العلاقة المتبادلة بين العلمانية و الدولة و الدين و المجتمع

العلاقة المتبادلة بين العلمانية و الدولة و الدين و المجتمع
الحنفى

 كتب – محمد الحنفي :

 


خمسة أفق للوصول إلى التخلص من الحكومات الديكتاتورية، والمستبدة، ومستقبل العلمانية في العالم العربي نرى ضرورة العمل على:

أبناء التنظيمات الجماهيرية المبدئية، والتي يسمونها بمنظمات المجتمع المدني، ونقصد هنا بالتنظيمات الجماهيرية المبدئية، التنظيمات التي تحترم فيها المبادئ على جميع المستويات التنظيمية، كالديمقراطية، والتقدمية، والجماهيرية، والاستقلالية، والوحدوية. لأن احترام هذه المبادئ ينقل الديمقراطية كتربية إلى المجتمع، فيحرص الجميع على جعل الممارسة الديمقراطية قائمة في المجتمع، ونظرا للدور الذي تلعبه التنظيمات الديمقراطية في هذا الاتجاه.

ب- دمقرطة الأحزاب السياسية التي تدعي العلمانية، والديمقراطية، واليسارية، ومن أجل إتاحة الفرصة أمام الشباب، والكادحين المستهدفين بأدلجة الدين، من أجل الارتباط بالأحزاب ذات الطابع العلماني، والديمقراطي، واليساري، والانخراط فيها، والمساهمة في بلورة قراراتها، والعمل على أجرأة تلك القرارات على أرض الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي. لأن دمقرطة الأحزاب السياسية المفتقدة في البلاد العربية، صارت ضرورة تاريخية، وتلك الضرورة، صارت تفرضها الشروط الموضوعية القائمة، والتي تتطلب الدفع في اتجاه التحول، والتغيير، من أجل إعداد المجتمعات في البلاد العربية، إلى مواجهة كافة أشكال تحديات العولمة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.

ودمقرطة الأحزاب السياسية إذا لم يتم، فإن ذلك لا يعني إلا مسألة واحدة، وهي أن البلاد العربية، لا توجد بها أحزاب ديمقراطية، والأحزاب عندما لا تكون ديمقراطية، فإن ذلك لا يعني إلا سعي هذه الأحزاب، إلى دعم الاستبداد القائم، أو السعي إلى فرض استبداد بديل.

ولعل كون الأحزاب العربية غير ديمقراطية، هو الذي يجعلها تلجأ إلى أساليب منحطة للحصول على أصوات الناخبين في المحطات الانتخابية المختلفة. و بعد الانتخابات تبقى منكفئة على نفسها، وعلى المنافسة في نهب ثروات الشعوب العربية، ودعم الطبقات الحاكمة التي تمتص دماء الشعوب العربية.

ولخروج الشعوب العربية، من مأزق غياب الديمقراطية، نرى ضرورة قيام الأحزاب السياسية، بمراجعة أنظمتها، حتى تساهم تلك الأنظمة في تكريس الديمقراطية داخل الأحزاب، وحتى يصير كل مناضل حزبي مسئولا بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة، عما يقوم به الحزب من أجل قيام مجتمع ديمقراطي في كل بلد عربي.

ج- النضال من أجل قيام ديمقراطية حقيقية، بمساهمة جميع الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والنقابات، والجمعيات الحقوقية، و الثقافية، في إطار جبهة عريضة للنضال الديمقراطي الحقيقي، تكون فيه السيادة للشعب، ومن أجل ضمان الاستقلال التام للقضاء عن باقي المؤسسات الأخرى، وضمان الحريات العامة والسياسية والنقابية، وضمان تمتيع جميع الناس في كل بلد عربي، بحقوقهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، لأنه بدون نضال من هذا النوع، ووفق برنامج الحد الأدنى المحدد سلفا، ومن أجل تحقيق الأهداف المسطرة، فإن الشعوب العربية، سوف لا تنهض لنفض الاستبداد القائم، والجاثم على صدور هذه الشعوب، ليستمر تعطيل طاقاتها، وليتأكد عجزها عن مواجهة مختلف التحديات المختلفة، بما فيها تحديات عولمة اقتصاد السوق.

وببناء تنظيمات جماهيرية، ديمقراطية، ودمقرطة الأحزاب السياسية، و بالنضال من أجل تحقيق الديمقراطية الحقيقية، تأخذ الأمور مجراها في أفق جعل الشعوب العربية تنخرط في المنظمات الجماهيرية، وفي الأحزاب السياسية، والمساهمة الواسعة، ومن مختلف المواقع، من أجل الديمقراطية. مما يؤدي، في نهاية المطاف، إلى انتزاع مكاسب ديمقراطية، تؤدي إلى إسقاط الحكومات الديكتاتورية، والمستبدة، لتحل محلها حكومات ديمقراطية، تتيح الفرصة أمام قيام مجتمع مدني، علماني، ديمقراطي، لا مجال فيه لشيء اسمه أدلجة الدين الإسلامي.

6) وقيام حكومات ديمقراطية، يعتبر بداية لإمكانية إشاعة الوعي العلماني في المجتمع العربي، من منطلق أن الممارسة الديمقراطية، في حال تحققها في البلاد العربية، هي في حد ذاتها، ممارسة علمانية، بسبب أن ما يحضر فيها شأن إنساني- بشري، عربي، وليس شأنا دينيا، أو شأنا مؤدلجا للدين. ولكن، ونظرا لأن الممارسة الديمقراطية قد تشكل قنطرة لوصول الطبقات المؤدلجة للدين، أو لوصول مؤدلجي الدين إلى السلطة. ولذلك فالحكومات التي تصل إلى السلطة يجب أن تقوم على أساس:

أ- تفكيك أدلجة الدين، وبيان الفرق بينها، وبين الدين، وفضح الغاية منها، والعمل على إشراك الجماهير الشعبية الكادحة، بالانخراط في محاربتها. والدخول في إشاعة الفكر العلماني، بعد الوعي بخطورة أدلجة الدين، وبضرورة العلمانية لمستقبل الشعوب، من منطلق أن أدلجة الدين، لا تقود إلا إلى تكريس الاستبداد القائم، أو العمل على فرض استبداد بديل.

ب- تفكيك الاستبداد القائم، مهما كان لونه، حتى وإن كان يدعي كونه علمانيا، والعمل على فرض ديمقراطية حقيقية على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، وفي جميع أنسجة المجتمعات العربية، والتصدي لمحاربة كافة الممارسات اللاديمقراطية، واللاشعبية، عن طريق النضال الديمقراطي الحقيقي، من الشعب، وإلى الشعب، وبواسطة جبهة وطنية للنضال الديمقراطي، بمساهمة الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، وبمساهمة المنظمات الجماهيرية المبدئية، بما فيها النقابات، والجمعيات الحقوقية، والثقافية الملتزمة بمبادئ العمل الجماهيري، حتى يتم القضاء على الاستبداد، وبكافة أشكاله، وتمتلك الشعوب العربية ويها الحقيقي بضرورة سيادة الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.

ج- العمل على إيجاد دستور ديمقراطي متلائم مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، حتى تكون فيه السيادة كاملة للشعب العربي، في كل بلد عربي، وحتى يكون ذلك الدستور منطلقا لملاءمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وإجراء انتخابات حرة، ونزيهة، لإفراز مؤسسات تمثيلية حقيقية، توكل إليها مهمة بناء المجتمع المدني العلماني الديمقراطي.

د- العمل على تمتيع جميع الناس بجميع الحقوق، من أجل إزالة كل السدود القائمة دون تحول المجتمع العربي، في كل بلد عربي، إلى مجتمع علماني ديمقراطي. ومن سيادة إنسانية الأفراد، والشعوب على السواء، و في أفق تحقيق كرامة الإنسان الفردية، والجماعية.
ه- اعتبار أدلجة الدين التي يمارسها العديد من المؤدلجين، وفي جميع البلدان العربية، جريمة ضد الإنسانية، والعمل على مناهضتها على هذا الأساس، وتوظيف المنظمات الحقوقية لهذه الغاية. لأن الدين شأن فردي إنساني / روحي، وليس شأنا سياسيا، وأدلجته لا يمكن اعتبارها إلا ممارسة يومية لسرقة الدين، ومصادرته لصالح مؤدلجيه، الذين يتحولون إلى أوصياء عليه. والذين يقولون النصوص الدينية، ما لم تقله تلك النصوص، من أجل خدمة مصالحهم المؤدية إلى السيطرة على أجهزة السلطة، من أجل تجييش المجتمع العربي، برمته، ضد الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وضد المجتمع المدني العلماني.

واللجوء إلى هذه الإجراءات الضرورية، وفي إطار النضال الديمقراطي اليومي، يعتبر مسألة أساسية بالنسبة للشعوب العربية، حتى لا يتم قطع الطريق أمام إمكانية قيام ديمقراطية حقيقية، تؤدي إلى قيام حكومة ديمقراطية فعلية، تعمل على إشاعة العلمانية في كل بلد عربي، لإكساب الشعوب العربية حصانة ضد كل من يسعى إلى مصادرة العلمانية، الضامن الأساسي، لقيام مجتمع مدني ديمقراطي حقيقي، يتمتع فيه الناس بجميع الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *