التخطي إلى المحتوى
العنف والتغير الاجتماعي

بقلم ـ دكتور هشام فخر الدين:

إن المدقق والمتعمق في ظاهرة العنف يجدها ظاهرة لا يخلو منها مجتمع وتنطوي على إشكالية متعددة الابعاد تتداخل فيها عدة عوامل منها النفسي والبيولوجي والاجتماعي فضلا عن وجود ميكانيزمات أخرى تسهم بدرجة ما في دفع الفرد إلى ارتكاب العنف.

فكما يرى علماء الاجتماع أن العنف يمثل نزعة طبيعية، حيث أن الطبيعة البشرية عند البعض مشبعة بالعنف، إلا أن الأمر يتضح أكثر حينما نربط العنف بالتغيرات التى تطرأ على المجتمع الانسانى حيث أن التغير سمة من سمات المجتمعات الإنسانية، فالظواهر الاجتماعية متغيرة بطبيعتها.

فلا يمكن قراءة الأسباب الكامنة وراء التغير الاجتماعي من منظور منفرد مما يدعو الى الرجوع إلى مجموعة نظريات مفسرة للتغير، منها ما يركز على العنصر المادي للمجتمع باعتباره العامل الفاعل لعملية تغير في المجتمع، ومنها ما يركن إلى وظائف البني الاجتماعية ويعتبرها الأساس للتغير الاجتماعي، في مقابل نظريات أخرى ترى أن السلوك الفردي هو الذي يحدث التغير الاجتماعي.

فأفراد المجتمع حينما يشعرون بالقلق على التوازن الاجتماعي فإنهم بسلوك دفاعى عنيف عن حالة التوازن السابقة يشكلون سبباً في إحداث قطيعة مع التوازن الماضي وإحداث تغير على مستوى البنية على شكل تحولات في القيم لإيجاد حالة من التوازن.

فالتغير الاجتماعي عملية سياسية في جوهرها ويساهم في الوقت نفسه في تطوير وتغيير أنماط الجرائم والمشكلات الاجتماعية في المجتمع فضلا عن الدور الذي يلعبه في ظهور أنماط جديدة من العنف بشتى أنواعه السياسي منه والجنائي والاجتماعي، حيث يشير السلوك المنحرف إلى ظاهرة مرضية أصابت جسد المجتمع الانسانى خاصة تلك التي امتازت بالتحضر.

وترتب على ذلك تغير نمط الحياة وطرق العيش مما تولد عنه التقليد الاعمى للآخر دون مراعاة للتنوع الثقافي وخصوصية المجتمع، بما يخالف بوضوح العناصر الثقافية الاصيلة التى يقرها العرف مما تولد عنه خللا في المنظومة الأخلاقية لأفراد المجتمع.

ويعود ذلك بشكل أساسي إلى فقدان مؤسسات التنشئة الاجتماعية وفي مقدمتها الأسرة لدورها التربوي والتوجيهي والإرشادي في غرس وتلقين ثقافة المجتمع الأصيلة لأفراد المجتمع والتي تمثل حصناً منيعاً لمواجهة كافة أشكال ومظاهر ومحاولات اختراق العقول ودحض القيم الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية الأصيلة التي يقرها العرف والدين والقانون بما يواجه صراع القيم بمظاهره ودحض كافة مظاهر الحيرة والقلق والاضطراب والإحباط والتردد لدى أفراد المجتمع.