محنة الدرس الفلسفي في جامعاتنا العلمية وحوزتنا الدينية

محنة الدرس الفلسفي في جامعاتنا العلمية وحوزتنا الدينية
imagesCAEXU02P

 كتب – حميد الشاكر:

كيف نعي ظاهرة (التقارن) التاريخية  بين ولادة  مشروع الفلسفة العربية والإسلامية( 173 هجرية) وبين ولادة وإنشاء الحضارة  في  تلك المرحلة وبكل إبعادها الإنسانية السياسية والاقتصادية والفكرية الثقافية والاجتماعية والأدبية والفنية …. ؟.

كما انه كيف لنا وعيَّ ظاهرة سقوط هذه الحضارة ( 656 هجرية) متقارنة مع إسقاط مشروع الفلسفة والإجهاز على فلاسفتها بالتآزر بين قوى التكفير السلفية ، وقوى الفساد والانحطاط السياسية ؟.

هذا هو السؤال الذي توقفنا عنده في السابق ليكون منصة من خلالها نتعرف على ماهية مشروع الفلسفة وفعلها الدينامي  في بناء اي حضارة إنسانية !.

طبعا للذين يحاولون  فهم وإدراك ماهية الفلسفة وبشكل عام وقبل ان نجيب على سؤالنا ذاك ، عليهم ان يدركوا  أنهم لا يتمكنون من فهم ماهية الفلسفة إلا إذا تناولوا الفلسفة على أنها (مشروع) جماعي ومدرسة أكاديمية فكرية متكاملة وليس إنتاج فردي مبعثر وظاهرة منزوية عن الاجتماع والحضارة  !.

اي ان دارس الفلسفة والباحث في ما هياتها والمتتبع لمقاصد فلاسفتها ….. لا يمكن له أن يعي ((ما هي الفلسفة )) بإطارها وحركتها العامة ، اذا لم يكن منذ البداية ينظر للفلسفة على أنها (نهر جار ومتدفق وتشكل عملية اتصالية) متوالية تنتقل بمشروعها من هذه الأمة إلى تلك بلا انقطاعات كبيرة !!.

هكذا يمكننا  ان نفهم أول خطوات الفلسفة  بمشروعها الفكري البنائي الذي لا ينتمي لأي لغة قومية أو دينية أو أثنية أو ….. غير اللغة الإنسانية العقلية الفكرية التي تعنى بالارتقاء بالفكر الإنساني وكيفما كانت جغرافيته أو وضعه الأخر !!.

كما ويمكننا من خلال هذه النظرة ل( مشروع الفلسفة )أن نعي ماهية انتقال هذا المشروع من امة إلى أخرى ك( باكيج ) واحد  وليس كأفكار مشتتة من جهة ؟.

 وكيف أن الأمة التي تتهيأ ذهنيا لاستقبال مشروع التفكير  والإبداع وبناء الحضارة الإنسانية هي الأحق بحط ترحال مشروع الفلسفة ،ليساهم في بناء ونهضة هذه الحضارة الإنسانية ، بغض النظر عن تسميتها ، مرة باليونانية وأخرى بالإسلامية وثالثة بالأوربية ….  !.

إن من أهم مميزات ((المشروع الفلسفي الإنساني )) انه مشروع ولد ديناميكا حركيا لا يدرك معنى الشيخوخة والاستسلام للموت ولهذا تجد بوادر ولادته المتجددة  متنقلة مع ولادة الحضارات الإنسانية وأينما كانت ، فعندما كانت دورة الحضارة للأمة اليونانية تاريخيا ،واستعدت هذه الأمة لاستقبال أنماط التفكير المتفجر بالإبداع والبناء والتطور فسرعان ما تشكلت براعم الفلسفة وتفتحت أزهارها الندية لتدفع من نهضة هذه الأمة حضاريا وتقود مشروع مدنيتها الكبير في البناء العقدي والسياسي والقانوني والهندسي …آنذاك !!.

وما ان دبت الشيخوخة في مفاصل هذه الأمة ،وأدارت بظهرها لفن التفكير بصناعة الحياة ، والإنسان ، وولدت في المقابل أمه جديدة ( تقدس العقلنة ) وتتطلع للتفكير في أقطار السموات والأرض والأنفس والأفاق…. كما ورد في النص القرآني الإسلامي الحث على التفكير ، وتقديسه والإيمان بالعقلنة ومنتجاتها العلمية … انتقلت الفلسفة  بكل بضاعتها للعالم العربي الإسلامي لتفرض نفسها (( كممون)) لايمكن لحضارة أن تقوم بدونه ، وبالفعل ولدت الفلسفة على يد الكندي في بغداد لتدخل معها أفاق التفكير الرحبة والواسعة للرؤية السياسية والقانونية والهندسية والطبيعة والعمرانية … ولتشد من أزر نهوض الحضارة العربية والإسلامية !!.

ونفس السنة والقانون التاريخي الذي سار على الأمة اليونانية في شيخوختها الحضارية سار هو الأخر على شيخوخة وهرم الحضارة العربية الإسلامية ومغادرة مشروع الفلسفة لهذه الأمة الهرمة والبحث عن امة  هي في طور الولادة ، وتقديس الفكر والإيمان بالعقلنة ، ومنتجاتها العلمية ، فكانت أوربا وهي تستعد للتفكير الفلسفي المتطلع والرحب والواسع محطة الفلسفة القادمة التي ستساهم هذه الفلسفة بمشروعها الإنساني بإيصالها لعصر الصناعة وبناء الحضارة الصناعية في وقتنا المعاصر …. !!.

إذا الفلسفة ((مشروع)) له خصائصه ومميزاته ، وكذا له قوانينه وحاضناته الطبيعية الإنسانية التي كلما توفرت اجتماعيا وإنسانيا وجدت الفلسفة نفسها مدفوعة للدخول على بناء خط الحضارة  في هذه الأمة من جهة ، ووجدت الأمة نفسها طالبة لهذا المشروع ، الذي لا غنى لأي امة ،  تحاول النهوض الحضاري بدون الاستعانة به وباستراتيجياته الفكرية  !.

نعم من الجانب الأخر ، لفعل مشروع الفلسفة في البناء الحضاري الإنساني لا يمكن إغفال خصيصية : أن الفلسفة وتاريخيا كانت ((أمّا )) لجميع العلوم الإنسانية القديمة قبل أن تستقل هذه العلوم اليوم ليصبح كل علم مستقل بذاته وهذا يعطي تاريخيا للفلسفة صفة الشمول  والجامعة العلمية المتكاملة آنذاك !.

ما يعني : أن الفلسفة لم تكن فقط شانها شأن التعريف الحديث للفلسفة عندما جردت من كافة صفوفها العلمية (( رياضيات وهندسة وطب وكيمياء وفلك وطبيعيات …)) لتعرّف على أنها (( فن معرفة عمل الذهن الإنساني )) أو على أنها : (( فن معرفة طرق التفكير البشري للوصول إلى الحقيقة )) !!.

بل كانت الفلسفة جامعة علمية متكاملة وكان الفيلسوف يبرع بأكثر من علم بالإضافة لفلسفته ، فابن طفيل أو ابن سينا أو ابن رشد أو الفارابي … كان فيلسوفا إلى جانب كونه موسيقيا ، أو طبيبا ، أو فلكيا ، أو عالم بالطبيعة أو سياسيا أو عالما بالقانون والحقوق …… وهكذا ، كما كانت الفلسفة جامعة علمية متكاملة كان الفيلسوف بروفسورا يحمل أكثر من شهادة جامعية ويبرع بأكثر من مجال علمي ، وهذا ما جعل من الفلسفة مشروعا لا يمكن أن تقوم حضارة في التاريخ الإنساني إذا لم تستعن بمنتجاته العلمية فالحضارة على أي حال هي تلك المجموعة العلمية المتكاملة ، والناهضة داخل فعل أي امة من رؤية سياسية وقانونية وحقوقية ومن طب يعالج الأبدان وعمران ينهض من خلال الهندسة بالبناء ، ومن موسيقى وأدوات صناعة وإنتاج …. وباقي التطور الطبيعي لأي حضارة في فن صناعة التقدم والتطور الإنساني وكل هذا كانت توفره الفلسفة آنذاك من خلال مشروعها المتكامل بقيادة الفلاسفة اللذين هم الأقدر بإدارة صنعتهم ومشروعهم الحضاري !!.

أن هذه الرؤية ، لمشروع الفلسفة وفلاسفتها هي ، التي تقربنا خطوة لوعي وإدراك مقولتنا الأنفة الذكر حول (ضرورة وحتمية التقارب)  بين المشروع الفلسفي تاريخيا من جهة والمشروع الحضاري من جانب أخر  وهي أيضا التي تساعدنا على فهم الرابطة بين أي امة تحترم العقلنة ومنتجاتها الفكرية والعلمية ، وبين مشروع الفلسفة القائم أساسا على فن التفكير ، و الإبداع فيه وعلى هذا ذكرنا : انه لا توجد امة مفكرة   بلا مشروع فلسفة ، ولا مشروع فلسفة يصلح أن يكون في امة لا تقدس العقلنة والتفكير !!.

في أوربا وفي بدايات نهضتها الفكرية (( 1214 م /بداية مع روجر بيكون وحتى فرنسيس بيكون / 1626 م )) كانت الفلسفة هي اللاعب الأساس في الساحة العقلية والعلمية الأوربية آنذاك وكانت الفلسفة العربية الإسلامية مع الأرسطية اليونانية ، التي غادرت أخر معاقل الفلسفة العربية الإسلامية في المغرب العربي الإسلامي تنتقل إلى أوربا  لتكون هي الشغل الشاغل للعقل الأوربي الجديد وما أن فجرت الفلسفة (اليونانية الإسلامية ) صاعق التفكير الأوربي حتى اتجهت العقلية الأوربية للبحث عن الجديد والإنتاج من الفكر العلمي ، وكما هي سنة ، وقوانين الصراع والتدافع الإنسانية ناهضت قوى الاستبداد السياسي ، والظلام الكنسي هذا المشروع الفلسفي  الجديد بحجج مختلفة سياسية ودينية ، ومن الطبيعي كما ذكرناه سابقا أن يصطدم مشروع الفلسفة التجديدي مع الوضع القائم القديم فالفلسفة مشروع قائم ومركب على البحث عن الجديد ، في الفكر وفي النظام السياسي ، وفي القانون والحقوق والواجبات …، كما انه مشروع يؤمن بالعلم  ومنتجاته الفلسفية والتجريبية مما يطرح موضوعة التصادم مع ((الخرافي والأسطوري))الشعبي والديني شيئ شبه المؤكد !.

أن اخطر ما واجه مشروع الفلسفة من مناهضات وحروب علنية في تاريخها الطويل ، وحتى اليوم  هو ليس تلك الأساليب التقليدية التاريخية التي كانت تتهم الفلسفة مرة بإثارة القلق السياسي  أو بالزندقة وأخرى بضررها الفادح على عقيدة الجمهور الدينية ، مع انه لم تزل هذه الأساليب تناهض مشروع الفلسفة وتحاول إبعاده حتى اليوم عن الحوزات الدينية  والجامعات الرسمية السياسية ، بنفس الحجج والمنطلقات ، ولكن ما هو الأخطر هو تلك الدعوة التي أطلقت ضد مشروع الفلسفة الحديثة باسم العلم التجريبي الحديث ومفاد هذه التهمة الجديدة لمشروع الفلسفة قائمة على((إن الفلسفة بأسلوب تفكيرها الأرسطي الاستنباطي هي احد عوامل تجميد الفكر الإنساني ، وابتعاده عن التفكير العلمي التجريبي المتطور والنافع )) !!.

والحقيقة ان هذه التهمة هي وليدة (( تيار تجريبي مادي علمي حديث))  بدأ تقريبا في نهايات القرن السابع عشر الميلادي ليتخذ من الفلسفة ومشروعها هدف جديد ، لمناهضة كل ما هو (غير تجريبي) ولا استقرائي في التفكير ومناهج العلم !.

والحقيقة نحن الآن ليس بصدد مناقشة هذا التيار التجريبي المناهض للمشروع الفلسفي الحديث لان قادة (الفلسفة الأرسطية الإسلامية العقلية) في العصر الحديث قد باحثوا هذا التيار العلمي المادي وأوضحوا خطر هذا التيار باتهامه للفلسفة ومشروعها ، بكل ما هو لا يمت بصله لفن التفكير الفلسفي ومناهجه المختلفة المقاصد عن مقاصد ومناهج التفكير التجريبي العلمي !.

لكن بقيت هذه الدعوة المادية العلمية هي :  من اشد الأساليب إيلاما ووجعا لمشروع الفلسفة اليوم ،ومناهضة أيضا لعودة مشروع الفلسفة ليتخذ وضعه الطبيعي في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة بشكلها الفكري المختلف !!.

نعم إن هذه الدعوة ربما كانت هي السبب  التي دفعت ( مثلا ) جامعة بغداد للآداب ، التي تأسست في 1948م أن تلغي (تدريس مادة الفلسفة)  في هذه الجامعة سنة 1954م وربما هي أيضا وتحت وطأة الخداع الذي مورس ضد الفلسفة الحديثة أن تدفع بالكثير من المواقف العلمية المتشنجة لتتهم الفلسفة بأنها سبب تخلف الكثير من الدراسات العلمية والأكاديمية !!.

والحقيقة انه يكفي هنا ، للرد على هذه المزاعم الباطلة  القول : ان حضارة إنسانية  يقودها العلم التجريبي فقط اليوم بلا فلسفة ورؤية فلسفية لا تختلف كثيرا في انغلاقها الفكري  عن عالم ، كانت تقوده النفعية السياسية والسلفية الدينية بلا فلسفة فكرية !.

ان مشروع الفلسفة لم يكن في يوم من الأيام مشروعا نخبويا ،  أو فئويا او مختصا بحقل علمي دون أخر ، ليناهضه الماديون اليوم تحت ذريعة مناهج التفكير العلمية أو غير العلمية بل أن مشروع الفلسفة ومنذ ولادته وحتى اليوم هو مشروع امة وجمهور ومجتمع ، قبل أن يكون مشروع معامل تجريب وتحليل أو مشروع سياسة فحسب أو مشروع قوانين واجتهاد وبناء ، ولهذا ما من امة ينزوي عنها المشروع الفلسفي أو هي تنزوي عن مشروع التفكير الفلسفي إلا كانت امة ميتة وتابعة ومنقادة ولا فعل لها في هذه الحياة !!.

هذا ما يقدمه المشروع الفلسفي اليوم ، لأي امة تحاول إعادة بناء حضارتها الإنسانية الغاطسة !.

وهذا ما يقدمه المشروع الفلسفي لكل أبعاد الحياة الإنسانية عقديا في إمكانية مشروع الفلسفة من تجديد الوعي الديني وإصلاحه ،وسياسيا بطرح حكومة الفلاسفة والمفكرين القادرين على فهم الادارة والقيادة ،وقانونيا بقدرته على وعي القانون وماهية وظائفه ومقاصده  وفنيا واقتصاديا وتربويا واجتماعيا وعلميا ……الخ !!.

هذا هو مضمون المشروع الفلسفي الذي عندما غيّب مع الاسف في العصر الحديث أصبحت الآلة واذرع المصانع والرأسمال …  هو المتحكم في عقل  الإنسان وأساليب تفكيره ، بدلا من أن يكون الإنسان هو سيد الآلة وسيد العالم من حوله !!.

alshakerr@yahoo.com

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *