التخطي إلى المحتوى
اخجل من نفسك

بقلم الدكتور ـ عبد الهادي فخر الدين:

حينما أتكلم عنها أخجلُ من نفسي وأصرُ أن أتعلمْ، وحينما أتخيلُ حالَها أتألمْ، وحينما أرى رفضَها للإستسلامِ أرفعُ القبعةَ إعجاباً وأقولُ: مَنْ مِثلَها يتحمَّلْ، وأتعجبْ من نفسي ومِمن حولي وأتساءل، ماذا لو فَقدتَ بصرَك يوماً، ربما لا تقفُ الحياةُ، لكنها حتماً ستنتهى بفقدان البصرِ والسمعِ معاً.

حينما أذكرُ (هيلين كيلير) التى فقدت السمعَ والبصرَ معاً فى سن عامٍ ونصف وأعلمُ أنها تغلَّـبتْ على هذه الإعاقةِ التى لا أحتملُ أن أتخيلَها، بل أشعرُ باختناق حينما أتخيلُ نفسى فى هذه الحالةِ القاسية التى لا تذرُ للأملِ ولا للسعادة باباً إلا وتغلقُه، فهي وكأنها في صندوقٍ مظلمٍ محجوبةً عن العالمِ الخارجى ومعزولةً عنه بشكلٍ تام.

كيف لها أن تُسايرَ هذا العالم وكيفَ لها أن تتواصلَ معه، فتُجيبُ تلك المعجزة بما يفوق الوصفَ والتخيُلَ، فهي التي حصلت على دكتوراة الفلسفة في الآداب وتعلمت 4 لغاتٍ بخلاف لغتِها الأصليةِ التى لم تسمعها يوماً ولم تمارِسُها ولو للحظات، بل وتتركُ وراءَها أكثرَ من ثمانيةِ 10 مؤلَف تُرجمت إلى عشراتِ اللُغات تدعو فيها للأملِ وللتفاؤل.

بل واستطاعت أن تتعلمُ طريقةً لفهم الآخرين من خلال وضع يديها على الشفاه والحنجرة، بل تحاربُ من أجل أن تنطِق فتنطق وتَعِظ، ومَنْ أَجَلُ مِنْ واعظٍ قاسَى وعانَى أكثرَ مما يفوقُ الخيالَ بل لا أبالِغُ حينما أقولُ: يقفُ الخيالُ عند ما فعلته هذه المعجزة متعجباً وعاجِزا ويتساءلُ كيف يصوغ ما حدث لأجيالٍ لو ما رأت بأُمِ عينِها لَما صَدَّقَت بل إنهُم ربما يقولون أنه خيالٌ مُترَهِلٌ ومبالَغٌ فيه، لكنَها تأبى إلا أن تنتصرْ وترفضُ الاستكانة والاستسلام، قالَ عنها الكاتبُ مارك توين أنها من أعظم شخصيتين في القرن الـ19.

يشهدُ لو نجحتُ من خلالِ هذا المقال فقط أن أُذكِرُكُم بهذه المعجزة (هيلين كيلير) فتبحثون عنها وتشاهدونها وهى تلقى محاضرةً باللغة الانجليزية وهى مع كلامها تحركُ يديها بلغةِ الإشارة حتى يفهمَا من يحضرُ في المحاضرةِ من الصُمِ ويسمعُها من فقدَ البصرِ من الحاضرين، بل وتقولُ لهمْ لا عُذرَ لكم فكلٌ منكم فقد حاسةً واحدةً إما السمعَ أو البصرَ وأنا فقدتُ حاسَتَى التواصلِ واللتان يَفقدُ المراُ تواصُلَه مع العالمِ كلِه بفقدِهما.

ورغمَ ذلك… ها المُحاضرةُ المقاتلةُ فى كلِ ميادين الحريات والكاتبةُ العالمةُ التى حاربَتْ النازية وطالبت بحقوق المكفوفين وفاقدى السمع على حدٍ سواء وأُختيرت يوماً لتولي منصب سفيرة المنظمة الأمريكية لفاقدي البصر.

يا من تشعرُ باليأسِ عليك أن تخجلْ، فهل يحقُ لكَ ومعك كلَ الحواسِ أن تيأس، بل عليكَ أن تُشعِلَ ثورةَ الحماسِ بدخلِك بمجرد قراءة هذا المقال وتنتزعَ جذورَ اليأسِ الواهيةِ في نفسِك، بل لابُد أن تنتابَكَ حالةٌ من الخجلِ الشديد الذى يدفعُك نحو العملِ الدءوب دفعا، ويحجبُ عنك اليأسَ ويزيلُ عنك أوهامَ الضياعِ والاستسلام، إن مثلَ كيلر لو استسلمت لكان حقاً لها، لكنها أثبتتْ للعالَمِ بأسرِه أن المعاقَ الحقيقى هو من فقدَ الهدفَ واستكان لضعفِه وليس من فقد حاسةً من حواسِه.

(عندما يُغلق بابٌ للسعادة، يُفتح آخر، ولكن في كثير من الأحيان ننظر طويلاً إلى الأبواب المغلقة، بحيث لا نرى الأبواب التي فُتحت لنا) هكذا قالت هيلين كيلير وهكذا أكرر.

الآن… أبتسم فليست السعادةُ وحدَها من تجلبُ الإبتسامة بل إن الإبتسامة والأمل والثقة فى الله أولاً وفى نفسك من خلالِ ثقتكبالله ثانياً هي أقوى أسباب السعادة، لا عذر لحزين، ولا معنى للاستسلام ما دمتُ بالله عل يقين، ولتعلمْ أن كلَ لحظةٍ تمرُ فى هذا العالم ستُحاسَبُ عليها يوماً أمام الله عز وجل فأجعلها لك لا عليك، الآن أبتسم رغم الألَم، لا تُنكرْ خجلَك من نفسِك بعدما عرفت عن كفاح هيلين كيلر، حتماً ستفرح.

وأختمُ مقالتي بـ3 أبياتٍ من قصيدةٍ شعرية من قصائدى عُنوانُها (لا لليأس):

أخلع ثيابَ اليأسِ وأبقى عاقلاً
إياك تَبقى بالقعودِ مُكَبَــــــلُ
فاللهُ يرفعُ من يَكِدُ ويَهـــــــدِه
ويعيشُ فى كَنَفِ العُلا مُتَعَقِلُ
إياكَ تتركُ ما حَييتَ تَبَــــسُمَاً
فحيازةُ الأملِ الرَشِــيدِ تَجمُـلُ