التخطي إلى المحتوى

بقلم/ م محمود مهران:

وقفت بجواري حائرة، ترتسم علي جبينها أحزانا ثائرة، وبدأت تتقدم وتتقهقر تارة بعد الأخرى، فاقتربت منها أكثر؛ لاستطلع حالتها التي جعلتها على هذه الشاكلة، وسألتها (ماذا ألمّ بكي يا أمي؟) فردت علي السؤال بسؤال ـ بعفوية عابرة: (هي ماكينة البنك مُعطلة؟) فقلت لها (لا) فترددت قبل أن تجيبني ثم طلبت (ممكن تجرب لي الكارت ده لأني حاولت أن اسحب المعاش ولم أتمكن؟) فأدخلت الكارت الخاص بها وطلبت منها الرقم السري أن تضعه بيدها فقالت (ليس سرًا دا 4 أصفار) فأجابت الماكينة (لا يوجد رصيد) فأخبرتها بذلك لترد (إذن المعاش ما جاش) وارتسمت علي جبينها حمرة، وكادت أن ينفجر الدم منها، ووقفت صامتة حائرة لا تستطيع أن تُجيب إلا بدمعة على الخد (سائرة).

اقتربت منها أكثر وسألتها (في مشكلة) فطال صمتها وازداد الدمع من عينيها، لترد (لا) وكأنها تطالب الأرض أن تبتلعها وتواري خجلها، ففهمت منها بعد عناء طويل أنها حضرت إلى ماكينة الصرف بأخر 3 جنيهات ـ دفعتهم كأجر للتوكتوك، ومنزلها يبعد عن المكان كثيرًا ولا تستطيع العودة علي الأقدام؛ لأن خطواتها بطيئة لشدة مرضها، ووسط إلحاحي الشديد أنني لن أتركها بهذه الحالة دون أن افعل لها شيئا، أما أن تقبل القليل من المال وتأخذ رقم هاتفي لترد لي المبلغ، أو أقوم بتوصيلها وهذا اقل ما يجب علي أي رجل مثلي تجاه أمه أو أخته، فأبت وتعففت وازدادت حيرتها مع شدة بكاءها، وبدأت تشكو حالها وحال معاشها الذي يبلغ 700 جنيها تدفع منهم الإيجار والمرافق، وزوجها متوفى، وترك لها ابنتان في مراحل التعليم الجامعي هم كل أملها في أن تصل بهم إلى بر الأمان حماية لهم من غدر الزمان.

كان ذلك في العشرين من الشهر الجاري والذي اخبرونا فيه بأن المعاش سيصرف مبكرا (أعياد أخواتنا المسيحيين) تضيف السيدة، قائلة: البيت ما فيهوش ولا مليم وضاقت بي كل السبل عندما وضعت الكارت أول مرة في الماكينة ولم تجبني وبدأت الأفكار في ذهني تتواتر كيف سأصل إلى المنزل، بعدما تسرب الأمل المعقود على صرف المعاش والذهاب إلى السوق لشراء متطلبات المنزل وإعداد الطعام للبنات، وكيف سيذهبون إلى الجامعة صباحا وليس لنا من يرعانا إلا الله وأشياء أخرى كثيرة يحتاجها المنزل.

فهل بعد هذا العمر اقهر وأمد يدي ومن سيعطيني وأنا لا اسمح لنفسي بهذا حتى ولو مت أنا وفتياتي ومن المسئول عن تلك الحالة التي أعيشها وما أتقاضاه من راتب رغم أن زوجي كان يعمل لمدة سنوات طويلة بمصنع للنسيج تم خصخصته وطلع معاش مبكر ولم يتحمل الحالة العاطلة بعد المعاش فانتابته الأمراض وانتقل إلى رحمة الله وتركني في هذا الهم وحيدة.

ومن يسال عن معاناتي والحفاظ علي كرامتي كام عجوز وكيف اربي بناتي دون أن أمد يدي وكيف أواجه الأيام الصعبة وأنا مريضة بالسكر والضغط والعيشة بقت صعبة ومن الذي يستشعر حالي وحال أمثالي وأنا لو هاموت من الجوع مش ممكن أمد أيدي تلك هي حال احدي أمهاتنا مع اختصار شديد لمعاناة حقيقية بشارعنا المصري فكيف نحمي أمهاتنا وبناتنا من هذا الخزي وكيف نحقق لهم الأمان الاجتماعي والمرأة المصرية بكل طوائفها هي الملكة العفيفة والأبية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *