العشاء الأخير

العشاء الأخير
العشاء الاخير

بقلم/ ريم أبو الفضل:

لدى قناعة أن الفنان عندما يرسم لوحته لا يستخدم فقط ريشةً وألوان ..بل إنها مجرد أدوات مساعدة له فى الرسم.

فاللوحة الفنية تُرسم بمشاعر وأحاسيس، وتستنزف طاقة نفسية هائلة، وبقدر ما كانت أدواته صادقة تخرج اللوحة غاية فى الإبداع

وكثيرا ما أتوقف أمام لوحة فأتخيل الحالة التى رسمها عليها الفنان، وكيف كان خياله، ولماذا فعل تلك الرتوش.

توقفت كثيرا أمام لوحة “العشاء الأخير” ل”ليوناردو دافنشى” والتي عكف عليها 18 عام.

ويُقال أن “دافنشى” برع فى رسم الانفعالات الدقيقة على وجوه شخصيات” العشاء الأخير” بفضل دراسته للتشريح.

بحثت فى لوحته عن “يهوذا ” الخائن وربما أصبت فى توقعى، رغم أن الخيانة ليست كالكذب قد نلمحها فى قسمات صاحبها، وإلا لما خُدعنا مرات من خائنين.

تذكرت تلك اللوحة وأنا أسير فى أحد الشوارع الرئيسية مساء الثانى من يوليو ، وأبصر مشهداً ذّكرنى بلوحة “العشاء الأخير”.

وكما تضمنت اللوحة الغاضب والمستنكر .. كان الخائن أحد الشخصيات المحورية فيها.

اكتظت الشوارع بالناس وقد خرجوا ليسقطوا النظام الذى أخفق فى إدارة البلاد.

كان بينهم الثائر الذى ظل لأكثر من عامين فى الشارع يطالب بالقصاص لزملائه وبالحرية لآخرين وبالنصر للوطن، وبينهم الانتهازى الذى ينتظر الفرصة ليقتنصها.

ولكن كما طال وقوفى على لوحة “دافنشى” لتأمل شخصية “يهوذا” الخائن طال تأملى وشرودى لتأمل فصيل الخائنين ..وأنا أعجب لخداع الشعب فيهم وتهليله له.

كيف انطلى عليه خديعتهم وهم من ذاقوه الأمرّين ؟!وكيف يأمن الشعب لهم ؟!

عندما شاهدت ذلك العدد الهائل فى الشارع ، أيقنت أن مرسى يحتاج لحنكة سياسية ومرونة أيدلوجية لا قِبَل له بهما.

أدركت أن مرسى يحتاج لخطة مدروسة لامتصاص هذا الغضب الهائل..ولكنه وقع فى نفس خطأ من سبقه، واتهم الجموع الثائرة بالقلة المشاغبة.

وصلت بيتى فإذا بى أسمع له الخطاب الأخير…وقد أحسست فعلا أنه سيكون الأخير.

لم يتخل مرسى عن ارتجالية خطاباته التى لا تعطينا فى النهاية كم معلوماتى عن رؤيته وعلاجه لأى أزمة.

فبينما الشعب هائج..نجده يتحدث عن الشرعية ..وقد أضفى عليها قدسية تسقط عن أى بشر.، واستفز الخطاب سائر الشعب ..وثارت ثائرته بشكل أكبر…

فشل الإخوان فى اختيارهم لمرسى..فلم يكن رجل المرحلة الحرجة،وفشل مرسى فى تسيير هذه المرحلة.

انتظر البعض هذا الفشل وساهم فيه، وحاول الآخرون مساعدة مرسى ولكنه كان منصاعاً للجماعة حتى استقال عددا من مستشاريه.

مرسى وجماعته مسؤولون عن عام كامل من الأزمات ، ووعود لم تنفذ.. ولكن فى النهاية يكون العقاب على قدر الخطأ.

اليوم ..بمثياق الشرف الإعلامى تُغلق قناتهم، ويُقبض على قيادات الإخوان ، ويُمنع آخرون من السفر.

فليُحاكم كلٌ عن خطئه..ولكن من الظلم أن يُحاكموا عن ثلاثين عاما من الفساد والإفساد.

ليس دفاعا عن مرسى..فكنت من المعارضين لسياساته ..ولكنه إنصافا ودفاعا عن الحق.

أصوات الشامتين والكارهين تعلو..ستعودون مرة أخرى إلى السجون.

أعدلُ أن نمارس عليهم الظلم الذى وقع عليهم من النظام القديم!!
فليُحاكم من أخطأ..وليُسجن من تثبت عليه التهم.

ولكن الثورة التى قامت من أجل العدالة والحرية لا يمكن أن تظلم وتسجن

علينا أن نغربل كل الجموع التى نزلت للشارع يوم 30 يونيو.

فقد كانت فرصة البعض لارتداء ثوب الثورية ،وفرصة آخرين للإجهاز على الثورة.

فاليوم الإخوان..وغدا الثوار

علينا أن نطبق مبادئ الثورة (عيش- حرية- عدالة اجتماعية) وأهدافها، فلا ننس الطبقة الفقيرة التى أغفلها مرسى، ولا ننس معتقلينا بالسجون.

علينا أن نحذر من الخائن فهو لا عهد ولا دين له..أخطأ مرسى وجماعته حين أمنوا للخائن فى اعتقادٍ أنه حنكة وذكاء.

علينا ألا نخطئ فيما أخطأ فيه مرسى والإخوان بسياسة الإقصاء فالأقباط والإخوان والليبرالين والعلمانين واليسارين من الشعب المصرى.

مصر ليست كعكة يتقاسمها المنتفعون..مصر وطنٌ يتقاسمه المصريون وإلا تناولنا جميعنا…..العشاء الأخير

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *