Skip to content
«عبد الناصر» الزعيم «الغائب الحاضر»

تقرير – فرح الأعصر:                         

«الخائفون لا يصنعون الحرية، والمترددون لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء».

تلك هي الكلمات التى آمن بها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، واليوم مائة عام مرت على مولده، ولد «عبد الناصر» يوم ١٥ يناير ١٩١٨ في حي «باكوس» الشعبي بالإسكندرية، والتحق بروضة الأطفال في «محرم بك»، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية بالخطاطبة في عامي ١٩٢٣ ، و١٩٢٤.

وفي عام ١٩٢٥ دخل جمال مدرسة النحاسين الابتدائية بحي الجمالية في القاهرة، وأقام عند عمه في حي شعبي لمدة ثلاث سنوات، ثم التحق، في عام ١٩٢٩ بالقسم الداخلي في مدرسة حلوان الثانوية وقضى بها عاماً واحداً، ثم تم نقله في العام التالي ١٩٣٠، إلى مدرسة رأس التين الثانوية بالإسكندرية، بعد انتقال والده إلى العمل بمصلحة البريد هناك، وفى تلك المدرسة تكون وجدانه القومي؛ ففي عام ١٩٣٠ استصدرت وزارة إسماعيل صدقي مرسوماً ملكياً بإلغاء دستور ١٩٢٣، فثارت مظاهرات الطلبة تهتف بسقوط الاستعمار وبعودة الدستور.

ويحكى «عبد الناصر» عن أول مظاهرة اشترك فيها، حيث قال: «كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية، حين وجدت اشتباكاً بين مظاهرة لبعض التلاميذ وبين قوات من البوليس، ولم أتردد في تقرير موقفي؛ فلقد انضممت على الفور إلى المتظاهرين، دون أن أعرف أي شئ عن السبب الذي كانوا يتظاهرون من أجله، ولقد شعرت أنني في غير حاجة إلى سؤال، لقد رأيت أفراداً من الجماهير في صدام مع السلطة، واتخذت موقفي دون تردد في الجانب المعادي للسلطة».

ويضيف «عبد الناصر»: «مرت لحظات سيطرت فيها المظاهرة على الموقف، لكن سرعان ما جاءت إلى المكان الإمدادات؛ حمولة «لوريين» من رجال البوليس لتعزيز القوة، وهجمت علينا جماعتهم، وإني لأذكر أني في محاولة يائسة ألقيت حجراً، لكنهم أدركونا في لمح البصر، وحاولت أن أهرب، لكنى حين التفت هوت على رأسي عصا من عصى البوليس، تلتها ضربة ثانية حين سقطت، ثم شحنت إلى الحجز والدم يسيل من رأسي».

ويعود «عبد الناصر» إلى هذه الفترة من حياته في خطاب له بميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 أكتوبر 1954، ليصف أحاسيسه في تلك المظاهرة وما تركته من آثار في نفسه: «حينما بدأت في الكلام اليوم في ميدان المنشية، سرح بي الخاطر إلى الماضي البعيد، وتذكرت كفاح الإسكندرية وأنا شاب صغير، وتذكرت في هذا الوقت وأنا اشترك مع أبناء الإسكندرية، وأنا أهتف لأول مرة في حياتي باسم الحرية وباسم الكرامة، وباسم مصر».

والتحق «عبد الناصر» عام ١٩٣٣ بمدرسة النهضة الثانوية بحي الظاهر بالقاهرة، واستمر في نشاطه السياسي فأصبح رئيس اتحاد مدارس النهضة الثانوية، وفى تلك الفترة ظهر شغفه بالقراءة في التاريخ والموضوعات الوطنية فقرأ عن الثورة الفرنسية وعن «روسو» و«فولتير»، وكتب مقالة بعنوان «فولتير رجل الحرية» ونشرها بمجلة المدرسة، كما قرأ عن «نابليون والإسكندر ويوليوس قيصر وغاندي»، ورواية «البؤساء» لـ«فيكتور هيوجو» وقصة «مدينتين» لـ«شارلز ديكنز».

اهتم «عبد الناصر» بالإنتاج الأدبي العربي فكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – وعن أبطال الإسلام وكذلك عن مصطفى كامل، كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية «عودة الروح»، التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين، يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني.

وما ان أتم «عبد الناصر» دراسته الثانوية وحصل على البكالوريا في القسم الأدبي قرر الالتحاق بالجيش، وأيقن بعد التجربة التي مر بها في العمل السياسي، واتصالاته برجال السياسة والأحزاب التي أثارت اشمئزازه منهم، أن تحرير مصر لن يتم بالخطب بل يجب أن تقابل القوة بالقوة، والاحتلال العسكري بجيش وطني.

وتقدم «عبد الناصر» إلى الكلية الحربية فنجح في الكشف الطبي ولكنه سقط في كشف الهيئة؛ لأنه حفيد فلاح، وابن موظف بسيط لا يملك شيئاً، ولأنه اشترك في مظاهرات ١٩٣٥، ولأنه لا يملك واسطة، ولما رفضت الكلية الحربية قبوله، تقدم في أكتوبر ١٩٣٦ إلى كلية الحقوق في جامعة القاهرة ومكث فيها ستة أشهر إلى أن عقدت معاهدة ١٩٣٦.

واتجهت النية بعد هذه المعاهدة إلى زيادة عدد ضباط الجيش المصري من الشباب بصرف النظر عن طبقتهم الاجتماعية أو ثروتهم، فقبلت الكلية الحربية دفعة في خريف ١٩٣٦، وأعلنت وزارة الحربية عن حاجتها لدفعة ثانية، فتقدم جمال مرة ثانية للكلية الحربية، ولكنه توصل إلى مقابلة وكيل وزارة الحربية – اللواء إبراهيم خيري، الذي أعجب بصراحته ووطنيته وإصراره على أن يصبح ضابطاً، فوافق على دخوله في الدورة التالية، أي في مارس ١٩٣٧.

ووضع «عبد الناصر» أمامه هدفاً واضحاً في الكلية الحربية وهو أن يصبح ضابطاً ذا كفاية، وأن يكتسب المعرفة والصفات التي تسمح له بأن يصبح قائداً، وفعلاً أصبح رئيس فريق، وأسندت إليه منذ أوائل ١٩٣٨، مهمة تأهيل الطلبة المستجدين الذين كان من بينهم عبد الحكيم عامر، وطوال فترة الكلية لم يوقع على جمال أي جزاء، كما رقى إلى رتبة «أومباشي طالب».

وتخرج «عبد الناصر» من الكلية الحربية بعد مرور ١٧ شهراً، أي في يوليو ١٩٣٨، فقد جرى استعجال تخريج دفعات الضباط في ذلك الوقت؛ لتوفير عدد كافي من الضباط المصريين؛ لسد الفراغ الذي تركه انتقال القوات البريطانية إلى منطقة قناة السويس.

وقد كانت مكتبة الكلية الحربية غنية بالكتب القيمة، فمن لائحة الاستعارة تبين أن «عبد الناصر» قرأ عن سير عظماء التاريخ مثل: «بونابرت والإسكندر وجاليباردي وبسمارك ومصطفى كمال أتاتورك، وهندنبرج، وتشرشل وفوش».

وقرأ كذلك الكتب التي تعالج شئون الشرق الأوسط والسودان، ومشكلات الدول التي على البحر المتوسط والتاريخ العسكري، وكذلك قرأ عن الحرب العالمية الأولى.

والتحق «عبد الناصر» فور تخرجه بسلاح المشاة ونقل إلى «منقباد» في الصعيد، وقد أتاحت له إقامته هناك أن ينظر بمنظار جديد إلى أوضاع الفلاحين وبؤسهم، وقد التقى في «منقباد» بكل من زكريا محيى الدين، ومحمد أنور السادات.

وفي عام ١٩٣٩ طلب «عبد الناصر» نقله إلى السودان، فخدم في الخرطوم وفى جبل الأولياء، وهناك قابل زكريا محيي الدين وعبد الحكيم عامر، وفى مايو ١٩٤٠ رقى إلى رتبة الملازم أول.

وشهد عام ١٩٤٥ انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية حركة الضباط الأحرار، ويقول «عبد الناصر» في حديثة إلى «دافيد مورجان»: «ركزت حتى ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس، الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور في مصر مبلغ استيائي، والذين توفرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم  الكافي، للإقدام على التغيير اللازم، وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين، نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة في هدف مشترك، وفى خطة مشتركة».

وعقب صدور قرار تقسيم فلسطين في سبتمبر ١٩٤٧ عقد الضباط الأحرار اجتماعاً، واعتبروا أن اللحظة جاءت للدفاع عن حقوق العرب ضد هذا الانتهاك للكرامة الإنسانية والعدالة الدولية، واستقر رأيهم على مساعدة المقاومة في فلسطين.

وفى فبراير ١٩٥٤ استقال محمد نجيب بعد أن اتسعت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة، وعين جمال عبد الناصر رئيساً لمجلس قيادة الثورة ورئيساً لمجلس الوزراء، وفيما يلي البيان الذي أذاعه المجلس بأسباب ذلك الخلاف يوم 25 فبراير 1954.

وفى ١٧ أبريل ١٩٥٤ تولى جمال عبد الناصر رئاسة مجلس الوزراء واقتصر محمد نجيب على رئاسة الجمهورية إلى أن جرت محاولة لاغتيال «عبد الناصر» على يد الإخوان المسلمين، عندما أطلق عليه الرصاص أحد أعضاء الجماعة وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم ٢٦ أكتوبر ١٩٥٤.

وثبت من التحقيقات مع الإخوان المسلمين أن محمد نجيب كان على اتصال بهم، وأنه كان معتزماً تأييدهم إذا ما نجحوا في قلب نظام الحكم، وهنا قرر مجلس قيادة الثورة يوم ١٤ نوفمبر ١٩٥٤، إعفاء محمد نجيب من جميع مناصبه على أن يبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً، وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولى كافة سلطاته بقيادة جمال عبد الناصر.

وفي يوم ٢٤ يونيه ١٩٥٦ انتخب جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية بالاستفتاء الشعبي وفقاً لدستور ١٦ يناير ١٩٥٦ ـ أول دستور للثورة – وفي يوم ٢٢ فبراير ١٩٥٨ أصبح جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة بعد إعلان الوحدة بين مصر وسوريا، وذلك حتى مؤامرة الانفصال التي قام بها أفراد من الجيش السوري في ٢٨ سبتمبر ١٩٦١، ليظل بعدها رئيساً لجمهورية مصر العربية، حتى رحل عن عالمنا يوم ٢٨ سبتمبر 1970.

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *