ثيوقراطية عسكرية

ثيوقراطية عسكرية
محمود غريب

بقلم – محمود غريب:

لم أكن يومًا أفطن للخيوط التى وضعتها قيادات القوات المسلحة، منذ ثلاث سنوات تقريبًا، إبان رحيل المخلوع حسنى مبارك، لبدء مرحلة الاستمرارية فى حكم العسكر الذى تتجسد أهم سماته فى الجلد لمن خالف، والسجن لمن تمرد، إلا عندما قال لى أكثر من صديق «لن أغضب لموتك لأنك تهاجم جيشنا المصرى». هجوم الأصدقاء جعلنى أفكر بعمق: ماذا فعلت القيادات العسكرية كى تجعل صحفية تطلب غمزة من السيسى للنزول، عبر صحيفة تعتبر مستقلة، وآخر يضع فوق رأسه حذاءً للجيش، وثالثًا يكفر أو ينعت مهاجم السيسى بالإرهاب أو بانتمائه لجماعة الإخوان ولربما يكون المنعوت مسيحيًا أصلاً.

وأنا فى طريقى لإحدى محافظات الدلتا استوقفتنى لافتة مكتوبا عليها ما مضمونه “أن عمر بن الخطاب أتى بحق المصرى الذى ضربه ابن عمرو بن العاص عندما سبقه الأخير، والسيسى أتى بحق المصريين، إذن فالسيسى هو عمر بن الخطاب.. يا للهول؛ ماذا قدم السيسى لمصر كى يُحتفى به بهذا الشكل؟! هل قضى على الإرهاب؟! هل أنقذ الاقتصاد؟! هل حقق الوحدة الوطنية؟! بل عكس ذلك هو ما حدث بالفعل.

عندما أمعنت النظر فى المشهد منذ رحيل المخلوع مبارك، استنبطت أن حلقة مفرغة وضعتنا فيها قيادات القوات المسلحة بدأها طنطاوى وأكملها السيسى، والحديث عنها يطول، وليس موضعه الآن.

قبيل إعلان السيسى قراراته؛ وخطة محكمة نفذها تمهيدًا للنزول بالقرارات التى أعلنها لحكم مصر للانتقال من حكم الإخوان سواء اتفقنا أو اختلفنا معه إلى حكم الدولة البوليسية، والقبضة الحديدية- أوهم السيسى بلجانه الإعلامية أنه فاتح مصر ومحرر الأرض من الاستعمار، وراح ينسج خيوط الدولة الثيوقراطية لكن هذه المرة بنكهة عسكرية، أذاع الأغانى الوطنية جمع الفنانين فانطلقوا يتبارون فى مدح الجيش وقادته، غنائيًا.

استهدف السيسى ومعه لجانه، المصرى الفقير الذى كان يستمع إلى الأغانى الوطنية فى ذكرى حرب أكتوبر والعبور العظيم، أو يستمتع بمباراة لكرة القدم للمنتخب المصرى وهدف لأبو تريكة يدخل الفرحة على متعطشى الانتصار، إلى أغانى انتصار وعبور القوات المسلحة بإزاحة فصيل سياسى، ليس له الحق فى إجرائه فى الأساس.

بدأ بالتوازى إعلام آل مبارك يصفق وينعت آل العسكر بأنهم الفاتحون فسجنهم منتجع سياحى، وحذاؤهم مظلة من حرارة الشمس ومن ينتقضهم عدو لله والوطن، ويستحق اللعنة على أفكاره الضالة والمخربة.

هذه الثيوقراطية التى لا تختلف عن ولاية الفقيه الإيرانية، التى تتجلى صورها بأن مخالفة أمره معصية والخروج على طاعته كفر، والاهتداء بأمره عبودية لله، سوى أن العسكرية تجمع خيرى الدنيا والدين، وهى أشد فجرًا وضلالاً من الأولى. ولعل الفارق الجوهرى بين الثيوقراطية بمفهومها البحثى والثيوقراطية العسكرية، أن الأولى تفرضها السلطة وربما تقبلها الشعوب وهى مرغمة، أما الأخيرة فتكتسب دعمًا شعبيًا من خلال تسكير «تغييب العقل» لعامة الشعب، حتى يدافعون عن قياداتها بأرواحهم ويقبلون أن يعيشوا بتراب الأرض وتحت كل خطوط الفقر وتظل القيادات العسكرية فوق أى نقض وأى هجوم، وهو ما يدفع هذه القيادات للاحتماء بهذا الدعم للقضاء على المخالف، وهو ما تجلى فى دعوة السيسى الأخيرة للتفويض.

لست منزعجًا من كم الهجوم الذى طالنى من إعلان رفضى لدولة العسكر رغم كم الرثاء الذى طالنى على آرائى واتجاهاتى التى عارضت فيها الجميع من قبل بلا استثناء، للحد الذى نُعِتُّ فيه بكل الصفات الفكرية، لأنى ما رأيت خطوطًا حمراء أمام أى نظام إن حاد أو أخطأ، لكن بتعرضى لدولة العسكر، تكسرت كل أنواع الود والصدقات، التزامًا بأدبيات الثيوقراطية العسكرية.

إيذاء ما سبق، فإننى أؤكد أن الجيش المصرى الذى يضم تحت لوائه أخى وجارى وصديقى فوق الرأس ومُصان بكل أنواع الاحترام، لأنه يؤدى مهمة وطنية توجب على الجميع أن يقدم له الاحترام والتقدير على دوره العظيم، لكن ما أعارضه أنا وكثير غيرى من رافضى حكم العسكر، هو رفض توجهات وخطوات القيادة العسكرية التى تدخلنا كل يوم فى دوامة لا نعرف نهاية لها.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *