التخطي إلى المحتوى
بناءًا على قرار الأطباء… لا للولادة «الطبيعية» في مصر

• منظمة الصحة العالمية: وباء «القيصرية» خطر يُهدد الأمهات
• «المسح الصحي 2014»: نسبتها تضاعفت في مصر خلال 8 أعوام
• «أبوالقاسم»: أطفال «القيصرية» عرضه للإصابة بالصدمة النفسية

تحقيق ـ د. أمل حجازي:

على الرغم من أن الولادة تعد «عملية طبيعية» كما تنص المراجع الطبية، وأن «التدخل الطبي، لا ينبغي تقديمه أو النصح به إذا كانت عملية الولادة تتطور بشكل طبيعي» فإن 52% من النساء في مصر يُنجبن أولادهُنَ بواسطة «القيصرية»، ويتوقع لهذه النسبة أن تزيد، وفقًا لما ذكره دليل المسح السكاني الصحي «مصر 2014»، معتبرا ذلك أمرا مقلقًا، وتعد هذه النسبة 4 أضعاف ما حددته منظمة الصحة العالمية لمعدلات «القيصرية» والتي يفترض ألا تزيد عن 15% من حالات الولادة، حيث أشارت دراسة للكلية الأمريكية لطب النساء والولادة، أن «عملية القيصرية» تمثل مصدر خطورة كبيرة، قد يصل لحد للوفاة لكل من الأم وطفلها.

• موضة القيصرية:

الدكتورة يارا محمد ـ صيدلانية سكندرية 25 عامًا، تقول «كنا 3 صديقات، تزوجنا حديثا، وتمنينا أن نلد طبيعي، خلافا لكثير من الفتيات، إلا إنه في النهاية ولدنا جميعا قيصرية» واصفة ذلك بالتجربة السيئة نتيجة الألم الشديد الذي عانت منه بعد العملية، وصعوبة إرضاع طفلها، وتأثر عضلات بطنها، متمنية أن تلد طفلها القادم طبيعيًا، على الرغم من توقع طبيبها أن احتمالات ولادتها قيصريًا تصل نسبته 90%..

وتضيف «يارا» أن القيصرية ـ فضلا عن كونها «موضة» يقلدها الجميع، فقد اتخذتها المستشفيات الخاصة كنوع من البيزنس، حيث يوفرون عدة عروض للمريضة بدءا من الحصول على حقنة «الإبيديورال» المسكنة للألم بعد الولادة، ثم اختيار درجة الغرفة «عادية ـ أولى ـ جناح» وخيار تزيينها بما يناسب نوع المولود، إضافة إلى «فوتوسيشن» للام والرضيع، وتوفير كوافير لتصفيف شعر الأم وعمل «بودي كير»، ما يصل بالقيصرية في بعض مستشفيات الإسكندرية إلى 14 ألف جنيهًا.

«مفيش حاجة اسمها ولادة طبيعية دلوقتي» تقول «أم أحمد» سيدة ريفية 45 عامًا، من قرية تابعة لمركز المحمودية محافظة البحيرة، مستشهدة في ذلك بأن الأطباء في بلدتها لا يولدون إلا بواسطة القيصرية، التي وصلت تكلفتها إلى 7 آلاف جنيهًا، وهذا ما حدث مع نجلتها الصغرى عندما أنجبت طفلتيها، وترى أن صغر سن الفتيات في الريف مع صحتهم الضعيفة ـ بحسب وصفها ـ لا تمكنهم من الولادة الطبيعية، قائلة: «من تلد طبيعي هذه الأيام تصبح مثار حديث وتعجب أهل القرية، كما حدث مع نجلتي الكبرى منذ 4 أعوام، فقد حُسدت لتعجب جيراني من قوتها التي مكنتها من الولادة الطبيعية لطفلها، مما أدى إلى مرضها الذي استمر لأشهر».

• وقت الطبيب لا يسمح بالولادة الطبيعية:

وفي هذا الصدد، يقول استشاري النساء والتوليد ـ دكتور عصام مراد: «هناك حالات مُحددة يتحتم فيها الولادة القيصرية ـ إلا أن الكثير من الأطباء أصبحوا يُفضلون الولادة القيصرية عن العادية دون دواعي طبية، مبررين ذلك بأنها «عملية بسيطةۛ» توفر لهم الوقت من 30 ـ 45 دقيقة، وعائدها المادي كبير يتراوح بين 7 ـ 25 ألف جنيهًا في القاهرة «العاصمة» ولا يجدون صعوبة في إقناع «الأم» بحتميتها، وما ستوفره لها من راحة ومرونة في اختيار ميعاد الولادة، مستغلين قلقها على جنينها؛ بشأن ضيق الحوض، أو قلة المياه حول الطفل، أو ضعف نبضه، أو تليف المشيمة، دون أي سند «طبي» يدعم كلامهم، ودون محاسبة ومراجعة لعواقب هذا القرار، حال تعرض «الأم» لمضاعفات «القيصرية» أثناء وبعد الولادة.

ويُحمل «مراد» المنظومة الطبية في مصر، المسئولية عن زيادة نسبة القيصرية، حيث لا ترتبط المريضة بالمستشفى، بل بطبيب محدد قد لا يسمح وقته «خاصة المشهورين منهم» إلا بالولادة القيصرية، لدرجة أن البعض منهم يكتفي بإجراء جزء من الجراحة؛ حتى إخراج الجنين تاركًا مُساعده ليُكملها، كما أن هناك طبيبات يتفقن مع طبيب أخر «أكثر خبرة» لإجراء العملية دون علم المريضة بعد تخديرها، ناهيك عن النواب في المستشفيات التعليمية، الذين يجعلون من الولادة القيصرية فرصة للتدريب «العملي».

وعن الحل، يُشدد «مراد» على ضروه تغيير المنظومة الطبية لتواكب مثيلتها في البلدان المتقدمة، والتي تعتمد على الأطباء المتفرغين، الذين يمنحون المريضة ما تستحقه من وقت، كما يقوم بتوثيق كل ما يتعلق بالمريضة وحالتها «والتشخيص والفحوصات التي تجرى لها منذ دخول المستشفى» ويلتزم الطبيب ببروتوكول محدد لا يمكن تجاوزه بإجراء قيصرية ـ إلا بعد عمل فحوصات محددة مثل رسم قلب الجنين وإشاعات تؤكد تشخيصه، إضافة إلى موافقة الاستشاري ليستطيع إجراء الجراحة.

ويذكر أن «النزيف قبل الولادة بسبب المشيمة ‏المنزاحة، وانفصال المشيمة الباكر، وعدم تناسق حجم رأس الجنين مع حوض الأم، والمجيء الجبهي والوضع ‏المستعرض» من الدواعي الطبية التي يتحتم معها التوليد بواسطة القيصرية، تبعًا لمنظمة الصحة العالمية، والتي حذرت من أن معدل الوفيات لدى الأمهات اللواتي خضعن للقيصرية يمثل من 4 ـ 10 أضعاف عدد النساء اللواتي وضعن بطريقة طبيعية.

• «هتجيب الفيلا والعربية منين؟!»:

تؤكد أخصائية النساء ولتوليد بمستشفى المنيا العام ـ دكتورة سامية فهيم على أن كثير من الأطباء يستبعدون خيار الولادة الطبيعية، لدرجة أن طبيبة شهيرة في المنيا تجري في اليوم الواحد 11 قيصرية، وتقوم أثناء الكشف على المريضة في شهرها التاسع من الحمل وقبل ميعاد الولادة بوضع قرص من عقار يحفز الطلق «ميزوتك» دون علم المريضة، ثم تقنعها بعد بدأ تقلصات الرحم بحتمية إجراء القيصرية لسلامة الطفل. وتضيف «فهيم» متعجبة: «هتجيب الفيلا و العربية منين».

وأما استشاري التخدير ـ الدكتور طارق عثمان، فعدد بعض ما عاينه من مضاعفات «القيصرية» كالنزيف الناتج من إصابة أحد الشرايين الكبرى، وعدم تقلص الرحم بعد الجراحة واستئصاله، وإصابة الأمعاء أو الحالب، وما قد ينتج عنه من فشل كلوي، مضيفا «أما تلوث الجرح، والإصابة بجلطة في الساق، أو في أماكن متفرقة من الجسم، والوفاة، فهي صور لمضاعفات ما بعد الجراحة» كما تضعف موازنة وزارة الصحة، موضحا أن هناك وسائل حديثة للولادة الطبيعية بدون ألم تناسب من يدفعهن الخوف لاختيار «القيصرية».

وتقول أخصائية النساء والتوليد بالمركز الإقليمي لصحة وتنمية المرأة بالإسكندرية ـ دكتورة هناء أبو القاسم: «تصنف القيصرية في الطب كعملية كبرى، وهناك أسباب طبية قليلة ومحددة لإجرائها، وماعدا ذلك يعد ضررا للأم والطفل، وأتعجب ممن يروجون لفكرة أنها أكثر أمانا، فكيف يكون الممر الذي أعده الله لنزول الطفل اقل أمانا من طريق أعده البشر».

• التعليم هو الحل:

وتوضح «أبو القاسم»، أن الولادة الطبيعية تهيئ الطفل جسديًا ونفسيًا للخروج إلى الحياة؛ فانقباضات الرحم تجهز الطفل وتساعده على تعديل وضعه، ليشق بنفسه الطريق إلى الخارج، مستعدًا وكامل النمو، يتمتع بقلب سليم وتنفس منتظم وجهاز وعصبي قوي، وقدرته على الرضاعة أكبر من الطفل المولود عن طريق الجراحة، والتي يخرج بواسطتها من بطن أمه في خلال 4 دقائق مما يحرمه من كل ما سبق وقد يتسبب له بصدمة نفسية.

وعن الحل، تقول أخصائية النساء والتوليد، إنه يتلخص في «التعليم»؛ وتدريب الأطباء؛ للقضاء على الممارسات الطبية الخاطئة أثناء الولادة، وتوعية الأمهات وتعليمهم طرق التعامل مع الألم؛ عن طريق حلقات تعليم الحمل والولادة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم، متمنية أن تبذل كل أم مجهود كافي لمنح طفلها الفرصة لإيجاد طريقه الطبيعي للخروج إلى الحياة، وتبحث جيدا عن طبيب ممن يفضلون الولادة الطبيعية، وعن مكان يحقق لهما أفضل رعاية، لتتحول الولادة من «حدث طبي جراحي، إلى حدث سعيد مثلما كانت في الماضي القريب».

ومع تفشي وباء القيصريات «كما لقبته منظمة الصحة العالمية» وازدياد معدلاتها، لتصل إلى 4 أضعاف المعدل الطبيعي، بما يمثله ذلك من مخاطر محتملة على صحة الأم والطفل، وعبء اقتصادي على الأفراد والدولة، ما حدا بالمجلس القومي للمرأة أن يحدد ضمن أهداف «إستراتيجية تمكين المرأة 2030» والتي تسعى للتمكين الاجتماعي والحماية للمرأة، خفض نسبة القيصرية من 52% إلى 34% بحلول، 2030، لذا فالأمر يتطلب تدخل عاجل من القائمين على الملف الصحي.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *