القضاء العرفي في مصر .. ماهو .. وكيف يتم

القضاء العرفي في مصر .. ماهو .. وكيف يتم
القضاء العرفي

تحقيق- محمد الشلوي:

إذا كان القضاء العُرفى هو وسيلة متعارف عليها في مصر للتحكيم بين الخصوم وأحكامه لها قوة الإلزام الفاعلة بين العائلات الكبيرة والقبائل بمصر، لاسيما باقليم مريوط وغرب الاسكندرية …إذن بداية نريد أن نستجلي كنهه؟؟ فماهو القضاء العرفي ومفهومه ، فمامدى اختلافه عن القضاء العادي ؟!

فماهو القضاء العرفي وما مفهومه؟!

القضاء العُرفى هو وسيلة متعارف عليها للتحكيم بين الخصوم وأحكامه لها قوة الإلزام الفاعلة بين العائلات الكبيرة بمصر لاسيما إقليم مريوط وغرب الاسكندرية، وفي كثير من الاحيان يكون موثقا من الجهات الأمنية والرسمية بالدولة، وتلجأ إلية الدولة أحيانا لفض المنازعات الكبيرة بين العائلات الكبيرة، للقضاء على الثأر (خاصة إذا كانت الجلسة العرفية ستؤدى إلى تصالح) ،منظومة القضاء العرفى فعالة جدا إذا كان المعتدى علية يرضا التعويض المالى وألإعتذار .

وعن ذلك يحدثنا الاستاذ ربيع عريف الشوي المحامي بالنقض والدستورية العليا ، وأحد المحكمين بين القبائل العربية ، وله العديد من الابحاث في عادات القبائل العربية وطرق التحكيم لديهم، وحكم في العديد من المجالس العرفية ومجالس الصلح بين القبائل البدوية بالعامرية وغرب الاسكندرية.

واستكمل قائلاً أن هناك العديد من العادات الموروثة بين القبائل العربية ، توارثناها كابراًعن كابر منها ما هو موافق للشريعة الإسلامية، ومنها ما هو مخالف لها، وانما يوافق هوى ضعاف النفوس .

ومن العادات المرعية والمعمول بها، والتي أرفضها رفضاً تاماً ما يسمى (بالعقارة)، وهي عبارة عن مال يحصل عليه صاحب الأرض المباعة، التي ورثها عن اجداده، من أصحاب المنطقة، حال ما باعها المشتري أو خلفه الخاص ، لمشتر جديد .

وهي من وجهة نظري الشخصية تخالف الشرع الحنيف، وأرفضها رفضاً باتاًحسبة لله تعالى في جلساتي العرفية ، وأعتبرها إتاوة مقنعة ، تفرض بالقوة .

ولأنها عرف ولكن يخالف الشرع ، فالشرع واجب التطبيق لأنه من الخالق، والعرف من إطراد عادات الناس .

كيف تتم إجراءات التحكيم العرفي؟

والقضاء العرفى لا تبدأ جلساتة أبدا بدون كفيل غارم مقبول وحسن السمعة ومعروف بالصدق لكل من الطرفين المتنازعين ولهيئة التحكيم من القضاة المعهود اليهم الحكم ،أو الحصول على ضمانات مالية ملموسة، وأيضا وعود شَرف تؤخذ من ألسنة كبار عائلات الأطراف المتنازعة (ويقال لمن وعد منهم أعطى الرجل وجهه ( أى أن كرامتة وبياض وجهة مرتبطان بعدم إخلالة بوعودة لمجلس التحكيم).

هل للقضاء العرفي الحق في اصدارالعقوبات المغلظة أو تنفيذ القصاص؟

لا يستطيع القضاء العرفى الحكم بعقوبات الموت أو الإيذاء الجسدى أو عقوبات سالبة للحرية (كالسجن)،  ولكنة يستطيع الحكم بإبعاد شخص ما عن مكان ما منعا للشر وإثارة الأوجاع واستذكارها.

والقضاء العُرفى يعتبر استثناء للقاعدة ولكنة معمول بة في أكثر منازعات قبائل مصر للأن)، والقضاء العُرفى معمول به بين كل قبائل مصر، ولا يمكن انكار دور الدولة والسلطة القضائية ولكنا نلعب دور المعاون في تقليص الخلافات. والتخفيف عن كاهل القضاء فضلاً لما نتمتع به من روح العدالة والوجاهة لدى المتخاصمين. لأنه تحكيم اختياري بين اطراف النزاع.

هل يتعترف الحكومة المصرية بالقضاء العرفي ؟

وطالب شيوخ قبائل البادية في مصر بوضع نص في الدستور يعترف بالقضاء العرفي المعمول به في المناطق القبلية، وانتقدوا ما اعتبروه(تجاهلاً) لتمثيل القبائل البدوية في الجمعية التأسيسية ،والدستور. ولكن دون جدوى.

وأكد مشايخ القبائل في العامرية أن القضاء العرفي يتسق مع العادات والتقاليد الخاصة بالقبائل، ولابد أن تعترف به الدولة، وهو لا يعني أنه بديل عن القضاء المدني بل مكملً له، وأوضحوا أن القضاء العرفي يحل 90% من المشاكل التي يعاني منها القبائل في مصر.15 يومًا

هل القضاء العرفي يستند الى قانون مكتوب ؟

يعتبر القضاء العرفي في البادية قانون غير مكتوب وملزم للجميع، وذلك في ظل العادات والتقاليد التي تميز هذا المجتمع عن غيره, ففي صحراء مصر الغربية تقطن قبائل ترجع للفصل في النزاعات فيما بين أبناء القبائل المختلفة لقانون غير مكتوب ولكنه ملزم، وهو قانون خاص لفض المنازعات التي تنشأ بين الأفراد والقبائل بالصحراء.

وتضم الصحراء الغربية خمس قبائل كبرى هي (القطعان، الجميعات، وعلي الأبيض، على الأحمر، والسننة) هذا بالإضافة إلى قبائل واحة سيوة الإحدى عشر دربة من أولاد على؛ وأطلق أهل البادية على هذا القانون العرفي اسم (الدربة) أي النهج أو الطريق الذي تسير عليه الحياة، ويحكم به بين أبناء البادية وقبائل العبيدات المعروفة وهم الشلاوية والحرابي والشواعر.

كيف نشأ القانون العرفي في مصر ؟

للتأصيل التاريخي ، وفي حوالي القرن العاشر الهجري، وبالتحديد في عام 1064 من الهجرة اجتمع زعماء القبائل لإعداد دربة أولاد علي، والذي يعد بمثابة قانون ملزم لجميع القبائل باعتباره صمام أمان بين أبنائها يقضى بينهم في كل مشكلاتهم وأحوالهم المدنية والشخصية، وجميع قضاياهم من الجنح إلى الجنايات.

وفي حوالي الستينيات، طبق نظام الإدارة المحلية في محافظة مطروح كما تم إنشاء المحاكم المدنية ونظام القضاء العادي، وبالرغم من وجود المحاكم المدنية والعسكرية فإن حفظ الأمن والنظام لم يتأتي في البقاع التي تسكنها قبائل أولاد علي إلا بعدما ظلت الدربة سارية المفعول في كل الظروف وعلى مختلف الأحوال.

ماهي المسائل التي ينظمها القانون العرفي وما عدد مواده ؟

والقانون العرفي الذي يحكم المعاملات بين الأفراد له أكثر من 65 بندًا، حيث يفصل بين الأفراد والقبائل في كل أمور الحياة كالقتل الخطأ وقتل القريب، وقتل الحيوانات وشهادة الزور والإرث.

ومن القواعد والبنود الرئيسية في القانون العرفي الذي طالب الكثيرون في الصحراء بتفعيله هذه الأيام بعد حالة الانفلات الأمني في أغلب محافظات مصر (الشرع) حيث يأتي الحسم بين الأطراف المتنازعة بالرجوع إلى الشرع الإسلامي و(الميعاد) أي تحديد المكان والزمان الذي سيتم فيه الفصل في القضية ولا يجوز التخلف عن الميعاد ولا مخالفة الحكم إلا بالاستئناف في مجلس آخر.

من هو القاضي العرفي وما صفاته وسماته؟

القاضي العرفي أو( المرضي) وهو رجل من أولاد علي يتصف بالأخلاق الحميدة ذو فكر صائب على دراية وخبرة بدربة أولاد على ليتمكن من النظر في النزاعات المختلفة، وغالبا ما يكون الحكم فيها بمبالغ مادية أو بالذبائح التي لا مناص منها حتى يرد للشخص المعتدى عليه اعتباره بين أفراد قبيلته.

تتكرر على أسماعنا  لفظة (النزالة)  فما هي النزالة، وما معناها؟!

ومن أهم بنود فض المنازعات في دربة أولاد علي (النزالة) ومعناها أن تنزل القبيلة التي يقتل أحد أفرادها على قبيلة ثالثة، تسمى المنزول عليها ومدة النزالة عام كامل والغرض منها الفصل بين قبيلة القاتل، وقبيلة المقتول.

ومن الأشياء الطريفة أنه لابد أن تكون النزالة على قبيلة تكون المسافة بينها وبين قبيلة المقتول لا تقل عن 30 كيلو مترا، وأخذ الإذن من قبيلة المقتول حتى تستضيفه قبيلة المنزول عليها..

وغالبا ما يحكم القاضي العرفي بين القبيلتين بدفع الدية بحيث يتم جمعها من أفراد قبيلة القاتل وهي محددة على الأفراد الراشدين كنوع من التكامل الأسري.

وشهدت مدينة العامرية الاسكندرية أواخر السنةالماضية حالة من أشهر حالات القضاء العرفي بعد أن نجح رجال الدعوة السلفية في إنهاء خصومة بين قبيلتي  بالعامرية بحضور الداعية السلفي الشيخ شريف الهواري والشيخ محمد عمران، وسيادة المحافظ السابق الدكتور أسامة الفولي وقيادات من مديرية أمن الاسكندرية والمنطقة الشمالية العسكرية وهو الخلاف الذي استمر لمدة شهور .

هل يتناسب القضاء العرفي مع كل المجتمعات؟

وللقضاء العرفى، أداة لضبط إيقاع الحياة فى المجتمعات القبلية التى تختص بطبيعة حياة مختلفة فرضتها تركيبة الشخصية القبلية وحالة العزلة التى عاشتها تلك المجتمعات فى ظل أنظمة الحكم السابقة، ما جعله جزءا أصيلا من تقاليد المجتمع وملاذا لحل الخلافات بعيدا عن أقسام الشرطة، وتزايد دوره مع حالة الانفلات الأمنى التى عاشتها مصر فى فترة ما بعد الثورة، ” التقت بالشيخ ، القاضى العرفى بإقليم مريوط ، والذى تحدث عن دور القضاء العرفى والتغيرات التى طرأت عليه وأبرز القضايا التى يفصل فيها..

ما هي مصادر القانون العرفي (البدوي) ؟؟

تتميز المجتمعات القبلية بتكوين اجتماعى يختلف عن مثيله فى المجتمعات الحضرية، وخاصة فى احترام كبار القبيلة العادات والتقاليد المتوارثة، ما جعل من القضاء العرفى الذى استقى أحكامه من الشريعة الإسلامية، أحد سنن المجتمع القبلى ولعب دورا هاما فى استقراره فى وقت اشتعلت فيه المناطق الحضرية بالجريمة ونجح القضاة العرفيون فى حل مئات القضايا بعيدا عن المحاكم وأجهزة الشرطة، ساعدهم طبيعة أفراد القبائل التى تفضل تحمل أخطاء أبنائها والالتزام بقواعد الأحكام العرفية بعيدا عن علنية المحاكمات القضائية.

هل يتم التحكيم في قضايا بعينها أم تمتد لكافة أنواع المنازعات؟؟

ويؤكد أن القضاء العرفى يتدخل فى كافة القضايا كالسرقة والنصب والقتل والسب والقذف، ولكل جريمة أحكامها بل تتعدد الأحكام داخل الجريمة الواحدة، كما تختلف تخصصات القضاة فى كل قبيلة، فهناك قاض للقتل وآخر للقضايا العامة، ويشير الشيخ الهواري إلى دخول بعض القضايا المرتبطة بوسائل التكنولوجيا إلى مجال القضاء العرفى مثل التشهير باستخدام المحمول والكمبيوتر، ويكون الحكم فيها طبقا لقواعد الشريعة، وتقاليد المجتمع بعد التحرى عن الواقعة للتحقق منها”.

هل تراجع دور القضاء العرفي أم مازال دوره فاعلاً؟

ويتابع “تراجع دور القضاء العرفى كثيرا خلال السنوات الأخيرة من النظام السابق، وأصبحت أحكامه أقل عقوبة وردعا وخرجت عن مسارها فى تطبيق الأحكام بين المتنازعين، بسبب ضعف النظام وعدم دعمه للقضاة العرفيين ودخول عناصر غير مؤهلة تجهل قواعد التقاضى وتصدر أحكاما بعيدة عن المتعارف عليه قد تضر بالطرف صاحب الحق، بجانب أن البعض أصبح يتقاضى أتعابا أو ما يسمى «الرزقة» مقابل القضايا وفى مرحلة ما بعد الثورة، زادت الجريمة والمشاكل خاصة مع حالة الانفلات الأمنى الذى عاشته البلاد والذى جعل من القضاء العرفى الوسيلة الوحيدة للحصول على الحقوق، مع بقاء نفس المشكلات التى نعانى منها كقضاة عرفيين، فضلا عن ظهور مشاكل مصاحبة لعملية «التوثيق»، وتعنى عدم التزام الشخص بحكم الجلسة العرفية، فيلجأ صاحب الحق إلى توثيق شيء ثمين من الطرف الآخر أو من كفيله كسيارة مثلا والاحتفاظ بها لحين سداد الغرامة المستحقة.

كيف يتم التحكيم العرفي؟ وما اجراءاته؟

 وعن إجراءات التقاضى، يقولأحد المشايخ : تبدأ الإجراءات بتدخل وسيط محايد للتقريب بين أطراف النزاع ويستضيف جلسة الصلح فى منزله وتعقد بحضور كبار العائلات المتنازعة ويتكفل الطرف المخطئ بتقديم المأكولات والمشروبات وواجبات الضيافة، ويلتزم كل طرف باحترام القاضى ومراعاة حرمة مكان التقاضى وعدم الاحتكاك فيما بينهما وإلا وقعا فى مشكلة أكبر من القضية ذاتها .

ويستكمل، “يتم توصيف الواقعة خلال الجلسة ففى حالة التعدى بالضرب فإن الجرح الظاهر يختلف فى قصاصه عن الجرح المستتر ويقاس بعقلة الأصبع أو ما يسمى )البنانة) وعلى أساسها تقدر غرامة الجانى، وفى القتل نتعامل بحق الدم وفيه تفرض دية على أهل القاتل تبدأ من نصف مليون جنيها، أو أن يحضر القاتل بكفنه رغبة فى العفو عنه وهناك عائلات تعتبرها إهانة ووصمة عار لها .

أخيراً، بعدما تعرفنا على القضاء العرفي وأستجلينا كنهه، ووضحنا كل كبيرة وصغيرة عنه لا يسعني الا أن أقدمها للقارئ العزيز ليلم بالموضوع، ويتعرف على أصالة الشعب المصري وحضارته، وعبقريته في استباق الزمان والشعوب وقدرته على التكيف مع عاداته وتقاليده.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *