الاستفادة الإستراتيجية من الأخطاء..

الاستفادة الإستراتيجية من الأخطاء..
عمر1

بقلم_ محمد أحمد كمال الحفناوي .

       بينما تنافست وسائل الإعلام _ كالمعهود_ إلي توجيه الرأي العام ناحية السخرية من المشهد المختل الذي حدث أثناء الحوار الوطني بالأمس، والجماهير من جانبها _ كالعادة _تشتت وتفرقت بين مؤيد ومعارض، وساخر وشامت ومدافع. أما المشهد فيحتاج تحليله الوقوف عليه بشئ من التوضيح قليلاً من الوقت ؛

في البداية:- اعتذرت مسؤلة الرئاسة “باكينام الشرقاوي”والمكلفة بإعداد ترتيبات اللقاء معللةً هذا الخطأ بالنسيان، البعض رأي عبثية المشهد حول عدم ترتيب إجراءات البث المباشر للقاء، بأنها تعطي مؤشر محبط بخصوص عدم الترتيب الجدي للقاء حيوي يدور حول ترتيبات وأولويات الأمن القومي للدولة، في حين أن البعض الآخر يري أن اللقاء في مجمله لا يساوي شئ، لأنه بحسب رؤيتهم يسير في ركب اللقاءات السياسية البروتوكولية وحسب .. تبدو وجهتي النظر نسبياً برغم اختلافهما صحيحتان.فقط حقيقة يجب توضحها، إستراتيجياً أجهزة المخابرات والرئاسة وحدهما القادران والمكلفان فقط بإعداد الخطة الشاملة التي تتعاطى مع ملفات الأمن القوي لأي دولة، ويضاف أن بث مثل هذا الخطأ علناً ومباشراً للقاء سياسي_حتي ولو هامشي_ أمام الرأي العام العالمي قبل المحلي يحمل معني الكارثة الأمنية قبل أن تصبح فضيحة سياسية هزلية، لكن يأتي الفكر الإستراتيجي ليقول قول آخر في هذا الخطأ الواضح الفاضح؛

لتوليد استفادة إستراتيجية مثلي من رحم هذا الخطأ التكتيكي، أولاً، يجب وضع النقاط فوق الحروف، النقطة [ 1 ]تقول بأن : “إسرائيل ” هي المخطط والمنفذ والمستفيد الخفي من وراء هذا السد مستهدفةً تنفيذ إستراتيجية الحصار والإخضاع المائي المستقبلي ضد السودان ومصر، أما النقطة [ 2 ] تقول بأن: إثيوبيا ليست إلا الساحة الخلفية التي تدار علي هضابها العليا المعركة، النقطة [ 3 ] تقول أن: فلسفة سد النهضة تؤكد أن الإستراتيجيات الحديثة لإدارة صراعات هجومية أو دفاعية ضد الدول ابتعدت كلياً عن المواجهة الدموية المباشرة وانتهجت أساليب الحرب الطاحنة التي لا تسقط فيها نقطة دم، وعليها تقول النقطة [ 4 ] أن : الأسلحة المضادة في نفس هذه الحروب يجب  أن تصنع وتستخدم بنفس الآلية والتكتيك؛ بمعني أن المخابرات والخدع والإغراءات هي أهم الأسلحة الإستراتيجية _الهجومية والمضادة_ التي تستخدم في هذا النوع من المعارك، وأهم من ذلك كله سلاح “عدم التوقع” بصفته المحور الإستراتيجي الفارق في المعركة، والنقطة الأخيرة تقول بأن : المواجهة في معظمها هي مع “إسرائيل” وليست إثيوبيا.

“إسرائيل” تمكنت عبر الإهمال المتعمد من الأنظمة السابقة من مداهمتنا فجأة في عقر نيلنا، عليها يتوجب بنا _ بنفس الآليات_ أن نداهمها في كل منطقة ممكنة وصالحة للمواجهة، وبسلاح “عدم التوقع” يجب أن تنطلق خطتنا للدفاع عن أمننا القومي في مياه النيل، فبينما ” إسرائيل” تسعد مطمئنة حيال رد الفعل المصري الذي يبقي محاصراً في إطار ردود الفعل المتوقعة؛ إما الوقوع في فخ الخيار العسكري الكارثي، وإما القبول بالأمر الواقع، وحيث أن أي خيار آخر سريع سوف لن يكون بيد مصر الان، تكون “إسرائيل” قد ضمنت عدم مفاجئة مصر لها بأي سبيل يمكنها إيقاف السرعة التي يجري وفقاً لها خطة إنشاء السد، ويكون بذلك آلية “عدم التوقع” في الرد المصري قد تلاشت نهائياً.

فبينما الأمر يسير علي هذا المنوال؛ إذ بالخطأ المحوري الذي جري أمس في مشهد الحوار الوطني، بالتأكيد “إسرائيل”_من جانبها_ تجلس عاكفة علي متابعته الحوار في إطار الخطة الشاملة لقياس مدي وآليات الرد الفعل المصري، إستراتيجياً فضيحة اللقاء من هذا الجانب صنعت فرصة إستراتيجية ولا أروع للجانب المصري في إطار سياسة الإعداد لتكتيكات رد الفعل، المشهد الهزلي أعطي صورة للجانب “الإسرائيلي”هي نفسها الصورة التي انطبعت لجماهير الشعب المصري، بأن مصر ممثلة في الرئاسة حرقت كل كروت اللعب التي بين أيديها، وعبثية اتخاذ القرار ومناقشتة بهذه الهمجية الفاضحة توحي بأن مصر ليس بمقدورها الرد. ومن هذا الجانب، يمكن لمصر تحقيق أهم مكسب إستراتيجي يستفاد منه من هذا الخطأ الفاضح، ألا وهو إيقاع “إسرائيل” في فخ “عدم التوقع”، فما من أحد علي وجه الأرض اطلع علي مشهد الأمس، إلا وانطبع في ذهنه أن مصر بهذه الحالة البائسة ليس بمقدورها الرد، بينما سيغفل الجميع عن جانب مهم بيد مصر، وهو أن رد الفعل المصري كله يقع في يد المخابرات وأجهزة الدولة الأمنية الرسمية وليست عبر الحوارات التي تدار بين الرئاسة والأحزاب، فبيما سيلتفت الجميع للحاضرين بالأمس أنهم هم صناع القرار، فسيغفلون لا محالة عن الصانع الحقيقي الذي يختفي وراء الستار، وحدوث مثل هذا الأمر معناه أن صناع القرار في مصر سيجنون نقطة رابحة في إطار إيقاع “إسرائيل” من جديد في آلية ” عدم التوقع”، وهكذا يصبح المطلوب من أجهزة الدولة المصرية بكافة مستوياتها وهيئاتها اللعب بكل قوة علي تلك الوتيرة الخادعة، بأن هزلية صناعة القرار الإستراتيجي في مصر، لا يمكنها من تدبير أي رد فعل، ووقتها حينما تشرع  مصر لتنفيذ قرار رد الفعل، ستفاجئ “إسرائيل” بلا شك برد فعل استخباراتي علي أعلي مستوي يدمر كل ما صنعوا فيها وما كانوا يعرشون..

تاريخًا؛ نذكر أن في تفاصيل حرب أكتوبر قد أوقعنا “إسرائيل” في مثل هذا الفخ أكثر من مرة في مشهد رد الفعل المصري، الكل يتذكر ما كان من أثر إرسال دفعات الجيش التي أرسلت للحج والتلويح أكثر من مرة بعبارة “سنة الحسم” علي إيهام الجانب “الإسرائيلي” بأن مصر تعبث وليس بمقدورها ولا نيتها الرد.

_وأدندن كثيراً علي هذا العرض التذكيري لمشهد حرب للتأكيد علي مسامع وأذهان المصريين بأن عقليات الصهاينة وإستراتيجيتهم من السهل بمكان ترويضها وهزيمتها ومن ثم سحقها، بشرط تفعيل قدرات العقلية الذكية التي تروضهم، وتستفيد إستراتيجياً بكل ما أمكن الأخطاء التكتيكية في صالحها، وهذا ما نأمل فيه ونعول بقوة عليه.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *