Skip to content
الغُربة في ظل العولمة

بقلم ـ د. هشام فخر الدين:

دائمًا نصبو إلى تقبل عناصر العولمةِ الثقافية بما تحمله من تحرر وعولمةٍ للعادات والتقاليد على جميع الأصعدةِ وبمختلف الطرق، ولا ننظر إلى التأثير السلبي الذي تُخلفُه تلك الثقافات المتحرر والعولمةُ بشتى أنواعها حينما يتم تطبيقها في الوقت الغير مناسب أو في المكان الغير ملائم أو حين يتمُ تطبيقها بشكلٍ أعمى، دون النظر إلى ما تحمله تلك المصطلحات من عوارٍ أخلاقي أو من عادات اجتماعية تقتلُ الأمانَ في داخلنا وتُمزق الأواصر فيما بيننا.

كمن يتمنى أن يأكل نوعاً من الأطعمة ما لـشيءٍ إلا لأنه جميلٌ في مظهرِه غالٍ في ثمنه، دون التحقق من قدرة جسده على إستيعاب وإستقبال هذا النوع من الأطعمة وحينما تسأل عن السبب تجد ردًا باهتًا يدعي التحضر ومسايرةَ العصر دون الإلتفات للأثر القاتل؛ لأخذ الأشياء على علتِها من غير تنقيحٍ ولا إختيار.

لتظل العولمة بكل أنواعها هي المتهم الأول، في كل ما نمرُ به من التفكك المجتمعي والأسرى في هذه الآونة الأخيرة ويُشارُ إلي العولمةِ دون غيرها شكلاً وموضوعاً، حينما نتكلمُ عن الإحساس بالغربة وفقد التلاحم الأسري والمودة والرحمة فيما بيننا، ولا خلافَ في أن الحقيقة تجافي هذا الاتهام؛ ليبقى المتهم الحقيقي هو أنت أيها المُتلقي لتلك العولمة التي لا تجبرُك على إتخاذها وإتباعها بدون موافقتك.

لتبقى هي مسألةُ العرض والطلب ولكن الكارثة الكبرى أنك طبقت ثقافات تُنكرُ علينا كلَ شيء وتنتقضُ كل ثوابتنا ومن غير إستثناء، فهي في قالبِها لا تعترفُ بالدين ولا بالمجتمع، ومع هذا كله ترحبُ بها لتستحقَ أن تنال عقاب التفريطِ فيما كان اللبنة الأولى في تحضر هؤلاء الذين يُصدِّرون لك اليوم تقدماً مسموماً في ثوبٍ جميلِ المظهر خبيث المخبر ومن غير شك.

لا ننكرُ بأي حالٍ من الأحوال، أن عولمة الاقتصاد والعولمة التجارية نوعان من العولمةِ يحملان من الإيجابيات ما يفوق سلبياتهما، ولكن الكارثة الكبرى كانت في عولمة العادات والتقاليد والتي تخطو بنا خطواتٍ مهولة نحو الهاويةِ وفقدان شخصيةِ المجتمع العربي الأصيل، نحو ماديةٍ عفنة تحملُ التقدم في ظاهرها وتخفي سموماً تفككُ المجتمع وتُجهِزُ على كل ثوابته.

إن ما يجنيه المجتمعُ العربي، ومنذ عقودٍ من أثارٍ سلبيةٍ للعولمة وصلت بنا اليوم إلى التفكك الأسري شبه الكامل، هو نتيجة تقبل عادات الغرب وقواعد حياتهم وتطبيقها بشكلٍ أرعن لا تنقيح فيه ولا رفض فيه لما يتنافى مع أصولنا وعقائدنا؛ لنساعدهم على تأصيل الجهل لدينا بأن نصبح دوماً المقلدين أولئك الذين ينتظرون دوماً الجديد ولا يعرفون شيئاً عن الإختراع والتجديد؛ ولنتناسى وبالكلية ما صدَّرناه نحن للغرب سابقاً من العلم والنهضة والتطور الحقيقي الذي أنشأوا عليه حضارتهم اليوم ليُصدِّروا لنا ما يدمرنا لتتحقق لهم الغلبةَ.

إن ما سلف ليس فيه اتهاماً للعولمةِ، بقدر ما أنه يحمِّلُكَ أنت أيها الرجلُ الشرقي العربي كل الإثمِ على قبولِها الأعمى؛ ليصلَّ بنا الحالُ وفي داخل الأسرة الواحدة أننا ربما لا نلتقى في اليوم الواحد إلا بالصدفة؛ لأنَّا كلنا مشغولون بمواقع التواصل التي استخدمناها لتقتلَ فينا كلَّ معاني التواصل وبالهاتف المحمول الذي حملناها؛ ليغتالَ فينا كلَّ ما تبقى من دفءِ الأسرة وصدق المودة.

إنا لا نحاربُ الرُقيَّ والتحضر، وإنما نريدُ أن نعودَ إلى الاجتماعية الصادقة التي افتقدها الغرب حينما اعتمد على الماديةِ العفنة، التي ربما أدت بينهم إلى تزايد معدلات الانتحار والجريمة على الرغم من التقدم الاقتصادي الهائل؛ ليبقى التقدم الحقيقي هو التقدم الذي يخدمك وليس الذي يؤرقُ مضجعَك ويشعرُك بالغربةِ وأنت في بيتك ومع عائلتِك؛ لنحيا جميعاً غربةً في ظل العولمة.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *