وقت التحصن للدفاع ومحاربتهم” !
ورسالة نتنياهو واضحة، وهي رسالة كانت موجهة إلى الشعب الفلسطيني الذي أعاد في الخامس عشر من هذا الشهر فرض حق العودة للاجئين باعتباره الأساس الوحيد لأي عملية سلام عادل ودائم، ولم تكن رسالة موجهة إلى أصحاب مشروع دولة فلسطينية على (22%) من الوطن التاريخي للشعب الفلسطيني، كما كتب الرئيس عباس في النيويورك تايمز في السادس عشر من الشهر الجاري، ممن يفسرون حق العودة بالعودة إلى هذه الدولة بعد قيامها كما أوضح عباس في مؤتمر الملتقى التربوي الثقافي الفلسطيني الرابع برام الله مؤخرا.
ونتنياهو أدرك أخيرا بأن “النزاع … تعدى الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967 ليشمل المطالبة بالاعتراف بدولة على حدود 1948” الأمر الذي يهدد وجود دولته كما قال في ذكرى ميلاد صاحب مشروع هذه الدولة ثيودور هيرتزل. ولهذا السبب لم يحتمل لا هو ولا حكومته حتى مجرد الدعوة إلى “انتفاضة ثالثة” على صفحات “الفيسبوك” فاستنفروا كل جهودهم وجهود جماعات الضغط الصهيونية واليهودية النافذة في الولايات المتحدة لإقناع مؤسس الفيسبوك اليهودي الأميركي مارك زوكربيرغ بإغلاقها خشية أن تسرع في انتفاضة على الأرض يترقبونها الآن ويستعدون لمواجهتها.
والآن، يدرك الجميع، ربما باستثناء منظمة التحرير ومفاوضيها المتمسكين كالقابض على الجمر بخيار المفاوضات الوحيد، أن “عملية السلام”، في الأقل كما كانت طوال عقدين من الزمن، قد انتهت إلى غير رجعة، بعد أن تعاقب على رعاية الدعوة إلى تسوية سياسية بالتفاوض عشرة رؤساء وعشرون وزير خارجية أميركيون، وكان ميتشل آخر من كلفوه بالتوسط فيها بعد دنيس روس وجورج تينيت وأنتوني زيني، وكانت النتيجة حتى الآن هي الفشل والوضع المتفجر الراهن.
ومع أن هذا الإخفاق المدوي دفع عباس إلى التخلي عن استراتيجية “الانتظار” التي أعلنها بعد فوز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ليكتب في النيويورك تايمز، “نحن لا نستطيع الانتظار إلى أجل غير مسمى”، فإنه أضاف: “تظل المفاوضات هي خيارنا الأول، وبسبب فشلها نحن مضطرون الآن للتحول إلى المجتمع الدولي”، متجاهلا حقيقة أن هذا “المجتمع الدولي” ذاته هو المسؤول عن فشلها في المقام الأول.
لقد نفى عباس أن يكون توجه منظمة التحرير إلى الأمم المتحدة في أيلول / سبتمبر المقبل “مناورة”، لكن “مسؤولا رفيعا” في المنظمة أبلغ “غولف نيوز” في السابع عشر من الشهر بأن “اقتراحا فلسطينيا بمبادلة تجميد المستعمرات باستئناف المفاوضات والتخلي عن الخطط الفلسطينية في الأمم المتحدة يظهر بوضوح أن الفلسطينيين يسعون أساسا للسلام”، وفي أواخر الشهر الماضي أبلغ الأمين العام للجنة التنفيذية للمنظمة ياسر عبد ربه “الحياة” اللندنية بأن المنظمة سوف تؤجل محاولاتها لإعلان دولة فلسطينية في الأمم المتحدة من جانب واحد إذا بدأت دولة الاحتلال مفاوضات “حقيقية وجادة”.
إن  “الترحيب” مجددا بجهود الرئيس الأميركي باراك أوباما لاستئناف المفاوضات، ومناشدة دولة الاحتلال إعطاء “السلام الفرصة التي يستحقها”، كما أعلن عضو تنفيذية المنظمة د. صائب عريقات بعد خطاب أوباما الخميس الماضي هما ترحيب ومناشدة يؤشران إلى أن مبادلة كهذه مدرجة فعلا على جدول أعمال مفاوض المنظمة.
لقد استهلكت “عملية السلام” ذاتها، واستهلاكها “يدفع المنطقة أقرب إلى هاوية” كما كتب مؤخرا ألاستير كروك عميل المخابرات البريطانية السابق ومدير “منتدى الصراعات” في بيروت. وكان كروك قد تنبأ في مقال له في أواخر العام الماضي بأن أي حل يعتمد على “تعريف إسرائيل الذاتي لاحتياجاتها الأمنية .. قد يثبت بأنه الشرارة التي يمكنها” أن تفجر المنطقة، وهذا هو على وجه التحديد ما أفشل “عملية السلام” التي تحولت عمليا إلى مفاوضات على اقتسام الضفة الغربية، دون القدس، مع أكثر من نصف مليون مستوطن في المستعمرات اليهودية غير الشرعية فيها، وهذه هي خلاصة خطاب نتنياهو الأخير في الكنيست، وهي وصفة لانتفاضة فلسطينية ثالثة بالتأكيد.
وقد حرص الرئيس أوباما في خطابه الخميس الماضي على ألا يأتي بجديد، ليكرر الدوران في الحلقة المفرغة لحل يعتمد على “تعريف إسرائيل الذاتي لاحتياجاتها الأمنية”، ويكرر التزام بلاده الذي “لا يمكن هزه” بأمنها على هذا الأساس، ويكرر تهديده بأن لجوء مفاوض منظمة التحرير إلى “إجراء من جانب واحد في الأمم المتحدة لن ينجح” وليحث هذا المفاوض على “القبول بشرعية الدولة اليهودية” ويحذر من أن أية جهود فلسطينية “لنزع الشرعية عن إسرائيل” بالذهاب إلى المتحدة “سوف ينتهي بالفشل” وليخلص في النتيجة إلى حثه على إحراز تقدم في التفاوض مع دولة الاحتلال باعتبار ذلك الآن “أكثر إلحاحا من أي وقت مضى” لأن “المجتمع الدولي” – – وليس الشعب الفلسطيني – – “قد تعب من عملية لا نهاية لها لا تسفر أبدا عن أي نتيجة”.
ويبدو أن أوباما لم يقرأ ما كتبه عباس في النيويورك تايمز ب”أننا كنا نتفاوض مع دولة إسرائيل طوال 20 عاما” دون نتيجة، أو ما أعلنه القيادي الفتحاوي الأسير في سجون الاحتلال مروان البرغوثي في الأهرام المصرية يوم الأربعاء الماضي: “إن الدولة تنتزع ولا يجب انتظارها على طاولة المفاوضات، ومن يعتقد أنه سيحصل على الدولة على طاولة المفاوضات فهو مخطئئ” !
إنهم يحاصرون الشعب الفلسطيني حصارا محكما لا مخرج منه سوى المقاومة، بانتفاضة ثالثة أم بغيرها. وبقي أن تصحو القيادات الفلسطينية على هذه الحقيقة فتستعد لها، ولو متأخرة، فدولة الاحتلال تستعد لها منذ أحكمت الحصار على مقاومي الشعب الفلسطيني ومفاوضيه على حد سواء

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *