المياه … قضية حياةُ ُ أو موت

المياه … قضية حياةُ ُ أو موت
المياة

بقلم/ أحمد صالح:

من المعروف أن مصر تندرج في المجموعة الثانية من حيث مصادرها المائية وهي المجموعة المهددة بندرة المياه خلال الأعوام القليلة القادمة حيث من المتوقع هبوط نصيب الفرد من المياه في مصر إلي 600 متر مكعب عام 2200م ، ومنذ عام كتبت مقال بعنوان ” مصر ودول حوض النيل …. صدام أم وفاق ” ونشر ليّ في عدة صحف.

وأشرت فيه أنه علي مر العصور فإن دعم العلاقات مع دول شعوب القارة الأفريقية كان دائماً وأبداً فى صدارة اهتمام صانعى قرار السياسة الخارجية المصرية ، ولكن ما الذي تغير وجعل دولة مثل أثيوبيا أحد دول منابع نهر النيل تُقدم علي بناء سد ( النهضة ) – وهي ليست المرة الأولي – وتحويل مجري النيل الأزرق ، بل والتلويح بإقامة ثلاث سدود أخري خلال الخمسة عشر عاماً القادمة هذا هو التساؤل الأهم في هذه المرحلة العصبية التي تمر بها البلاد وما يحيق بها من أزمات داخلية وأزمات حدود وأزمات خارجية ؟

الذي تغير أن العالم كله وليست مصر وحدها سيعاني من ندرة المياه ، فمحبطنا العربي أصبحت جميع دوله تحت خط الفقر المائي ، وعليهم الاستفادة مـن فاقد المياه ، فمثلاً في حوض النيل بلغت كمية المياه المتسربة إلي المستنقعات 84 مليار متر مكعب وهذا معدل مرتفع للغاية.

وتوجد مخاوف مصرية من الكيان الصهيوني متمثل في إسرائيل لمشاركتها أثيوبيا في عدة مشروعات ، قد تكون إحداها المشاركة في بناء سد النهضة والذي قد يؤثر علي حصة مصر من مياه النيل كما حدث للعراق عندما أقامت تركيا سد أتاتورك الضخم لحجز جانباً كبيراً من المياه عن العراق وسوريا ، فإذا لم تتحرك مصر وبقوة لوقف خطر الجفاف القادم سيحدث ما لا يحمد عقباه خاصة الأجيال القادمة .

تداعيات سد النهضة علي مصر :

المشكلة – في اعتقادي – وكما أشار الخبراء تكمن في فتره ملء خزان السد التي سيتم خلالها اقتطاع جزء مهم من إيراد النيل الأزرق التي تتدفق إلي مصر والسودان حيث يبلغ متوسط إيرادات هذا النهر عند ” الروصيرص ” بدولة السودان الشقيقة حوالي50 مليار متر مكعب ، وأحيانا يكون إيراده أعلي أو اقل من هذا المستوي ، كما أن مصر تعاني من أزمة حقيقية كل عام في مياه الري وبوار آلاف الأفدنة ، فكيف يكون الحال بعد بناء أثيوبيا لهذا السد ، وهناك أقاويل تتردد أن سد ” النهضة ” مخطط لتحويل المياه إلي إسرائيل .

ومن المعروف أن مصر دوله زراعيه والتعدي علي حقوقها من المياه هو تعد علي سيادتها ، فهناك ضرورة حيوية للدفاع  عن المياه حتي لو اضطررنا إلي استخدام القوه والتي قد تكون أحد الحلول المقترحة إذا استلزم الأمر ذلك .

إيجابيات السد علي أثيوبيا :

هذا من الناحية المصرية أما من الناحية الأثيوبية فإن الأثيوبيين يعتقدون أن إنشاء سد النهضة حق أصيل لدوله وشعب أثيوبيا وأنه لن يؤثر علي حصتي مصر والسودان من مياه النيل علي حسب التأكيدات المتكررة للمسئولين الأثيوبيين، وما أكده ” برهان جبر كريستوس ” وزير الدولة للشئون الخارجية الأثيوبي مؤخرًا علي هامش القمة الأفريقية الـ ٢١ التي اختتمت أعمالها بأديس أبابا عندما قال : ” لا تسعي للتأثير علي مصر، وأن أثيوبيا تعي حاجه مصر للمياه ، كما تري أن الهدف الأساسي من بناء سد النهضة هو توفير الكهرباء لتصبح بعدها أثيوبيا أحد اكبر الدول المصدرة للكهرباء في أفريقيا ، ويتكلف بناء السد 4 مليارات دولار ” .

وكثير من المحللين يرون أن  قرار أثيوبيا ببناء هذا السد وتحويل مجري النيل الأزرق في هذا الوقت يعد بمثابة خطوه استباقية لنتائج التقرير المتوقع أن تقدمه اللجنة الثلاثية الدولية المكلفة بتقييم سد النهضة ، والذي كان من المقرر أن يوصي بمزيد من الدراسات حول آثار تشغيل السد علي حصتي مصر والسودان من مياه النيل علي حسب ما صرح به ” علاء الظواهري ” عضو باللجنة الفنية الوطنية المصرية لدراسة سد النهضة لوكالة الأناضول .

الاتفاقيات السابقة لتقسيم المياه :

إن اتـفاقـيه تـقسيم مياه النيل التي وقعتها مصر من قبل عامي 1929 م و 1959 م مع دول حوض النيل حول حصتها التاريخية من المياه لا يمكن الرجوع عنها حيث أن هناك قاعدة دوليه حددتها المواثيق والإطار الدولي للاتفاقيات مفادها ”  أن اتفاقيه الأنهار مثلها مثل اتفاقيات ترسيم الحدود بين الدول ” ، والقانون الدولي لا يسمح بإعادة النظر في الاتفاقيات الخاصة بالمياه حتي لو كانت الدول الموقعة عليها خاضعة للاحتلال .

والمتتبع للأمر يجد أن موقف مصر سليم تماماً في هذه الاتفاقيات ، وأن الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل عام 2010 م التي تم التوقيع عليها بين الدول الأعضاء لتعديل بنودها ليست ملزمه لمصر والسودان لتوقعا عليها والاعتراف ببنودها التي جاء فيها إعادة تقسيم المياه وعدم الاعتراف بالاتفاقيات السابقة .

الحلول المتاحة الآن :

يجب فتح كل الخيارات للدفاع عن مياه النيل بما فيها استخدام القوه حتي لا يتم تهديد الأمن القومي للبلاد وحماية للأجيال القادمة من العبث بالمصدر الرئيسي للحياة علي أرض مصر ألا وهو نهر النيل ، ومن ذلك :

1-     الدعوة إلي التفاوض لتوقيع معاهده دوليه مع أثيوبيا  تقر فيها بحصتي مصر والسودان من مياه النيل مُقابل الموافقة علي إنشاء السد وتنظيم عمليه ملء الخزان بصوره تقلل الأضرار علي مصر والسودان خلال فتره الملء التي ينبغي أن تكون 15سنة علي الأقل وتشارك مصر والسودان في الإشراف علي ملء الخزان ، وفي السنوات التي ينخفض فيها إيراد النيل عن المتوسط (84) مليار متر مكعب عند أسوان تتوقف عمليه ملء الخزان بصوره مؤقتة .

2-     النظر إلي المشروعات الأثيوبية بشكل واقعي وموضوعي ، إذ ينبغي الإقرار بحق أثيوبيا في إقامة مشروعات لتوليد الكهرباء من مساقط المياه علي روافد النيل ، مع تنظيم استخدام هذا الحق بالاتفاق مع مصر والسودان ، وليس بشكل منفرد حتي لا يؤثر ذلك علي الحقوق التاريخية للبلدين من مياه الروافد الأثيوبية لنهر النيل والمثبتة بالاتفاقيات الموقعة من قبل عامي 29 ، 59 من القرن الماضي .

3-     أن تكون تلك المفاوضات علي قواعد الحقوق التاريخية التي تؤكد حق مصر والسودان في كل قطره مياه تصل لكل منهما من المياه الأثيوبية نظراً لترتيب حياه البشر والثروة الحيوانية والنباتية عليها ، وحق الارتفاق الذي ينص علي أن ” تدفق المياه من أي نهر دولي إلي أي دوله لمده عام كامل يولد لها حق ارتفاق للمياه التي حصلت عليها ”  فما بالكم بالحقوق المائية التاريخية لمصر والسودان التي يرجع تاريخها إلي أول وجود للجماعات البشرية في حوض النهر، والي بداية التاريخ المكتوب للعالم .

4-     التعاون الكامل مع أثيوبيا في مشروعاتها المائية كبادرة حسن نية ولضمان المتابعة ولوضع قيود ماديه ومعنوية علي إقامة أي مشروعات غير مقبولة مصرياً ، وحتى لا نترك المجال لدول معاديه لنا لتقوم هي بهذا الأمر بدلاً منّا .

5-     التحرك نحو الجنوب من خلال تعاون مشترك في مجال تطوير الإيرادات المائية في منطقه منابع نهـري ( جوبا وشبيلي ) في شـرق أثيـوبيا ، وحتى فـي حــوض ( نهر السوباط ) لإنقاذ ما يتبدد من مياهه في مستنقعات ” مشار” بحيث تحصل أثيوبيا علي حصة منها وتتوجه باهتماماتها المائية والزراعية بعيدا عن النيل الأزرق شريطه أن توافق رسميا علي اتفاقيه عام 1959، وألا تمس حصة مصر والسودان من مياه النيل في إطار صفقه شامله للتعاون بين الدول الثلاث حول مياه النيل بدلاً من التنازع عليها ، وتعاون شامل في مجال الزراعة والصيد والثروة الحيوانية .

6-     ثم التحرك نحو الشمال وذلك لتأمين المياه وتقليل الفاقد الذي ينحدر في البحر المتوسط ، وهذه مسئوليتنا جميعاً في الداخل بتنفيذ حملات توعية  وندوات ومؤتمرات قومية هدفها التوعية المباشرة للفلاحين والعمال وربات المنازل والكبار والصغار بأهمية المياه وأن حياتهم ستتأثر بالسلب إذ ما تم الإسراف في استخدامها .

7-     أيضاً هناك نشاط المجتمع المدنى والذى لم يكن متواجداً خلال الفترة السابقة فلم يكن هناك اتصالات بين ممثلى مؤسسات المجتمع المدني فى مصر مع نظرائهم فى الدول الأفريقية بصفة عامة ودول حوض النيل بصفة خاصة ، ومن المعروف أن هناك قناة اتصال وتنسيق مع الوفود الشعبية والتى تعد مسألة هامة فى دعم الاتصال حيث يتم مدها بالمعلومات اللازمة – كما حدث مع الوفد الذى زار أوغندا أخيراً والذى التقى بالدكتور نبيل العربى وزير الخارجية – آنذاك – قبل جولته لأوغندا وذلك لإطلاعهم على أخر تطورات الأمور وتزويدهم بما يريدونه من إيضاحات .

8-     ضرورة التلويح باستخدام قناة السويس كمحور هام خلال عملية التفاوض من خلال الإيحاء بمنع العبارات والسفن الأثيوبية من المرور من خلال القناة ذهاباً أو إياباً أو حتي العبارات والسفن التي نظن إنها متجهة إلي هناك .

أخيراً وليس آخراً :

يجب الأخذ في الاعتبار أن أي تهديد خارجي يُعد تهديد مباشر لجميع أوجه الحياة في مصر مع تصاعد احتياجات مصر من المياه بصورة كبيرة في ظل ثبات موارد المياه لديها وما يعتريها من جفاف وتصحر وفاقد كبير .

كما يجب علي النظام المصري بأكمله الرسمي والشعبي أن يتخذا موقفاً محدداً وحازماً بل وموحداً تجاه هذا الملف شديد الخطورة ، ولا أدل علي ذلك عندما وقف المصريون جميعاً خلف الرئيس الراحل أنور السادات عندما أثيرت هذه الأزمة في عهده .، فقال مقولته الشهيرة : ” إن الجيش المصري  سيحارب من أجل مياه النيل ” وأضيف من عندي لأنها قضية حياة أو موت.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *