Skip to content
الفتوى الحرام

بقلم ـ الدكتور أحمد فخر الدين:

كُثرت، في الآونة الأخيرة فتاوى غريبة من المفتين على مستوى وسائل الإعلام كافةً، ورود أفعال متباينة من المستفتين، ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى نُقصان فهم عند هؤلاء المفتين، وتتبع لزلات العلماء عند أؤلئك المستفتين.

ولا بد من معرفة قدر العلماء، وعِظم المسئولية المُلقاه على كواهلهم، ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم»، والإفتاء في حقيقة أمره أمرٌ عظيم له قدره الرفيع؛ لأن المفتي وارثٌ ميراث الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ، وهو العلم.

ولا بد أن يُدرك العلماء، أن لكل عصر لساناً يختص به، ولغةً تُميزه، كما ينبغي عليهم أن يضعوا هذا العلم عند أهله، كما قال أبن مسعود: «لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله؛ لسادوا أهل زمانهم، ولكن وضعوه عند أهل الدنيا؛ لينالوا من دنياهم، فهانوا عليهم».

ولا بد للعلماء من احترام بعضهم البعض، فهم صفوة الأمة بما اختصهم الله تعالى بشرف العلم؛ لذا ينبغي عليهم عند تعارض فتاويهم في مسألة ما ألا يقدح أحدهم في الآخر، ولا يتعصب أحدهم لرأيه تعصباً أعمى.

والجدير بالذكر، أن فقهاء المذاهب السنية الأربعة اختلفوا في مسائل لا تُعد ولا تُحصى، ولكن هذا كله لم يمنع أن يصلي بعضهم خلف بعض، كما كان الحنفية والشافعية ـ مثلاً ـ يصلون خلف أئمة المدينة المنورة من المالكية، ولو لم يلتزموا بقراءة البسملة في بداية الفاتحة لا سراً ولا جهراً.

وينبغي على العالم، أن يحترم ويقدر مَن هو أكبر منه سناً، وأسبق منه زمناً، فلا يسب علماء عاشوا في أزمانٍ قبله، ولا يقلل منهم، بمجرد زلة لأحدهم، ولعل ما جاء عن عبد الله بن أحمد بن حنبل يدلل على ذلك، ويبرهن صدقه، حيث قال: «قلت لأبي: أي رجلٍ كان الشافعي، فإني أسمعك تكثر الدعاء له؟» فقال له: «كان كالشمس للدنيا، والعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلفٍ أو عوض؟!»، فتَعلَّمْ ـ أيها العالم ـ آداب العلم قبل أن تتعلم العلم، فالعلم يؤدب أهله.

هذا ما يختص بالعلماء، أما ما يختص بالمستفتين من عامة الناس، فأقول لهم: «وقِّروا العلماء وقدروهم، ولكن لا تغلوا في أحدهم، ولا تطروه، ولا ترفعوه عن قدره، فالكمال كله لله، والعصمة لرسوله»، وكما قال الإمام مالك: «كلٌّ يُؤخذ منه ويُرد إلا صاحب هذا القبر، وأشار بيده إلى قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ». وعلى هذا فنحن جميعاً بشر، نُصيب ونُخطيء، فلا نُعلي من أحدٍ لدرجة الغلو والإطراء، ولا نسب ولا نلعن ونرمي بالباطل علماءنا الأجلاء من السابقين والمعاصرين بمجرد بعض الزلات لهم، وعلى العالم ألا يُفتي فيما لا يعلم، فهذا ليس عيباً فيه، ولا تقليلاً لشأنه أن يقول: «لا أعلم، ففوق كل ذي علم عليم»، وقد خاطب الله تعالى رسوله الكريم بقوله: «ولا تقف ما ليس لك به علم».

وقد أدرك الرعيل الأول ذلك جيداً، فهذا الصديق أبو بكر يخاطب الصحابة معلماً: «أي سماءٍ تُظلني، وأي أرضٍ تقلني إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم؟!»، وعلى المستفتين ألا يتبعوا زلات العلماء، وهنا يقول الفاروق عمر محذراً الصحابة: «ثلاثة يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون».

فينبغي علينا ـ معشر المسلمين ـ عدم اتباع زلات العلماء؛ لأنها تؤدي للهلاك، وما أجمل ما قاله الإمام أحمد في هذا المقام: «لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة؛ لكان فاسقاً».

ولكن للأسف ـ كما قال أبن حزم ـ هناك قومٌ بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائلٍ، فهم يأخذون ما كان رخصةً من قول عالمٍ، مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى، ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.

فأعلموا ـ رعاكم الله ـ أن النفس البشرية دائماً ـ إلا مَن رحم ربي ـ تُؤثر الهوى، تأخذ الهوينى، تجنح للهوى، أمارةٌ بالسوء، طالبةٌ للراحة، فإن أكرهتها أنضيتها ـ أي: أهزلتها ـ، وإن أهملتها أرديتها.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *