وليذكر التاريخ ويشهد

وليذكر التاريخ ويشهد
محمد مبارز

محمد مبارز

أهبني قلمي، فلبيت نداءه لكن نداءه كان أمرا عجباً، يحدثني ويحاورني، فسألته: مالي أراك مهتماً وحزيناً، أسيـراً في وادي الأشجــان؟ أخبرني بالله عليك ….
فقال: كنت في حوار مع التاريخ.
فتعجبت وتبسمت ضاحكاً: تتحدث مع التاريخ !!!!
قال نعم : وما العجب في ذلك؟ ..
فأنا والتاريخ أخويــن أو زوجيــن لن يفرقنــا الى فناء الوجود وموت كل موجود، وسنأتي يوم الفصل الذي لا محال أو جدال فيه وعندئذ سترفع الأقلام وستجف الصحف وستعرضون أفواجاً في يوم عند ربكم كان ميقاتاً يوم ستقوم فيه الروح والملك صفا ولا يتكلمون كلمة الا لمن أذن له الله بصواباً، ستعرضون نعم أمـام ربكم بصحائفكم التي نحن منها وستجدونا فيها مكتوبة.
.. فآمنت بما قاله قلمي
لكن ذهني المحدود تواً حـائراً ولا يزال لا يفقه قلمي وعن مقاصده فكثيرا منه أتعلـم وأعتبــر – لكني رأيته يبيـن ويفســر، يوضح، ويفصــح، يكشف الغطاء عن حق بات أزماناً طويلة مدثراً تارة بغطـاء الخوف، وتارة بغطاء الباطـل فكان متواريا لا نراه، فقال: الآن أسمع وأبصر ..
وليـذكــر التاريــــخ ويشهــــد موت أحد الرجال كان موته بفعل فاعل، ولم يكن أحد يعلم هذا وقتها، هذا عن مماته، اما عن حياته فقد ظلمه وغدر به الكثير من رجالكم.
فسألته: من هو ؟
فقال: في بلدكم
فقلت: من هو؟

فقال ضاحكا يتبسم:
نحن لا نقول هذا الآن من أجل الثأر أو النيل من الفاعـل لا، فهذا لا يجوز وليس منطقياً فسفك الدماء محرم حتى ان كنت مظلوما، وهو أيضا ليس من شيم وسمو الملكية، ومن ناحية أخرى، فقد مات الفاعل فسقط عنه القصاص ورحلت تلك البواعث والقوى المحركة، ونحن التاريخ الحق لا نشعر بأي حقد، أو كراهيـة عن الأمر برمته، لأننـا نؤمن بالأقـدار ومشيئـة الله، ولأننا ندون ونسجل ما يفعله البشر بشفافية وحيادية تامة وبالحق والعدل الذي أمرنا به رب العباد، ومن فضل ربي فنحن نتمتع بذلك لأنه من عطاء الله الحكم العدل، عالم الغيب والشهادة، لأنه من نعم الرب اللطيف الخبير فنكتب بالصدق والأمانـــة ..
ولكن نفصح عن هذا اليوم حتى يكون شهادة حق يشهـد بها التاريخ ويسجلها بالصحف بأحرف من نور على سطور لؤلؤية يتفجر من بينهــا قوة الحق وتدمر بها أساطير الباطل الغاشم.

فرحت أسأل قلمي: حتى الآن لم تقل من هو ؟ .. هل تخشى شيء ؟
قــال: لا أخشى .. ولكني حينما أصمت فاعلم ان صمتي ليس بأمري، وان طال صمتي فلن يطول الا قليلا مما تعدون، ولسوف يأتي يوماً وأفصح فيه عن الحق والعدل ..
والآن من حقك أن تعلم من هو، وفي الصباح الباكر أخبر أهل بلدكم ما رويته لك ولا تخـف ولعلك تعلم أو تعرف حينما سأل رسول الله محمد بن عبد الله وخير الأنام صحابته الكرام ماذا حبب اليكم من الدنيا ؟ أجابه الفاروق عمر رضي الله عنه قائلا: حبب من أجلك يارسول الله ثلاثاً:
قول الحق وان كان مرا
الأمر بالمعروف وان كان سراً
والنهي عن المنكر وان كان جهراً.

وهذا الرجل يدعى فاروق ويلقبونه في بلدكم فاروق الأول بن أحمد فؤاد حفيد الخديوي اسماعيــل.
هذا الملك الذي آثر الدماء المصرية على عرش مصر.
هذا الملك الذي لم يعرفه أبناء وطنه.
هذا الملك الذي ظلمه الكثير بل ظلمته يد التاريخ المتزامنة لمجريات الاحداث المواكبة لسنة 1952 ولم يكن لها تلك اليد حيلة او مفر فكتبت ما أملته عليها القيادة السياسية آنذاك.
هذا الملك لم يفعل مثلما فعل من جاءوا من بعده ونحن التاريخ نكن لهم أسمى آيـات المودة والاعتـزاز والتقدير .. ولعلك قرأت ما كتبناه عنهم، فمن جاءوا من بعده، هم حقــاً أبطــال ولا شك أو جــدال في هذا ولا يمكن انكار ذلك بأي حال من الأحوال فنحن التاريخ لا ننسى.

فسكت التاريخ ورحت اراجع نفسي واسترجع ذاكرتي فوجدت عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير التي انطلقت يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 الموافق 21 صفر 1432 هـ وبعد مرور ثماني عشرة يوما وبعد وقوع قتلى وضحايا واصابات بالعيون وغيرها تنحى الرئيس السابق مبارك بعد اجباره على ذلك.

أما الرئيس مرسي كما تابعنا على مسمع ومرأى تمسك بالشرعية ولم يتنازل ولم يتنحى، بل تم عزله من قبل المؤسسة العسكرية التي نكن لها كل التقدير والاحترام، وهنا لابد لنا من وقفة اجلالا، واقراراً، واعترافاً منا بحقها وفضلها على الأمة المصرية في حماية البلاد ومقدراتها ورؤيتها مهما اتفقنا او اختلفنا حول تلك الرؤى فلها كل الاعتزاز والاحترام والتقدير.

أما عن هذا الرجل رحمه الله رحمة لا يشقى من بعدها أبدا حينما فتشت في ملفات من زمن فات وجدت اقرار تنازله عن العرش الذي قال فيه :
لما كنا نتطلب الخير لأمتنا ونبتغي سعادتها ورقيها , ولما كنا نرغب رغبة أكيدة في تجنيب البلاد المصاعب التي تواجهها في هذه الظروف الدقيقة ونزولا على ارادة الشعب (التي هي في الأصل انقلابا عسكريا فقط آنذاك وليست ثورة شعبية مع احترامنا لرؤية الضباط الأحرار)، قررنا النزول على العرض لولي عهدنا الامير احمد فؤاد، أصدرنا أمرنا بهذا الى حضرة صاحب المقام الرفيع علي ماهر رئيس مجلس الوزراء للعمل بمقتضاه – صدر بقصر رأس التين 4 ذو القعده سنة 1371هجرية (26 يوليو 1952).
هكذا قال الملك فاروق .. نعم هكذا قال حيث آثر الدماء المصرية على نفسه وعرشه، لكن الحق يقال أنه أيضا تنازل عن عرشه لولي العهد ابنه الأمير أحمد فؤاد، وهو لا زال على قيد الحياة، والسؤال هنـا: أوليس من حقه استرداد حكم البلاد بموجب هذا التنازل؟

الاجابة هنا ستكون مقتصرة على اثنين
أولاهما : التاريخ
وثانيهما : الاختيار
وكلاهما لن يخرج عن مراد الله الفعلي
فسبحان من له الدوام ..
ندعو الله أن يولي علينا صاحب حجة وحكمــة من له الحق والقدرة
ولنتذكر قول الله تعالى :
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حســـاب.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *