التخطي إلى المحتوى
الحبُ (لغةُ لا تُحتَكَر… وفِطرةُ لا تُنكَر)

بقلم ـ الشاعر الدكتور عبد الهادي فخر الدين:

سيظلُ الحبُ هو اللغةُ التي لا تُحتَكَر والفطرةُ التي لا تُنكَر والمنحةُ العظمى التي لا توجَه، فالحبُ هو قدرٌ محتوم ووقته غيرُ محددٍ ولا معلوم، فهو لا يعرفُ الفوارق ولا يعرف الحدود والقيود ومهما اختلف المقاماتُ وتعددت السدود ومهما حاولت إنكارَه فهو الراسخُ الممتزجُ بالقلبِ والكيان.

ويبقى الحبُ الصامتُ أقسى أنواع الحبِ على المحبين فرغم أن الحبَ لا يعترفُ بالقيود إلا أنه قد يُولَدُ بين الحبيين صامتاً ويظلُ عذاباً لا غنى عنه ومصيراً مبهماً لا مفرَ منه، فربما كانت هناك من العوائق والسدود الاجتماعية أو المادية أو غيرهما من الفوارق ما يكون حائلاً للوصولِ إلى هذا الارتباط المقدس بين رجُلٍ وامرأة بعينهما.

فقد يجدُ الرجلُ قلبَه معلقٌ بامرأة في غير مستواه الاجتماعي وقد يكون العكس صحيحاً ولكن الأمرَ مادام في حدودِ مراقبة الله فلن يتجاوز أحدُهما في سلوكياتِه وتصرفاته تجاه الآخر، بل لا يجدُ من نفسِه جرأة على أن يبوح للآخر بما في قلبِه، فيعبرُ عن هذا الحبِ الحبيسِ بين أضلاعه بقلمه وبطريقته الخاصة، فهما يتناقشان ويتحدثان دون نطق بيِّنٍ وإنما هي الأرواح تتلاقى والعيون تتناقش كلُ هذا في دائرةٍ مغلقةٍ وفى صمتٍ رهيبٍ لا صوت له يصل إلى آذان الآخرين حفاظاً على الفضيلةِ واحتراما للطرف الآخر.

تلك القصيدةُ دعوةٌ إلى ما يجبُ أن يكون عليه الأمرُ عندما تقوى السدود وتزدادُ الحواجز وتشتدُ القيود دون انحدار إلى سلوكٍ مُشينِ أو وصفٍ مهين، وهنا في هذه القصيدة أعرض حال َمحبٍ زاد به الشوقُ والحبُ وهو يعلم أن حبيبته تحبه لكنهما لا يستطيعان البوحَ بهذا الحبَ لظروفٍ مبهمةٍ بين الحبيين، فهو يحكى قصتَهما في سترٍ عن العيون وفى بعدٍ عن الآذان، بل ويكتبُ شعره على الماء حتى لا يلاحِظُه احدٌ ويناجى الأشجار والقمرَ والشمسَ ويحاورُهم بل ويشهِدُهم على حبه وشوقه.

إلى هذا الحد ملئ العشقُ كيانه وهو مازال مُصِراً أن يحبها في صمتٍ وهو يطالِبُها أن تصدرَ الحكم النهائي مهما كانت الأسباب فمادامَ كلاهما محبٌ مغرَمٌ فلما يلتزمان الصمت المشقي ولما هذا الهجرُ المميت.

إن الهدف الرئيسي من هذه القصيدة هو تصديرُ القدرة على صياغة المشاعر النبيلة للحبِ العفيف الذي لا تَصَنُّعَ فيه ولا تكلفْ في ثوبٍ يحفظُ للمرأةِ عفتَها وكيانَها ولا يمس بحالٍ من الأحول كرامةَ الرجل ، فإن حِفظَ طرفي العلاقةِ الطاهرةِ المقدسةِ ألا وهى الحبِ العفيف لابد وأن يكون هو الشغلُ الشاغلُ للرجلِ والمرأة على حدٍ سواء.

فلو التزمنا هذا الأداءَ الراقي في التعبيرِ عن الحبِ وفى تقديسِ علاقةِ الحبِ في قالبٍ محترمٍ لا يتجاوز الحدود ولا يتعدى المبادئ والأخلاق، لتغيرتْ ملامحُ المجتمعِ الذي نحياه تغيُراً جذرياً من حيثُ اختفاء كثيرٍ من المظاهرِ التي تدلُ على التدني الأخلاقي في نفوس بعضِ الشباب وذلكَ لأنهم لا يعرفون عن الحبِ سوى الجانبِ الجنسي فقط ولا يعرفون عن الجانبِ العاطفي الروحي شيئا.

إننا نستطيع وبدون تجنى أو افتراء أن نرجع كل ظواهر التحرش والتدني الأخلاقي لبعض الشباب بمجتمعاتنا إلى عدم القدرة على صياغة المشاعر وإلى إهمال تنمية الجانب الروحي العفيف للحب والذي يحضُ عليه الدينُ والعرفُ والمجتمع.

إليكم القصيدة:

أُحبُكِ صمتاً من غيرِ أصوات ٍ
ولا أقوالٍ ولا آراء أبديها

أُحبُك بين دفاتري شوقاً
وفى الأوراقِ أسراري أدونُها وأُرسيها

أبيتُ الليلَ في شوقي، ويعلمُ قصتي قلمي
وفرشاتي تجسدُها، وعلى الجدرانِ تحكيها

أحبك جهراً بين أضلاعي
وفى أوراقي قصتُنا أُسطِّرُها وأُخفيها

رأيت البحرَ في عينيك يا عمري
فتاه القلب في بحرٍ بلا شطئانَ يأتيها

متى تعرفين أنى غارقٌ في بحرِ عينَيك
متى أرسو ببرٍ في نواحيها

أعينٌ تلك يا عمري بلون البحرِ زُرقَتُها
وكأسُ الخمرِ نظرَتُها وذاك الموجُ في العينين يُحلِيها

تغالبني فأنظُرُها فتهربُ من عيني عيناك
فوا خجلاً يذيبُ الدمعَ في عيني يُشقِيهَا

هي الأمواجُ في عينيِك هائجةٌ هي الأنواءُ في عينيك ثائرة ٌ
كأن العينَ تحكي لي بصدقٍ كلَ ما فيها

أنا من غيرِ أن أنطق ولغة ُ العينِ تكفيني
أراسلُها وإن أصمتْ فقولُ العينِ يكفيها

فذاك الحبُ في عينيك أنظرُه وذاك الحزنُ في العينين مرساه
وتلك طلاسمُ العينين في الوديانِ يا عمري تُواريها

كفى سِحراً من العينين تسكبُه فذاك القلبُ قد أفضى
بثَورتِه كأن القلبَ في صدري يناديها

يعاتبُها ويعلنُ أنه حبٌ فلا للبعدِ
كأن النبضَ في قلبي يقاضيها

فلا أعذارَ تُرضيه ولا وعدٌ يهدِّأُه
ولن يرضى سوى قربٍ ُرِيحُ الروحَ يُسعدُها ويُرضيها

رُويدُك يا عشقي وملهمتي
أما آن لروحي أن ترسو في مراسِيها

لغاتُ الكونِ قاصرةٌ وأبلغُ من قولي
عيونٌ تحكى مآسيها

سألتُك يا عينَيها ترحمني واظرُها
فنفسي تهفو لعينيها وتهفو حباً في تلاقِيها

فلا دنيا بها أمني
ولا تحلو حياتي بغيرك لستُ أَبغِيها

فيا قلبي رُويدَك رفقاً بذي عشقٍ
فكم للنفسِ من آهٍ تقاسيها

سأَرسمُ فوقَ الماءِ أشعاري وأحكى للندى حبي
ويشهدُ في الدجى قمرٌ فأنت مسكني أبداً وأنت كلُ أوطاني

فأنت الشمسُ إن طلعت وأنت الماءُ في عطشى
وأنت فرحتي أبدا وأنت لبُ أحزانى

ملكتي القلب يعشَقُكِ
فبات القلبُ جلادي وسجاني

شعرتُ النارُ في صدري فأين الماءَ قاتلتي
وأين زوالُ نيراني

أبيت الليلَ أَذكرُكِ وأصمت ُ في معاناتي
وأرسمُك بوجداني

وآهي لو تعرفي قدرَ الحبِ في قلبي
وكم أهواكِ في صمتي سلى عودي وألحاني

لو كان مهرُكَ كنوزَ الأرضِ أُحضرُها
وما في البحرِ من شُعبٍ ومرجانِ

سلى عصافيرَ الصباحِ والشمسُ في الإشراق تُخبرُوكِ
سلى أشجاراً أُحدثها فتخبرُكِ بحرماني

متى تعرفين أنى عاشقٌ وأذوبُ شوقاً
متى تدرين عن فرحي وأحزاني

فأنت النارُ في الهجرانِ تقتلني
وأنت رفيقتي في بحر أشجاني

وأنت البلسمُ الشافي وأنت الدفءُ في بردى
وأنت خَمْدُ بركاني

وأنت قصتي أبداً وأنت حكايتي أنت
فذاك كتابُ قصتنا به أسمى وعنواني

كتبتُ قصائدي شوقاً
فتلك قصائدي وذاك الشعرُ ديواني

فبتُ الشوقُ في صدري
وبات الحبُ في قلبي وهز الوجدُ أركاني

فقربك فرحتي دوماً ولو بالصمتِ يكفيني
وبعدُك كلُ أحزانى

فتلكَ قضيتي فأصدري حكماً
عجبتُ لحاكمٍ هو الجاني

وأقسم حبيبتي أنك القاضي
وأقسم أنك الجاني