النمنمية .. مقال الحقيقة

النمنمية .. مقال الحقيقة
سد النهضة

قلم/ علاء سعد:

كنت احسب حينما بدأت في كتابة هذا المقال أنني ساعنونه بمصر هبة النيل، ولكن حقيقة الأمر بعد أحداث سد النهضه الأثيوبي , والذي هو بالنسبة لأثيوبيا يمثل بعدا نهضويا ويمثل لمصر كارثه يظن البعض انها لم تحدث في مصر , اولعل الوادي قد  نسي في غمرة  ثبات مستوي النهر ببحيرة السد علي مدار السنين.

نسي الوادي تاريخه وتاريخ النهر فأصبح أكثر كسلا واكثر رخاء. فمصر بالرغم من مميزات موقعها وموضعها , إلا ان اسباب دمارها أيضا تأتي دائما من عيوب الموقع والموضع , فالموقع يفرض أخطار الخارج , والموضع يؤكد اسباب الفناء من الداخل. ويؤكد بن خلدون  في مقدمته , علي هذا حينما يقول “ان الهالكون من المجاعه إنما قتلهم الشبع السابق لا الجوع اللاحق” , ففيضان النهر وإستمراريته , تزيد الرخاء ومع زيادة الرخاء يزداد الكسل , إلي الحد الذي يصبح معه ضرورات الإحتياط من اخطار الفيضان أمرا ثانويا ورفاهية فكريه.

هكذا هي مصر طوال سبعة الالاف عام , وهي اليوم لم تتغير , فسد النهضه هو البديل لأزمة الفيضان السلبي.

ومما يبعث علي الخوف , بل يمكن ان نقول الرعب , ماكان يفعله إنحسار النهر بمصر , وما كان يؤدي إليه , فكل المؤرخين القدامي طرحوا تصويرا دقيقا , لما كان يحدث , يصل إلي حد ان الناس لم تكن تصدقه , وكان كل المؤرخين يقسمون انهم قد رأو ما كتبوه بأعينهم , ولم يكتبوه نقلا عن احد , ومن أشهر وأبشع المجاعات التي حدثت في مصر ما سجله البغدادي أثناء ما سمي الشدة المستنصريه , التي استمرت بضع سنين في اواخر العهد الفاطمي , والتي بدأت بأكل كل أنواع الدواب حتي وصلت إلي أكل لحوم البشر وانتهت بأكل التربة والجيفه , ولم يعد بعد ذلك هنالك شيء يمكن أن يؤكل ببساطة لأن من يأكلون قد أنتهوا وفنوا.

وتكاد تجد في كتب المؤرخين نمطا واحدا في وصف المجاعات التي حدثت في مصر , فتبدأ بإنحسار النهر والغلاء الفاحش المرتبط بندرة الإنتاج الزراعي والحيواني , إفتتاحية تقليدية تجدها في كل الكتب , لكن قاسمها المشترك الذي ينافس النهر وإنحساره , كان دائما وابدا الفقراء من الناس , الذين يبيعون ابنائهم رقيقا ثم موتهم جوعا حتي يساوي القحط  بين الأغنياء والفقراء , للدرجة التي كان يخرج فيها من القاهرة في اليوم الواحد عشرة الالاف للدفن كل يوم. ومع زيادة الندره وعمومها يتجه الناس إلي اكل الدواب والحمير والبغال والقطط والكلاب حية بداية , ثم بعد ذلك يستوي الحي منها مع الميت. ومع نفاذ ماسبق , يتجه الناس للنمنميه , او اكل لحوم البشر , فينقلب الناس بعضهم علي بعض , ويبدأ صيد الرؤس وقنص البشر , بخطف الأطفال , وفي مرحله لاحقه النساء ثم الرجال.

هذا هو وصف التاريخ وكلمته , كنتيجه حتميه لأي تهديد للنهر , ويستوي في التهديد , السماوي في ندرة الأمطار علي الهضبه , او خطة أثيوبيا في استغلال النهر في أخر مجراه من الناحيه الأثيوبيه , مما يؤكد علي ان اثيوبيا لا يهمها لا المصلحه المصريه او حتي السودانيه.

ومع هذا الوصف البشع الذي تقشعر منه الأبدان , وترتجف الأوصال خوفا علي الأبناء , هل يبقي للنخبه الحاكمه منها او الإعلاميه شيء يمكن ان ينطقوا به , ياساده هذا هو النهر , ومصر هبة لهذا النهر , إذا إنعدم فلا توجد مصر , فمصر أسرع الأرض خرابا , وكما يقول المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم ” هذا الإقليم إذا أقبل فلا تسأل عن خصبه , وإذا أجدب فنعوذ بالله من قحطه”

أيها الشعب المصري , أنت وحدك من سيدفع الثمن , فالنخبه ستقطع تذاكر السفر هربا وخروجا من الجحيم , وستعود إليها بعدما يفني القحط  فقراء الشعب المصري , تستولي علي أراضيه وعلي ماتركه إرثا بلا شرع أو شريعه .

أيها الشعب المصري , هل تريد ان تخرج من هذا النفق المظلم , عليك في البحث في اعماق النهر , وعليك ان تسأل نفسك , كيف لهذا النهر ان يمنعه بشر وهو الذي يجري من الالاف السنين , وينبع من الجنه , عليك ان تتأمل لكي تعرف , كيف تحولت الجنه التي ينبع منها إلي مرتعا للشياطين , وارضا للجحيم تريد ان تسلب منك الحياه , عليك أن تعرف من هو الظالم الحقيقي , وتقف امامه , وتضرب يده من حديد , عليك ان تعرف من الذي فرط في عدالة النهر , تلك العداله الضائعه بين الإقطاعيين الجدد والعمد والبشاوات من اعضاء القضاء والشرطه والجيش , هؤلاء الأعراب الذين تركوا  الرعي بملابسهم الرثه واصبحوا فلاحين بأيدي ناعمه , عليك ان تعيد العدل لمياه النيل , فيعود لك حقك الأصيل في النهر الخالد.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *