التخطي إلى المحتوى
الطب الشعبي «نعمة أم نقمة»

أعاد الأمل لكثير من المرضى… وفشل مع البعض الأخر

«الصحة العالمية» تشجعه وتهدف لتقنينه ومصر «تُجرمه»

تقرير ـ د. أمل حجازي:

«ألم» كلمة تكتب على الورق ولا تقرأ، إلا من خلال فم يتأوه، أو عيون تستغيث، أو عضلات تتشنج وجسد يعجز عن التحمل، خاصة إذا كان السبب مرضا مزمنا لا يرجى منه شفاء قريبًا.

فلم يكن يخطر ببال دكتورة أماني يوما أن تخوض تلك التجربة، وهي طبيبة أسنان ذات التفكير العلمي، إلا إن إصابتها بالانزلاق الغضروفي والآلام المبرحة المصاحبة له والتي فشلت المسكنات في تخفيفها خلال الـ10 سنوات الماضية، كما أن الإلحاح المستمر من زوجها دفعها للذهاب إلى الشيخه نجوى، التي ذاع صيتها وأشاد بها العديدين.

«المريضة» مثل ملايين البشر حول العالم يعتبرون الطبي الشعبي المصدر الرئيسي للحصول على رعاية صحية قليلة التكلفة «أقرت ذلك منظمة الصحة العالمية» بدلا من ممرات المستشفيات وغرف الأشعة ومعامل التحاليل باهظة التكاليف إضافة لضعف الأمل بالشفاء من مرض طالت صحبته، أو إعاقة لازمتهم .

وبعد أن تم تحديد مكان الألم على ظهر «أماني» رقدت متجهة لمرتبة صغيرة موضوعة على أرضية غرفة شبه خالية داخل منزل ريفي، في قرية تابعة لمركز أبو المطامير، محافظة البحيرة، لتدق «الشيخه نجوى» بشاكوش دقات متتالية خفيفة على رأس آخر طرفه على منطقة الانزلاق، مثبتة قدمها اليمنى أعلى ظهرها، بعد أن نبهت عليها بعدم الحركة، بجملة فاجأتها «ما تتحركيش يا بت»، بعدها وضع مساعدها «ناصر» رباطاً سميكاً أعلى ركبتيها، ثم فكه وكرر هذا الفعل أكثر من مرة نزولاً إلى ما تحت الركبة، في الوقت الذي تحذرها «الشيخه» من أكل اللحوم الحمراء، أو النوم على ظهرها، مع تجنب حمل أثقال لمدة 10 أيام.

وعن تجربته التي خاضها منذ 8 سنوات، يقول محمد الشرقاوي، 55 عاما: «ما حدث لي أشبه بالمعجزة»، حيث أصيب بالانزلاق الغضروفي، واشتدت آلامه لدرجة أثرت على قدرته على المشي، ولم يجد عند الأطباء علاج فاعلاً سوى قرار – رفضه – بضرورة الخضوع للجراحة، بعدما أجراها قريب له، وخرج على أثرها يعاني من شلل نصفي، فقرر الذهاب إلى «الشيخه» بعدما تعددت قصص الشفاء التي سمع بها ممن تلقوا العلاج على يديها، ليخرج من عندها بعد جلسة واحدة، وقد زالت آلامه ولم تعاوده بعدها.

وتشرح المعالجة الشعبية – الشيخه نجوى، ذات الواحد وتسعون ربيعاً طريقتها في علاج الانزلاق الغضروفي، فتقول: «أرد الغضروف الذي يبرز بين الفقرتين بالدق عليه حتى يعود إلى مكانه، ثم أثبته واقفل عليه بالربط المحكم، ثم أفك لتحفيز جريان الدم، الذي يحمل معه الالتهاب ويزيله».

وتعبر «الشيخه» عن فخرها بما تقوم به، واصفة إياه «بالإرث العائلي الخاص بأسرتها منذ آلاف السنين»، لافتة إلى أن عائلتها لا يعالجون إلا الانزلاق الغضروفي، معتبرة توافد المرضى عليها من كافة أنحاء الوطن العربي، والعروض التي تتلقاها من أمراء وأثرياء عرب للعمل في الخليج، وزيارة كبار أطباء العظام لها وإعجابهم بطريقتها، بمثابة الدليل الأبلغ على فاعلية علاجها، غير مبالية بعدم الاعتراف الرسمي بنشاطها، فهي كما تقول: «لا أطلب أموالاً من أحد ولا يأتي إلي إلا من يقصدني للعلاج بكامل إرادته».

ومن جانبه، يعبر مدرس طب وجراحة العظام بجامعة المنيا – الدكتور محمد كمال العريني، عن عدم اعترافه بأي علاج لا يرتكز على أساس علمي، قائلا: «هذه الطرق ليست علاجية، وإنما هي من وسائل تخفيف الألم، فهي عملية ميكانيكية تعتمد على الخبرة والتدريب وتأثيرها مؤقت، وتفتقد الوسائل التشخيصية كالإشاعات، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى مشاكل خطيرة».

ويفجر «كمال» مفاجأة بقوله أن العديد من أطباء العظام اتجهوا مؤخراً لهذه الطرق العلاجية، واكتسبوا شهرة من خلال ممارستها، ويفد إليهم المرضى من كل حدب وصوب.

وبالعودة إلى «أماني» والتي على الرغم من التزامها بتعليمات «الشيخه»، إلا إن آلامها لم تنتهي، لدرجة منعتها من النوم والاستلقاء، مصحوبة بهواجس حول جدوى مراجعتها، والخوف من تأثر ظهرها بتلك المغامرة، والندم بعد مرور أيام دون تحسن على المجازفة بصحتها بناءا على كلام الناس.

«ليست كل طرق العلاج الشعبي فاعلة، فهناك أساليب اعتمدها العلم وأثبتت كفاءتها مثل الحجامة والعلاج بالأعشاب والإبر الصينية، وهناك أساليب أخرى لا تحقق إلا الراحة النفسية للمريض»، هكذا قالت رئيس قسم الأنثروبولجي بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية – دكتورة ميرفت العشماوي، مقرة بوجود الطب الشعبي منذ أن وجد الإنسان على الأرض، وبانتشاره في الهند والصين وباكستان، حيث يعرف ممارسوه بالأطباء الحفاة، ويحوزون شهادات جامعية، وتمنحهم تلك الدول تراخيص؛ لمزاولة المهنة.

وتتابع «العشماوي»: «شهدت مصر في الماضي القريب اهتمام النظام الصحي واعترافه بالعلاج الشعبي، متمثل في ترخيص بمزاولة التوليد للقابلات، والاعتراف غير المباشر الذي حظي به بائعوا العطارة، والذي مكنهم من صرف وصفاتهم العلاجية دون رقابة».

ووفقا لمدير إدارة العلاج الحر بالإسكندرية – الدكتور محمد طارق، والذي تقوم إدارته بعمل حملات تفتيشية لضبط تلك الأماكن وإبلاغ النيابة العامة عنها، فإن القانون المصري ينص على أن ممارسة الطب تقتصر فقط على من لديه تصريح من وزارة الصحة بمزاولة المهنة، ويجرم من يتصدى لعلاج المرضى دون هذا التصريح، ويعده نوع من النصب.

وفي المقابل، تعد منظمة الصحة العالمية من ضمن أهدافها، الاستخدام الآمن للطب الشعبي؛ ليساهم في تحقيق الصحة والعافية والرعاية الصحية المطلوبة، عن طريق تنظيم المنتجات والممارسات والممارسين، وفقا لمدير عام المنظمة العالمية – دكتورة «مارجريت شان».

وعلى الرغم، من اعتبار «فيصل» ما حدث له بالمعجزة، إلا أن «أماني» لا تنسى معاناة الأيام التي تلت ذهابها للشيخة نجوى والتزامها بجلسات العلاج الطبيعي، وتناول ما يصفه لها الأطباء من مسكنات عندما تهاجمها الآلام، دون أي محاولة منها لتجربة طرق علاجية غير تقليدية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *