التخطي إلى المحتوى
جنسية «تيران وصنافير» نتيجة طويلة المدى لـ«الإستعمار»

كتب ـ رؤية الجندي وفهد أبوعميرة:

«تيران وصنافير» جزيرتان، دار حولهما جدل يخص السيادة بين مصر والسعودية، تقع الجزيرتان في مدخل مضيق تيران الذي يفصل خليج العقبة عن البحر الأحمر، وتبعد جزيرة تيران عن صنافير بحوالي 2.5 كم، وتبلغ مساحة تيران 80 كم²، منشأ عليها مطار صغير؛ لتقديم الدعم اللوجستي لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، فيما تبلغ مساحة صنافير 33 كم².

واحتلت إسرائيل، جزيرة تيران مرة عام 1956م ضمن أحداث العدوان الثلاثي، وأخرى بأحداث حرب يونيه 1967م، وانسحبت منها عام 1982م ضمن اتفاقية «كامب ديفيد» الموقعة بين الرئيس الراحل «السادات» و«مناحم بيجن» لتعود الجزيرة إلى الحماية والإدارة المصرية عقب انسحاب الاحتلال منها، ويتواجد بها حاليًا قوات دولية متعددة الجنسيات بحسب الاتفاقية، ومعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، حيث تقع في المنطقة «ج» من حيث التسليح العسكري.

وطالبت المملكة العربية السعودية مصر بتبعية الجزيرتان خلال أكثر من مناسبة، وفي 9 أبريل 2016 وقعت الحكومة المصرية والمملكة العربية السعودية، اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين البلدين، والتي طبقًا لبنودها تقع الجزيرتان داخل الحدود البحرية السعودية ـ إلا أن المحكمة الإدارية العليا برئاسة المستشار أحمد الشاذلي، أصدرت حكمها النهائي في 16 يناير 2017 ببطلان توقيع الاتفاقية، فيما أقر البرلمان المصري برئاسة الدكتور علي عبد العال، الاتفاقية في 14 يونيو 2017، ولا زالت القضية معروضة أمام المحكمة الدستورية العليا.

وتنوعت ردود أفعال المصريين، بل أعضاء البرلمان أنفسهم بين مؤيد يُقابله عشرات المعارضين، ليطفو على الساحة سؤال لم ينتبه أحدٌ إليه: ما مشكلة نقل السيادة من دولة عربية لشقيقتها العربية؟ والإجابة «التقسيم»؛ فمنذ عشرات السنين والعرب مُقسمون بخطوط وهمية على ورقةٍ سميت بالخريطة، لتصبح حدودًا سياسية، ثم أخذت تلك التصدعات بالانتشار لتفتت الوطن الواحد إلى 22 دولة، لكلٍ منهم سيادتها المستقلة، وشعبها الذي يحمل تاريخًا، ولغةً، ودمًا واحدًا، ولهجاتٍ متعددة، بعضها مختلطٌ بلغاتٍ أخرى نتيجةً للاستعمار.

•العرب من قبائل متشعبة إلى أمة موحدة:

مرّت الأمة العربية بتاريخ طويل الأمد، أمتد لمئات السنين قبل الميلاد، حيث بدأ في الجزيرة العربية وبلاد الشام والعراق، ثم أخذ يتسع إلى شمال أفريقيا، حيث المجموعات والقبائل العربية المتنقلة من مكان إلى آخر عبر التاريخ لأسباب تجارية، أو استيطانية، أو معيشية، حتى ظهور الإسلام الذي كان السبب الرئيسي في توحد هذه المناطق العربية في دولة واحدة تابعة لقائد واحد هو الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن بعد الخلفاء الراشدين، وأستمر هذا الحال في مختلف الدول الإسلامية التي نشأت بداية من الدولة الأموية، مرورًا بالدولتين العباسية والفاطمية، ووصولًا إلى آخر دولة خلافة إسلامية وهي الدولة العثمانية، التي سقطت نهائيًا عام 1924م على يد مصطفى كمال أتاتورك، لتبدأ مرحلة تفرق الدول المُتجمعة.

•الأمة العربية وسنوات الاحتلال العجاف:

تعرضت الأمة العربية لاستعمار وهجمات، بدأت من الحملات الصليبية والمغولية إلى الاستعمار الغربي المتمثل بالدول الأوروبية، والذي تقاسمت الوطن العربي بينها وهي: «بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا» ونهايةً بالاستيطان الصهيوني، الذي قام بجمع شتات الذين ينتمون للديانة اليهودية وتوطينهم في فلسطين؛ أملاً في تكوين دولة لهم «إسرائيل» وناضلت الشعوب العربية ضد كل استعمار منهم، وكان النضال محليًا وغير منظم، ففي ليبيا مثلاً، كانت مقاومة ضد الاستعمار الإيطالي وفي مصر ضد الإنجليزي وفي سوريا ضد الفرنسي؛ أملًا في حصول كل منهم على استقلالها من الاستعمار الغربي المباشر، وقد تحقق مراد كل الدول العربية عدا فلسطين، بعد ذلك أُقيمت دول عربية حسب تقسيمات قررتها الدول الغربية المستعمرة، ومصالح محلية بحيث فصلت بين مراكز الثروة والتجمعات السكانية بهدف منع قيام وحدة عربية حقيقية.

•نتائج طويلة المدى لما بعد الاحتلال:

استمرت الدول تنقسم شيئًا فشيء، حيث انفصلت مصر والسودان إلى دولتين مستقلتين بعد ثورة «الضباط الأحرار» يوليو 1952، وسقطت الإدارة المصرية عن قطاع غزة في أعقاب «حرب الأيام الستة» نكسة 1967، ومؤخرًا انفصلت جنوب السودان عن شمالها في استفتاء رسمي يوليو 2011، وبعد قيام ما سميت بثورات الربيع العربي 2011، برز على الساحة ما يُعرف باسم مشروع الشرق الأوسط الجديد، والذي يهدف إلى تقسيم الدول إلى دويلات، وذلك عن طريق بروز مشاكل على ساحة كل دولة من حين لآخر، فننتقل بذلك من مرحلة تقسيم الأمة العربية إلى تقسيم المُقسم منها، حتى وصلنا إلى مشكلة جنسية جزيرتي تيران وصنافير، وإلى أي دولة تتبع، ويبرز بين وقتٍ وآخر أمر مثلث حلايب وشلاتين، والغريب أن كل الدول المتنازعة في المشكلتين السابقتين “عرب”.

كل تلك الأحداث، نتاج لتعرض العرب لعدة إستعمارات، خلفت وراءها مشاكل عرقية أو طائفية أو مشاكل في حدود كل دولة مع جيرانها، ولا يعني بأي حال أن ما عرضناه في هذا التقرير يرسخ لعقيدة التنازل عن الأراضي المصرية لأي بلد كانت، ومن باب تسميه الأشياء بمسمياتها، إن كان لابد من التقسيم، فإن التنازل عن أرضٍ مصرية، يتعارض مع القسم الجمهوري، والذي ينص على واجب «المحافظة على استقلال الوطن، وسلامة أراضيه»، فالبلد التي ضحى رجالها بأرواحهم وسلامتهم، أحق بسيادتها، ناهيكم عن ملكيتها التاريخية.

•الدستور والقانون يحميان حدود الدولة المصرية:

وينص الدستور المصري في المادة 150 على أن «يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور، ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح والتحالف وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة، وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة».

والدستور يحدد بذلك الطرق القانونية التي يجب إتباعها في اتفاقية مثل «تيران وصنافير»، والتي ليس من ضمنها أن يتم الاكتفاء بإقرار البرلمان لها، حيث أن المحكمة الإدارية العليا، أصدرت حكمًا نهائيًا، يناير الماضي، يقضي برفض الاتفاقية، ما يعني ضرورة احترام أحكام القضاء، مثلما يتم رفع شعار «لا تعقيب على أحكام القضاء» في القضايا المتعلقة بالشئون السياسية، وبالأحرى أيضًا تطبيقه على القضايا المتعلقة بسيادة الدولة، حتى لا نقع في فخ ازدواجية المعايير.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *