السيدة التي ينحني قلبي لها احتراماً

السيدة التي ينحني قلبي لها احتراماً
news_CD74AC60-B81A-4772-858A-38F2BC3FC2E5

كتبت ـ سلمى خطاب

كلما سمعت اسمها، أشعر و كأن قلبي ينحني احتراماً و إجلالاً لصاحبة هذا الاسم؛ إنها “خديجة بنت خويلد” زوجة الرسول الكريم صلي الله عليه و سلم.

كل نبي من الأنبياء يبعثه الله برسالة إلي قومه فيجد صعوبة و مشقة و تعنتاً من الناس و صداً عن هذه الدعوة، و المعروف أن أصحاب الرسالات يحملون قلوباً شديدة الحساسية، و يلقون من شدة الواقع الذي يردون تغييره، إنهم يقاسون في سبيل الحق، و هم في نفس الوقت في حاجة ماسة إلي من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس و الترفيه و المعونة. و كذلك كانت خديجة رضي الله عنها سباقة إلي هذه الخصال و كان لها أثرها الكريم في حياة أشرف الخلق و حبيب الحق سيدنا محمد صلي الله عليه و سلم.

قال ابن الأثير “كانت خديجة رضي الله عنها امرأة ذات شرف ومال تستأجر من الرجال ما تشاء في مالها و تضاربهم إياه بشيء تجعله له منهم

فلما بلغها عن رسول الله صلي الله عليه و سلم  صدق الحديث و عظم الأمانة و كرم الأخلاق، أرسلت إليه يخرج في مالها إلي الشام تاجراً و تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره و معه غلامها ميسرة.

وقد قبل محمد صلي الله عليه و سلم هذا العرض و رحل إلي الشام عاملاً في مال خديجة و قد حالفه التوفيق من الله تعالي في هذه الرحلة أكثر من سابقتها و ربحت الكثير، و سرت خديجة بهذا الخبر وهذا الربح الجزيل الذي أحرزته، ولكن إعجابها بالرجل الذي اختارته كان أعظم.

وعلينا أن نعرف أن خديجة كانت عريقة النسب، امرأة ثرية ذات مال كثير ومن صفاتها أنها كانت معروفة بالحزم و العقل.

وكانت مطمعاً للكثير من الرجال الذين طمعوا في الزواج منها، لكنها كانت تعرف أنهم يطلبون مالها لا نفسها، لكنها عندما عرفت محمد صلي الله عليه وسلم وجدت نوعاً آخر من الرجال، لماذا؟

رجعت بذاكرتها إلي الوراء فوجدت أنها عندما كانت تحاسب الرجال الذين يتاجرون في مالها فكانت تجد فيهم الشح و الاحتيال أما هذا الرجل فقد رأت أنه تفوق في كرامته و نبله فما تطلع إلي مالها و لا إلي جمالها، لقد أدي ما عليه ثم انصرف راضياً بما قسم الله له.

 

 

أخذت خديجة تحدث نفسها بشمائل محمد صلي الله عليه و سلم، و لكنها تحدثت بما في نفسها إلي صديقة تدعي لها “نفيسة بنت منية” ، و ذهبت صديقتها إلي سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم، تفاتحه أن يتزوج من خديجة.

 

و قبل رسول الله صلي الله عليه و سلم هذا الزواج، و كان ذلك قبل بعثته، ثم حدث أعمامه في ذلك، فذهب أبو طالب و حمزة و غيرهما إلي عم خديجة “عمرو بن أسد” و خطبوا إليه ابنه أخيه.

 

تم الزواج السعيد في بيت خديجة رضي الله عنها و كان سيدنا محمد وقتها في الخامسة و العشرين من عمره،و كانت هي قد ناهزت الأربعين و ظل هذا الزواج قائماً حتى ماتت خديجة و هي في الخامسة و الستين من عمرها.

 

كانت لخديجة رضي الله عنها منزلة عظيمة عند الرسول صلي الله عليه و سلم، فكانت محل كرامة و اعتزاز، أنجبت له القاسم و كان يكني به بعد النبوة، ثم أنجبت له بعد القاسم زينب و رقية و أم كلثوم و فاطمة و عبد الله؛ و يمتحن الله الزوجين فيأخذ منهما ابنهما القاسم، و مات أيضاً عبد الله و هو طفل، و مات سائر بناته صلي الله عليه و سلم في حياته إلا فاطمة رضي الله عنها فقد ماتت بعده بستة أشهر، و لكن الزوجين صبرا على بلاء الله لهما.

 

امرأة يبعث الله لها السلام مع جبريل

بلغ من فضل خديجة عند الله أن أنزل جبريل على النبي صلي الله عليه و سلم فقال له “أقرىء خديجة من ربها السلام

 

فقال صلي الله عليه وسلم:- ” يا خديجة- هذا جبريل يقرؤك السلام من ربك، فقالت: الله السلام و منه السلام و على جبريل السلام.”

 

الله لم يبعث السلام لأحد إلا لرجل و امرأة، الرجل هو أبو بكر الصديق و المرأة هي خديجة رضي الله عنها.

 

إن ما ظفرت به خديجة من مكانة لم يظفر به أحد من السابقين الأولين، و الخلفاء الراشدين، و ذلك لموقفها يوم صدقت الرسول الكريم في دعوته و تأيدها لأمره، و لأنها أول من آمن النساء.

 

و لا ننسى عندما نزل الوحي على رسول الله صلي وسلم لأول مرة في غار حراء، و قال له الملك اقرأ فقال ما أنا بقاريء، القصة المعروفة؛ و رجع صلي الله عليه وسلم يرجف فؤاده مرتعشاً و هو يقول “زملوني زملوني” و أسرعت خديجة إليه و غطته  ومازالت به حتى سكن، وعرفت ما به ، وقالت والله لا يخزيك الله أبداً.

 

و عللت ذلك بقولها” إنك لتصل رحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الدهر

 

هذا هو وفاء الزوجة الطاهرة لزوجها، أخذته إلي ابن عمها ” ورقة بن نوفل” و لما عرف ورقة وسمع من النبي صلى الله عليه و سلم ما كان من أمره فعرف أنه الوحي، فقال له: هذا هو الناموس الذي أنزل على موسي لئن عشت لأنصرنك حين يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أو مخرجي هم؟ قال له ورقة ما من نبي بعثه الله إلي قومه إلا أوذي.

 

عاشرت السيدة خديجة سيدنا محمد خمسة عشر عاماً قبل أن يبعث و هي أعوام طويلة  تكفي لأن تكشف عن جوهر هذا الزوج، و تبدي من طبائعه و خصاله ما قد يخفي على غيرها من الناس.

و في السنة التاسعة من ذلك الجهاد العظيم ماتت خديجة،و اشتد حزن زوجها علي أعز نصرائه، و أصدق وزرائه.

 

ماتت التي كانت سكناً مريحاً لرسول الله الكريم، و لكن عظمة و مكانة المرأة لم تمت، فبعد وفاتها أشتد حزن النبي صلي الله عليه و سلم عليها فنزل جبريل و قال “يا رسول الله كفاك حزناً على خديجة، فإن خديجة في الجنة في بيت من قصب لا تصب فيه و لا وصب

 

و المقصود ببيت من قصب أي بيت من لؤلؤ، و لا وصب أي لا تعب.

 

 

و قال عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم بعد وفاتها “صدقتني إذ كذبني الناس، و واستني بمالها إذ حرمني الناس، و رزقني الله أولادها حين حرمني أولاد النساء“.

ومن حب النبي صلي الله عليه وسلم لها ما قالته السيدة عائشة رضي الله عنها في ذلك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذبح الشاه فيتتبع بها صدائق خديجة فيهديها لهن، و دخلت امرأة سوداء على النبي صلي الله عليه و سلم فأقبل عليها ، قالت عائشة: فقلت يا رسول الله أقلبت على هذه السوداء هذا الإقبال؟ فقال إنها كانت تأتينا أيام خديجة و إن حسن العهد من الإيمان.

 

تلك كانت بعض مناقب السيدة الطاهرة خديجة رضي الله عنها و أرضاها، السيدة التي كلما سمعت اسمها؛ أشعر بقلبي و كأنه ينحني لها احتراما و تقديراً.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *